الأربعاء، مارس 01، 2017

في هجاء الوطن

الحرية أم الوطن؟!

في الحلقتيْن اللتيْن أذيعتا من البرنامج المتميز كلام كبير، تردد النقاش حول هذا المعنى: لو كان الخيار بين الحرية والوطن، ماذا تختار؟!

اختار بعضهم الوطن..

الحقيقة أن بعض الأمور الأساسية لا أتقبل فيها الخلاف، أجد نفسي مندفعا لاحتقار من يُقدِّم الوطن على الحرية.. لكنني أعود وأجد لبعضهم بعض العذر، ذلك أن التشوه الذي لحق بالعقول والنفوس عبر المائتي سنة الماضية صار بحجم الوباء العميق المنتشر!

وباء لم يضرب فقط العقول، بل ضرب النفوس.. فصار الذل مقبولا لا باعتباره اضطرارا بل لأنه "خيار صحيح"، ثم لا تزال آلة التشوه تعمل عملها في النفوس حتى تتقبله النفوس باعتباره "الوطنية" والخيار الأمثل!

إن ترك الوطن والعيش بالحرية هو اختيار البشر مؤمنهم وكافرهم.. والناس يختارون أن يكونوا لاجئين فيتركون البيوت والأوطان والأهل والذكريات والأعمال والأموال إذا كان البديل هو السجن والقتل!

وهو اختيار الشرع أيضا.. كما في آيات وأحاديث كثيرة:

(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها).

وقد قامت حضارتنا الإسلامية كلها الدولة المسلمة التي بدأت بالهجرة..

واختار عمر -ووافقه الصحابة- تاريخ الهجرة تحديدا ليكون تقويم الإسلام.. لحظة أن تركوا الوطن والبيت والمال وهاجروا حيث يمتلكون حريتهم ويقيمون دينهم!

ماذا نفعل بالوطن حين يكون سجنا وقتلا؟!

حتى الفلسفة المادية العلمانية التي لا تؤمن بالسماء ولا تبحث إلا عن المنفعة واللذة الأرضية تقيم أساس الدولة على كونها الوضع الأفضل للناس، يتخلون لها عن قدر بسيط من حريتهم في مقابل أن يتمتعوا معا بالوضع الأنسب لهم جميعا..

إن القبول بهذه النظم المستبدة لا ينسجم لا مع شرع الله، ولا حتى مع شرع العلمانية.. وتلك الأنظمة في بلادنا لا يؤيدها إلا أسافل العلمانيين وأنجاسهم قاطبة.. حتى إن العلماني العربي الحريص على صورته ووجاهته ومكانته أمام أصدقائه العلمانيين حول العالم لا يتورط في دعم ومساندة هذه الأنظمة ونفاقها!

زوال هذه الأنظمة خير من بقائها..

ولو عادت البلاد إلى البدائية الأولى بغير سلطة، يعيش فيها الناس الحرية التي كانت للبدائيين الأولين، لكان خيرا لهم وللجميع من أن تكون البلاد سجنا كبيرا يُدار بأحدث أنماط التكنولوجيا التي يُستعبد فيها البشر وتُجرى عليهم التجارب الجسدية والنفسية لقهرهم والتحكم فيهم والسيطرة عليهم.

والكاذب الجاهل هو من يتخيل أن مآسينا بدأت بالثورات.. بل الواقع أن مآسينا بلغت هذا الحد الشديد التكلفة لأنها تأخرت عن وقتها عقودا طويلة حتى استبدت الأنظمة بالشعوب واتسع الفارق بين الطرفين في القوة، فصارت السلطة تمتلك القوة الهائلة الجارفة بينما الشعوب محرومة منها، ثم رسخت لنفسها عبر التعليم والإعلام وعلماء السوء بما جعل الثورة عليها عملا ينافي الدين أو الوطنية أو العقل.

