الجمعة، أكتوبر 14، 2016

عرض كتاب "النظرية الحركية في السياسة الشرعية" (2)


§       اسم الكتاب: النظرية الحركية في السياسة الشرعية
§       المؤلف: محمد مصطفى النوباني
§       دار النشر: نداء (اسطنبول: تركيا)
§       عدد الصفحات: 216 من القطع الكبير
§       الطبعة: الأولى (يناير 2016م)
§       من إصدارات: هيئة علماء فلسطين في الخارج
وقفنا في المقال السابق عند منتصف الكتاب الذي نستعرضه بنوع تفصيل، وهذا مع التأكيد على أن هذا العرض مجرد إشارة لا تغني عن قراءة الكتاب، فالكتاب هو منهج لاستخدام أدوات البحث في استنباط النظرية السياسية الحركية في واقع الجماعة المسلمة (في مرحلة الدعوة/ ما قبل الدولة) ثم في واقع قيام الدولة. ولهذا ننصح بقراءة المقال الماضي قبل البدء في هذه الأسطر القادمة.

(3) المحور الثالث: النظرية السياسية من خلال السيرة النبوية

دلَّ القرآن نفسه على أن السنة مرجعية عليا عبر الكثير من الآيات، كما أن السيرة هي النموذج العملي التطبيقي للنظرية السياسية الإسلامية، ومن ثم فهي مرجعية بالنص وبالعقل معا. وهكذا يعتمد المؤلف شمولية السيرة لكافة الجوانب لكونها تطبيقا للقرآن وينطلق من هذا الاعتماد إلى عدم تجويز الأخذ بشرع من قبلنا واعتبار أنه ليس شرعا لنا، وهو خلاف مشهور بين الأصوليين.

وقد اقتضت محاولة فهم القرآن كمرشد وموجِّه لحركة الجماعة المسلمة أن يكون ثمة تصور واضح عن السيرة النبوية، ذلك أن فهم القرآن لا يتم على وجهه الأمثل إلا إذا استحضرنا الظروف والأجواء الذي نزل فيه، ولهذا خرج المؤلف من قراءته للسيرة بتقسيمها إلى ست مراحل، ثلاث في المرحلة المكية وثلاث في المرحلة المدنية، وجعل لكل مرحلة سمات وخصائص تتميز بها، ومن خلال هذه السمات يمكن فهم القرآن الكريم وكيف قاد ووجَّه حركة الجماعة المسلمة.

والمراحل هي:

1.    مرحلة الدعوة السرية (1 – 3 من البعثة)
2.    مرحلة الجهر بالدعوة (3 – 10)
3.    مرحلة البحث عن مظلة سياسية (10 – 13) [وهذه هي المراحل المكية]
4.    مرحلة بناء الدولة واستراتيجية الدفاع (1 – 5هـ)
5.    مرحلة التوسع (5 – 8)
6.    مرحلة الخطاب العالمي (8 – 11: وفاة النبي) [وهذه هي المراحل المدنية]

يقول المؤلف بأنه ينبغي علينا دراسة المحاور الخمسة للعملية السياسية (نظام الحكم، منظومة الدعوة والمواجهة، علم النفس السياسي، علم الاجتماع السياسي) في كل مرحلة من مراحل السيرة، لنخرج من ذلك كله بالواجب السياسي على الجماعة المسلمة والدولة الإسلامية في المرحلة المشابهة لها في واقعها المعاصر.. وضرب على هذا بعض الأمثلة في كل مرحلة.

(4) المحور الرابع: النظرية السياسية من خلال الخلافة الراشدة

لقد كانت السيرة النبوية تجربة تطبيق بشرية لكنها محوطة بالوحي الذي يوجهها أو يصححها، فلذلك سن رسول الله للأمة الاقتداء "بالخلفاء الراشدين المهديين من بعده"، وقوله "الخلفاء" دليل على أنه اقتداء بهم في باب السياسة والإمامة، إذ هو حددهم بصفتهم "الخلفاء"، كما أنه لا سنة للخلفاء تُتَّبَع في الدين إلا سنتهم في السياسة فالنبي قد وضَّح السنن، وذلك لضرورة أن تكون ثمة مرحلة بشرية كاملة يقتدي الناس بها، مرحلة بلا وحي ولا رسول معصوم، ومن هنا فإن فترة الخلافة الراشدة هي النموذج الذي تقتدي به الأمة في باب السياسة.

