الأربعاء، مارس 22، 2017

هذا جمال غير مسبوق!

لا نعلم في التاريخ أمة كان لها حسٌّ مرهف في الجمال كما كان للحضارة الإسلامية، والحديث عن هذا يطول تشهد به فنون العمارة كما تشهد به ملايين المساحات المتنوعة من الزخارف، وحضارتنا هي الوحيدة التي جعلت الخط العربي مادة ثرية للزخرفة والزينة، وهو ابتكار غير مسبوق، ومع هذا فحديثنا اليوم عن موضوع جديد لم أعرف أن أحدا ركّز عليه وتناوله، ذلك هو اختيارهم المرهف الرقيق لعناوين الكتب.

فمهما يكون موضوع الكتاب جافا أو ثقيلا أو مغرقا في الجدية فإن العالِم المسلم كان حريصا على اختيار عنوان لذيذ يجعله رقيقا محببا مقربا إلى النفوس!

الجِناس المُطرب

أقل ما نجد من أنواع الجمال في عناوين الكتب أن يكون لها جرس موسيقي من أثر الجِناس، والجِناس كما هو معروف يعني تشابه الحروف الأخيرة، فذلك هو الجناس الناقص، فإن كان الجِناس تامًّا فهو أن تتشابه الكلمتان ولكن يختلف معناها. وهكذا تجد الأذن لذة في سماع العنوان وتأمل معناه.

فمن أمثلة الجناس الناقص: (الاقتصاد.. في الاعتقاد) للغزالي، و(فتح الباري.. شرح صحيح البخاري) لابن حجر، و(زاد المعاد.. في هَدْي خير العباد) لابن القيم، و(بداية المجتهد.. ونهاية المقتصد) لابن رشد، و(البيان المُغرب.. في أخبار الأندلس والمَغرب) لابن عذارى. ومن أمثلة الجناس التام، كتاب ابن العماد الحنبلي في تاريخه (شذرات الذهب.. في أخبارِ مَنْ ذهب).

ظلالٌ وثمار

كان سيد قطب متأثرا بأجداده الأقدمين حين جعل عنوان تفسيره (في ظلال القرآن)، لقد سبقه إلى هذا كثيرون جعلوا كتبهم حدائق وأشجار، كالنووي الذي كتب في السنة (رياض الصالحين.. من كلام خير المرسلين)، ومغلطاي بن قليج الذي جعل السيرة روضا (الروض الباسم.. في سيرة أبي القاسم)، والسيوطي الذي جعل سيرة الصديق هكذا (الروض الأنيق.. في سيرة الصديق)، وابن جماعة الذي جعل علوم الحديث منهلا رويًّا فكتب (المنهل الرويّ.. في علوم الحديث النبوي)، والمقري الذي كتب تاريخ الأندلس فجعله رائحة غصن ناضر وسمَّاه (نفح الطيب.. من غصن الأندلس الرطيب)، وأبو شامة الذي جعل تاريخ نور الدين وصلاح الدين روضتين في (الروضتيْن.. في أخبار الدولتيْن)، وابن أبي زرع الذي جعل تاريخه (أزهار البستان.. في أخبار الزمان)، والحميري الذي جعل رحلاته ومشاهد الأرض (الروض المعطار.. في خبر الأقطار)، وابن غازي الذي كتب تاريخه كأنه (الروض الهتون.. في أخبار مكناسة الزيتون)، وابن إياس الذي جعل تايخه زهورا وسمَّاه (بدائع الزهور.. في وقائع الدهور)، وابن كنان الذي كتب عن الرسوم السلطانية (البروتوكول) فكان كتابه (حدائق الياسمين.. في قوانين الخلفاء والسلاطين).

وكتب ابن حبان في الرقائق (روضة العقلاء.. ونزهة الفضلاء)، ومثله كتب ابن الجوزي في الوعظ (بستان الواعظين.. ورياض السامعين)، ومثلهما كتب ابن القيم (روضة المحبين.. ونزهة المشتاقين).

شموسٌ وأقمار

يمكنك أن تدخل مكتبة تراثية فتفاجأ بأنك على الحقيقة قد بدأت رحلة في السماء، بين الشموس والأقمار والنجوم والكواكب؛ فإنك عند التفسير وعلوم القرآن تجد سراج الدين النشار يشرح لك القراءات تحت عنوان (البدور الزاهرة.. في القراءت العشر المتواترة)، فإن ذهبت إلى الحديث رأيت (البدر المنير.. في تخرج أحاديث الشرح الكبير) لابن الملقن، فإذا وصلت إلى الأصول شاهدت (الأنجم الزاهرات.. على حل ألفاظ الورقات) للمارديني، فإن كنت عند التاريخ طالعتَ (النجوم الزاهرة.. في أخبار ملوك مصر والقاهرة) لابن تغري بردي، فإذا ذهبت إلى الأدب طلع عليك (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) للقلقشندي، فإن كنت عند كتب الزهد والرقائق طلعت عليك (البدور السافرة.. في أمور الآخرة) للسيوطي.