وهذه الكلفة العالية سنبذلها لا محالة.. وقد كنا نبذلها على الحقيقة لكن بالقطارة، فلما اشتعلت معركة الشعب مع السلطة صرنا نبذلها بالجملة.. وهذه سنة التحرر!

هذه سنة التحرر التي تكبدتها كل الأمم التي صارت الآن قوية ناهضة، وتعزز قوتها بما تمتصه من دمائنا وثرواتنا ولهذا فإنها تدعم عملاءها عندنا لأنهم خط الدفاع الأول عنها، والقيد الأول الأشد الذي يكبل إرادة هذه الأمة.

ربما أتفهم من يعارضون الثورة لحسابات المصلحة والمفسدة وتوازن القوى، أتفهم موقف هؤلاء مع يقيني الكامل بفساد حسبتهم للمصالح والمفاسد، لأنها حسبة تنظر تحت الأقدام ولا تقيس أثر الاستبداد على مستوى السنين والعقود..

أما الذين أكاد أحتقرهم تماما فأولئك الذين يعارضون الثورة من منطلق مبدئي أخلاقي.. هؤلاء هم "المتحولون" أو "المسخ" الذين أنتجتهم السلطات المجرمة فصاروا جنودا لها وهم لا يشعرون! فالمؤسف أن بعضهم صادق النية، يحسبون أنهم يُحسنون صنعا!

هؤلاء الذين يعارضون المقاومة، ينادون بالاستسلام، يقدِّمون الوطن (السجن) على الحرية! مثلهم كمثل الذي يمنع إعطاء المريض الدواء المرّ، يشفق عليه بالتضحية به، يُمَكِّن للسرطان من جسده كي لا يتألم في لحظة بتر!

وصدق شوقي حين مدح النبي فقال:

الحرب في حق لديك شريعة .. ومن السموم الناقعات دواء

ثم ما الوطن؟ وما قيمة الوطن كله؟!

الوطن هو الناس والبشر.. لا الحجر ولا الشجر ولا المباني.. فمهما تضخمت المباني على حساب تعاسة الناس فلا بأس بهدم المباني إن كان في هذا سعادة الناس.. وأسوياء الناس يفضلون حياة السعادة مع المشقة على حياة البؤس والقهر ولو مع الرفاهية والترف. وعن أولئك قالت ميسون بنت بحدل:

ولبس عباءة وتقر عيني .. أحب إلي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي .. أحب إلي من أكل الرغيف

فكيف إذا كان "الوطن" و"الدولة" لا تعني في الحقيقة إلا أولئك المجرمين السفاحين العملاء الممسكين بالسلطة.. لا هم منا ولا نحن منهم، فلا نأكل كما يأكلون ولا نلبس كما يلبسون ولا نتعلم كما يتعلمون، بل ولا ندين الدين الذين يدينون.. ولا نحن وضعناهم في السلطة ولا فوضناهم في أمورنا، ولا هم يحبوننا ولا يعملون لصالحنا.. نبغضهم ويبغضوننا ونلعنهم ويلعنوننا، ولا يشبعون من نهب أموالنا وشرب دمائنا ولا يترددون في قتلنا!

هذا والله "وطن" زواله خير من بقائه.. و"دولة" عدمها خير من وجودها.. وصدق أحمد مطر حين أحال هذا المعنى شعرا فقال:

نموت كي يحيا الوطن

يحيا لمن؟

لابن زنى، يهتكه .. ثم يقاضيه الثمن؟!

لمن؟ لإثنين وعشرين وباء مزمناً

لمن؟ لإثنين وعشرين لقيطاً

يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن

ويختمون بيته بالشمع

حتى يرعوي عن غيه

ويطلب الغفران من عند الوثن؟!

تف على هذا الوطن!

وألف تف مرة أخرى!

على هذا الوطن

من بعدنا يبقى التراب والعفن

نحن الوطن!

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن!

إن لم يكن بنا كريماً آمناً

ولم يكن محترماً

ولم يكن حُراً


فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!