وقد أراد المؤلف ضبط منهج الاقتداء بهذه الفترة فوضع ثلاثة قيود:

-       الأول: قيد التوجيه النبوي بمعنى أن حديث النبي حدد الاقتداء بهم في باب السياسة، وبهذا يخرج من الاقتداء ما كان من آرائهم في فقه العبادات والمعاملات ونحوه.

-       الثاني: قيد الاختصاص، ومعناه –كما يرى المؤلف، وهذه من ابتكاراته- أن مرحلة الخلافة شملت كل أحوال الدولة الإسلامية صعودا ورخاء وفتنة وحربا، وأن كل خليفة قام بما يناسب مرحلته، فيكون الاقتداء به أنسب حين تتشابه أحوالنا مع أحواله، فمشكلات التأسيس والبناء نقتدي فيها بأبي بكر، ومرحلة التمكين والنهوض نقتدي فيها بعمر وبالقسم الأول من خلافة عثمان، ومرحلة وجود تيارات معارضة وسلمية نقتدي فيها بعثمان، ومرحلة التهديدات الداخلية نقتدي فيها بعلي.. وهكذا، ومن ثَمَّ صار لكل خليفة اختصاص بمرحلة زمنية هو الأولى في الاقتداء به فيها.

-       الثالث: قيد الإجماع السياسي، ومعناه أن ما أجمع عليه الخلفاء الراشدون في باب السياسة هو واجب الاتباع، وهذا خلاف إجماعهم في رأي فقهي جزئي فهذا الذي لا يمثل إجماعهم فيه سنة واجبة الاتباع، وقولهم فيه كقول الصحابي وهذه هي المسألة المبحوثة في علم أصول الفقه.

(5) المحور الخامس: ذيول وتطبيقات

ثم أفرد المؤلف في النهاية فصولا كأنها ذيول وتطبيقات على النظرية:

ففي الفصل الثاني عشر يتناول علاقة النظرية بعلم أصول الفقه، وهو يقول بأن النظر السياسي والفقه السياسي يحمل على أن نجعل "الإجماع" كمصدر تشريع مقيدا في النظرية السياسية بكونه "إجماع الخلفاء الراشدين"، كذلك "القياس" لا بد فيه من مراعاة "قيد المرحلة" الذي تناوله من قبل في السيرة وفي فترة الخلافة الراشدة ولا يمكن إهدار قيد المرحلة هذا في عملية القياس ضمن الفقه السياسي.

وفي الفصل الثالث عشر يتحدث عن عملية الاستنباط السياسي، انطلاقا من قول الله تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، والسياسة في القرآن، كما يقول المؤلف، هي "إدارة شأن الأمن والخوف"، فلذلك لا بد من وجود هيئة (أولي الأمر) وفي ضمنها هيئة أخرى هي (أهل الاستنباط)، وهذا هو ما يعصم الجماعة المسلمة من الوقوع في الخطأ واتباع الشيطان. ومن هذه الآية يدخل المؤلف في اقتراح تشكيل مؤسسات تمثل أعمدة يستند إليها التطبيق السياسي، فبالإضافة إلى أولي الأمر وأهل الاستنباط يقترح إنشاء "محكمة المرجعية" التي تفصل فيما يختلف فيه أهل الاستنباط، واقتراحه هذا متأسس على قول الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].

وتبعا لما سبق فهو يقترح إنشاء "معهد الاستنباط" الذي يتكون فيه أهل الاستنباط ويكون محضنهم التربوي والتعليمي، وإنشاء "فريق رفع الكتلة السياسية" المختص بتوصيف واقع الجماعة أو الكتلة المسلمة وتحديد أي مراحل السيرة تعيشها، وإنشاء "هيئة رفع الواقع السياسي" المختصة بدراسة الواقع السياسي فهي مركز دراسات استراتيجية، وإنشاء "وحدة توزيع المهام" التي تتولى توزيع المهمات بحسب المواهب والإمكانيات لدى أبناء الصف، وإنشاء "وحدة دراسة فقه الصراع" وهي المختصة بدراسة العدو من خلال أوصافه الواردة في القرآن والسنة ومن خلال الواقع، وإنشاء "الوحدة التربوية" التي تختص بضبط محاور التربية للكتلة أو الجماعة المسلمة من خلال مرحلة السيرة المشابهة. ثم ضرب مثالا على تصوره لهذه المؤسسات وإدارة عملية الاستنباط ومهمات الوحدات السالف ذكرها في العملية السياسية.

