الأحد، يونيو 18، 2017

ملامح الدولة المصرية كما في سورة يوسف

ما يلفت النظر في سورة يوسف هو قِدَم وعراقة نظام الدولة في #مصر.. وقصة يوسف هي أقدم ما يُروى في القرآن عن الأحوال في مصر.

الأمور معقدة ولها نظام وترتيب..

مثلا:

1. وجود السجن نفسه.. المجتمعات البسيطة تتعامل بالقتل مباشرة، بالقطع، بالنفي.. هذه العقوبات التي لا تحتاج مجهودا ولا وقتا ولا بناء ولا حراسة ولا إشراف على إطعام أو سقي المساجين!

وجود السجن نفسه دليل على وجود كل هذا..

وهو دليل على قوة الدولة التي تعاقب بالسجن، لأن العقوبة بالسجن تعني أن الدولة تأمن على نفسها من انتقام المسجون إذا أُطلق، وتأمن من وجود عصبة أو قوة ستسعى إلى تهريبه أو تسعى إلى مهاجمة السجن أو هدمه.. الدولة قادرة على الحكم بالحبس، وعلى إنفاذ الحبس، ومكان الحبس معروف للجميع.. والجميع يعرف ويستسلم، أو يعرف ويعجز.

2. وجود (نظام) قضائي.. وفكرة النظام لا علاقة لها بالعدل أو الظلم.. النظام هو القدرة على إدارة الأمر.

فمثلا هناك فترة بين الاتهام والعقوبة.. فامرأة العزيز اتهمت يوسف، وثبت في دائرة ضيقة أنه بريئ، لكن الخبر تسرب من القصر إلى نساء الأثرياء فتهامسن به، هنا تعرضت سمعة الدولة للخطر، ففتحت قضية في هذا الموضوع.

هناك فترة بين الاتهام وبين العقوبة.. هي الفترة التي جاءت فيها امرأة العزيز بالنساء وأخرجت عليهن يوسف.. وقالت بوضوح (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين).. تفهم من هذه العبارة أنه حر ما زال في بيت سيده، وأن القضية في فترة التحقيق، ولم تصدر العقوبة بعد.. كما تفهم منها طبعا أنها تملك التدخل في نتيجة القضاء.

(قضاء شامخ من زمان :) )

وهذا النظام القضائي يظهر كذلك في قصة يوسف مع صاحبيه في السجن..

فأحدهما مسجون في تهمة بسيطة، وسيخرج بعد فترة، وسيعود للعمل في فريق شرب الخمر لسيده.. والآخر مسجون في تهمة خطيرة وسيصدر الحكم عليه بالصلب والترك في العراء حتى تأكل الطير من جثته.. فهو الآن في فترة حبس احتياطية حتى يصدر الحكم.

فنفهم من هذا أن من المتهمين من كان يُحبس حتى يصدر عليه الحكم، سواء بالبراءة أو بالقتل.

قيمة هذا الكلام أنه موجود منذ آلاف السنين..

وطبعا هذا النظام القضائي مرهون برغبة الملوك.. فكما دخل يوسف السجن في تهمة ظالمة برغبة الكبار.. خرج منها في لحظة برغبة الملك.. (قضاء مستقل وشامخ :) طبعا)

3. وجود (نظام) إداري في مصر

وهذا النظام الإداري يظهر في العديد من المواقف، فمنها مثلا:

أ- أن أصحاب البضائع لا يسلمون بضائعهم فيتسلمون المقابل لها هكذا بتبادل مباشر.. لا، بل يسلمونها في مكان.. ويستلمون مقابلها في مكان آخر، ويتسلمونها مغلقة، ومن قوة نظام الدولة فإن الثقة متوفرة في هذه البضائع المستلمة منها.. والفترة التي بين التسليم والتسلم لا يعرفون فيها شيئا ولا يراقبون فيها شيئا.

ذلك ما حدث مع إخوة يوسف.. جاءوا ببضاعتهم فأخذت منهم، ثم أخذوا مقابلها مغلقة.. ولم يكتشفوا أن بضاعتهم ردت إليهم إلا حين عادوا إلى الشام.. ظلت البضائع التي تسلموها مغلقة مأمونة محفوظة حتى فتحوها في بلادهم.. هناك ثقة بما قد خُتِم بختم الدولة.

كان يوسف يملك أن يقول لفتيانه (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) فيضعها الفتيان دون أن يكون لأحدهم أن يكتشف هذا.

ب. ويظهر كذلك في اقتراح يوسف لحل مشكلة المجاعة.. فالدولة التي تستطيع الحفاظ على تخزين الحبوب والغلال، وعلى إبقاء بعضها إلى سبعة أعوام هي دولة ذات نظام قوي.. وذلك في أزمنة قديمة ليست فيها القدرة الحالية التي تمتلكها الدول من أنظمة وأساليب المراقبة والمتابعة.

جـ. ويظهر في قوله (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).. إن مهمة إدارة الخزانة المصرية مهمة كبرى تحتاج إلى كفاءة وموهبة وعلم (عليم) فوق حاجتها إلى الأمانة (حفيظ).

د. ويظهر أيضا في قول يعقوب (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة).. فالغرض الواحد (الاستبضاع) عند الوزراة المقصودة (وزارة المالية، أو التموين) يُفتح له أكثر من باب، ويدخل له أقوام من أبواب متفرقة.. ولا يؤثر هذا على النظام، فلا يحدث اضطراب أو ارتباك.. بل يقضي المرء مهمته سواء دخل هو وجماعته من باب واحد معا أو دخل كل واحد منهم من باب غير الآخر.

هناك أمور أخرى خطرت لي أثناء القراءة لكن تاهت مني لما لم أسجلها.. لكن فيما مضى مفهوم وبيان للقصد.

والدرس العملي الذي نستفيده من هذا أن أي إصلاح (خصوصا في مصر) لا يمكن أن يكون دون (السيطرة) على هذه (الدولة).. هذه الدولة العريقة الموغلة في القدم والتي صبغت حياة الناس فيها بحيث لم تعد في البلاد عصبيات يمكنها مواجهة السلطة كما هو الحال في عموم البلاد الأخرى.


نعم، أعرف أني كررت هذا المعنى كثيرا، ولكن لا بأس بتكراره مرة أخرى.. أصلا لا معنى لأي شيء لا يمكن الاستفادة منه عمليا.