بحار وأنهار

ويمكن لرحلتك العلمية أن تكون في الماء، بين البحار والأنهار، فدارس الفقه الحنفي ينهل من (البحر الرائق.. شرح كنز الدقائق) لابن نجيم، ولما أراد الفقيه الحنفي إبراهيم الحلبي أن يجمع خلاصة المذهب في كتاب واحد سمَّاه (ملتقى الأبْحُر) حيث تلتقي فيه بحار العلم المتفرقة في المذهب، ثم جاء فقيه حنفي آخر يلقب بشيخ زاده فشرح الكتاب فجعل العنوان (مَجْمَع الأنهر.. شرح مُلتقى الأبحر). وأما الدارس لفقه الدليل عند الشوكاني فسيجد نفسه يتابع (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار). وأما دارس التاريخ فيجد نفسه أمام (المنهل الصافي.. والمستوفى بعد الوافي) لابن تغري بردي،

كنوزٌ  وجواهر

أحيانا يدخل بك المؤلف مغارات الكنوز ويفتح لك صناديق الجواهر ويغوص بك البحار ليأتيك باللآلئ، فكأن الكتاب كنزٌ متألق.. هكذا صنع الثعالبي الذي سمَّى تفسيره (الجواهر الحسان.. في تفسير القرآن)، والسيوطي الذي سمَّى تفسيره (الدُّرُّ المنثور.. في التفسير بالمأثور)، ورأى السيوطي أنه يهدي الأمة كنزا حين يكشف لها الأحاديث المكذوبة على النبي فقدَّمه بعنوان (اللآلئ المصنوعة.. في الأحاديث الموضوعة)، ورأى الغزالي أن يهدي الملوك نصيحة فسمَّاها (التِّبْر –أي: الذهب- المسبوك.. في نصيحة الملوك)، وأما المسعودي فقد جعل التاريخ والرحلات أودية من الذهب في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وكتب الداوداري تاريخا فجعل له عنوانا فاخرا هو (كنز الدُّرَر وجامع الغُرَر)، وأرَّخ ابن حجر لعلماء زمانه فجعل كتابه (الدُّرر الكامنة.. في أعيان المائة الثامنة)، وختم المسيرة محمد فؤاد عبد الباقي الذي قدَّم كنزه من الأحاديث التي هي في أعلى درجات الثقة بكتابه (اللؤلؤ والمرجان.. فيما اتفق عليه الشيخان).

هدايا أخرى

ربما كانت الهدية أقل من كنز حافل بالجواهر والدرر، ربما تكون تحفة نادرة كما فعل المباركفوري في (تحفة الأحوذي.. شرح جامع الترمذي)، أو ربما صناعة متقنة بديعة كما فعل الكاساني في كتابه الفقهي (بدائع الصنائع.. في ترتيب الشرائع)، أو ربما زخرفة وحُلية ثمينة كما فعل ابن حزم في كتابه (المُحَلَّى بالآثار.. شرح المُجَلَّى بالاختصار)، أو ربما أنيسا لطيفا ظريفا كما جعله ابن أبي زرع في كتابه (الأنيس المطرب بروض القرطاس.. في ذكر ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس).

وأحيانا تكون الهدية دواء وشفاء وهداية ، كما فعل القاضي عياض بكتابه (الشفا.. بالتعريف بحقوق المصطفى)، ومثله ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي.. لمن سأل عن الدواء الشافي)، وكتابه الآخر (هداية الحيارى.. في أجوبة اليهود والنصارى).

العقد الفريد


ونختم المقال بهذا الكتاب الشهير لأديب الأندلس ابن عبد ربه، وهو (العقد الفريد)، فلقد أنشأ كتابه كأنما هو عِقدٌ مُكوَّن من جواهر، كل جوهرة كأنها فصل مستقل في موضوع مستقل، يبدأ العِقد بـ "المرجانة في مخاطبة الملوك"، وبعدها "الياقوتة في العلم والأدب"، ثم "الجوهرة في الأمثال"، ثم "الزمردة في المواعظ والزهد"، وهكذا حتى تصل إلى واسطة العقد وهي في الخطب، ثم نعودثانية حتى نصل إلى خاتمة العقد "اللؤلؤة في الفكاهات والمُلح". فتكتمل بهذا موسوعة أدبية فريدة نُظِمت كأنها عقد جوهر فريد!