***

كانت هذا عرضا في غاية الاختصار والإيجاز لفكرة الكتاب، والمقصود منه أن يُغري ويُشَوِّق لقراءته والاطلاع عليه، إذ لا يمكن شرح فكرته على وجه الكفاية في مقال.

إن الفكرة التي يؤسس لها الكتاب ليست جديدة في عطاء الصحوة الإسلامية الحديثة، فلا يزال التراث الفكري للصحوة في باب السياسة يدندن حول قدرة الإسلام وتميزه في النموذج السياسي، إلا أن الجديد الذي أتى به المؤلف هو هذا التفصيل والتفريع في بناء النظرية ومحاولة الوصول إلى قدر تام من الانضباط والتحديد، وهو أمر لا يمكن استيفاؤه على الوجه المطلوب قبل دراسات مكثفة في التفسير والسيرة والتاريخ والفقه والأصول، وهو ما يعمل عليه المؤلف وفريق عمله، نسأل الله لهم السداد والتوفيق.

والنظرية تطرح إشكالات علمية تتنازع بعض أبوابها، مثل: ما يراه من لزوم الحاجة إلى ترتيب القرآن حسب النزول[1] لا سيما وهذا الترتيب متعذر، ولو كان ضروريا لكان القرآن قد كُتِب مرتبا حسب النزول أو كان الله قد حفظ لنا من الروايات ما يمكن معه إجراء هذا الترتيب، ثم مسألة فقه التنزيل وما يلزم ذلك من اختيارات في مسائل الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحو ذلك، ومسألة نفي الترادف في ألفاظ القرآن، وهل تكفي معاجم اللغة في الوصول إلى تحديد دقيق للمعنى يُلبس به معنى شرعيا ملزما، وكذلك رأيه بأن شمولية السيرة يلزم منه عدم اعتبار شرع من قبلنا شرعا لنا إن كان مسكوتا عنه في شرعنا، فهو هنا يجعل السيرة مسارا عمليا لا يجوز الأخذ من غيره، كأنه مسار توقيفي يكون الأصل في التعامل معها الحرمة إلا ما ورد فيها فيكون حكمه الإباحة بل ربما الوجوب! وكذا مواقف النبي الدنيوية والسياسية التي يحملها المؤلف على الإلزام، وغير هذا من المسائل، وكل هذا موضع بحث ومناقشة واسعة في الفقه وأصوله، خصوصا في أمور ربما وقع فيها إجماع سابق أو استقر العمل بها.

وقد جرى نقاش مطول بيني وبين المؤلف في هذا ولم نهتد في هذه المسائل إلى رأي مقنع لي، وبعض المسائل يقر هو أنه لم ينته فيها لرأي، ولكن يمكن الوصول فيها لرأي حاسم مع البحث والتقصي.

ومع هذا فإن المؤكد الذي ينبغي تكرار الإشارة إليه: أن هذا الكتاب جدير بالقراءة والدراسة والتأمل، ثم مدّ يد العون لمؤلفه وفرق العمل العاملة على استكمال لوازمه. فالنظرية ما تزال في طور التكون، وهي نظرية في المنهج لاستنباط نظرية سياسية منضبطة ومفصلة، ولا يُتوقع أن تنضج ثمرتها في المدى القريب.

نشر في ساسة بوست



[1] وهو ليس مسبوقا في أصل الفكرة فقد طرحها عدد قبله من المفكرين والعلماء، وبعضهم أصدر تفاسير مرتبة حسب النزول مثل محمد عزت دروزة وعبد الرحمن حبنكة، وقد تناول هذه التفاسير دراسة وتقويما د. طه أبو فارس في رسالته للدكتوراة "تفاسير القرآن الكريم حسب ترتيب النزول: دراسة وتقويم"، وهي من منشورات دار الفتح العربي.