الأربعاء، مايو 31، 2017

القرآن يعلمنا كيف ننجز المهمات الكبرى

لعلك لا بد سمعت في الأيام الماضي كثيرا قول الله تعالى (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات).

قال بعض مشايخنا: وإنما قال الله "أياما معدودات" للتسهيل على عباده، فلعله لو قال "شهرا" لاستصعبها المسلمون، فاختار اللفظ الموحي بالسهولة تيسيرا على عباده وتحفيزا لهم! وعند أهل اللغة أن اختيار جمع المؤنث السالم (معدودات) دليل على القلة. (انتهى)

وإن كنت من أهل قراءة جزء كل يوم فستمرّ بعد أيام على قصة معركة بدر كما رواها القرآن الكريم، وسيذكر القرآن مشهدا لن تراه في كتب السيرة والتاريخ، رغم كونه المشهد الأكثر تأثيرا.. لقد دبَّر الله لالتقاء المسلمين بالمشركين رغم أن المسلمين لم يكونوا يحبون هذا اللقاء، (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)، فكيف دبَّر الله هذا؟!

لقد قذف في قلوب الفريقين أن كليهما قادر على النصر، وأن عدوه ليس إلا قلة قليلة، قال ربنا القدير المدبر (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر، ولكنَّ الله سلَّم، إن الله عليم بذات الصدور * وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويُقلِّلكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور). تأمل في أن خيرة المسلمين، أصحاب بدر، لو كانوا قد تصوروا الأمر على حقيقته، وتحققت أعينهم انهيار ميزان القوى لدبَّ فيهم التنازع والاختلاف!

لمثل هذا يقولون: الفلاسفة لا يغيرون التاريخ، لأن أهل القياسات المنطقية الباردة أقرب دائما إلى الإحجام والتردد، إنما يغير التاريخ الأبطال المتحمسون، وأصلا لا يكون البطل بطلا إلا لأنه أقدم في موطن تقول الحسابات المنطقية أن التراجع أولى فيه، فلو أن البطل لا يقدم على الخطر ولا يتقدم إلا وهو يتحقق من النصر لما كان بذلك بطلا!

لولا المشقة ساد الناس كلهم .. الجود يُفْقِر والإقدام قَتَّال

والروح العامة في القرآن الكريم إنما تريد أن تغرس في روح الإنسان أن ما يقوم به في الدنيا هو قليل، وسيجزيه الله عن هذا القليل بالكثير في الآخرة.. (مَثَل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء)، (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل). ثم إن قليل الدنيا زائل على كل حال.. هذه قصة الدنيا كلها في سطر واحد (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح)، وهذه قصة الكافرين في نصف سطر (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد).

وقد ذكرنا في مقال سابق أن نفوس البشر تهرب من المشقة، حتى إن الله تعالى لما أنزل الإذن بالجهاد رغبت بعض النفوس أن لو كان الأمر تأجل قليلا، قال تعالى (فلما كُتِب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخَّرتنا إلى أجل قريب؟ قل: متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى، ولا تُظلمون فتيلا).. فهنا كذلك حفَّز الله عباده المؤمنين وهم في إطار الجهاد الذي سيغيرون به وجه التاريخ بطريق تذكيرهم أن متاع الدنيا هو القليل، وأن الآخرة هي الكثير!

كيف نستفيد من هذا؟

لو أننا نرتوي من كتاب ربنا لتعلمنا منه قبل تعلمنا من كتب التنمية البشرية أن النفس تحتاج إلى المخادعة والمحايلة والمثابرة كي تنجز الأعمال!

تحتاج أن تقنع نفسك ما استطعت بأن المهمة التي أمامها بسيطة وممكنة وليست بالعظيمة المُعجزة، بعض التغيير الطفيف في طريقة العرض تفلح مع النفس، نعم.. النفس تحب أن تُخدع أحيانا! ويحب أصحاب التنمية البشرية أن يستدلوا بما رواه أهل الأدب عن الملك الذي رأى رؤيا فطلب من يُعبِّرها فجاءه فقال له: سيموت أهلك جميعا أمام عينيك، فلم يملك نفسه من الحزن والغضب فقتله! ثم طلب غيره فجاءه فقال له: أبشر يا مولاي، أنت أطول أهلك عمرا، فاستبشر وكافأه.. والمعنى في الحالين واحد!

هكذا: "أياما معدودات"، وليس "شهرا".. والمعنى واحد!

وهكذا: يمكنك أن توصف الواجبات والأعمال التي ينبغي عليك إنجازها بأيسر توصيف وأسهل تعبير، فتنشط النفس لأدائها!

يخبرنا أهل التنمية البشرية كذلك بحيلة الخمس دقائق، يقولون: إذا استصعبت النفس مهمة ما فحايلها بأن تعمل خمس دقائق فقط، فقط خمس دقائق ثم لتفعل ما تشاء. وذلك أن التجربة أثبتت أن النفس إذا بدأت في العمل استمرت فيه، وإنما المشكلة كامنة في "إرادة البدء" هذه!

لو أننا نرتوي من كتاب ربنا وسنة نبينا لتبيَّنَّا مثل هذه الأمور من قوله تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، ومن قوله تعالى في الحديث القدسي "من تقرب إلىَّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"، ومن قول نبيه "لا تحقرن من المعروف شيئا"، "فاتقوا النار ولو بشق تمرة"، "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة (كعش عصفور) بنى الله له بيتا في الجنة".

وفي إطار محايلة النفس ومناورتها، جاءت التنمية البشرية بنصائحها: تقسيم المهمة الكبيرة إلى مهمات صغيرة، تقوية الثقة في النفس وإقناعها بالقدرة على الإنجاز، تحفيز النفس ووعدها بالمكافأة إذا أنجزت عملا ما، إقناع النفس بأن تحب ما تعمل... إلخ!

والواقع أيضا أن الشيطان يستدرج الواحد فينا بمثل هذا البطء والتحايل، ولذلك قال ربنا (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)، فلو قال (لا تتبعوا الشيطان) لكان المعنى واضحا ومفهوما، ولكن لفظ "خطوات" أضاف معنى الخفاء والتسلل والاستدراج!

في رمضان فرصة لمعايشة القرآن.. والقرآن يفتح لك أبوابه بقدر ما اقتربت منه وتدبرت فيه، ولقد استند أجدادنا إلى القرآن فغيروا وجه التاريخ، وأنجزوا المهمات العظمى، ولولا القرآن المغروس في النفوس لما بقي في الأمة من يجاهد، إن مجرد الحسابات المادية وحدها تدفع بالمجاهدين إلى الانتحار، لكن القوم الذين يحملون القرآن في صدورهم، ويرتوون من معانيه يعرفون أنهم على عهد وعلى وعد، وهو عهد ووعد تطيش أمامه كل الحسابات المنطقية الباردة.

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويُقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم).


(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).