الخميس، يوليو 23، 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (12 - الأخيرة)

اقرأ أولا:


هذا ختام هذه المقالات التي التقطنا فيها مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

ونعيد التذكير بأنه كتب هذه المذكرات وقت علمانيته وضلالته وقبل تحوله إلى الإسلام الذي كان في آخر حياته!

(44)

لقد عاصر عبد الرحمن بدوي تجارب حكم العسكر في الوحدة بين البلاد العربية، ورأى كيف أنها فشلت جميعا، حتى أنه اعتقد في آخر الأمر أن مسألة الوحدة مستحيلة، وكتب يقول بعد فشل محاولة الوحدة بين مصر وليبيا والسودان فقرة تحمل طعم اليأس والمرارة وتشير إلى نكبة أمتنا بمن حكموها من العسكر:

"تكفي هذه الشواهد لتقديم الدليل القاطع على فساد فكرة الاتحاد أو الوحدة بين مصر وبين أية دولة عربية أخرى، وبوجه أعمّ بين أية دولة عربية وأية دولة عربية أخرى. والشواهد أمامنا ماثلة للعيان لا تحتاج إلى مزيد بيان: مثل مشروعات الوحدة بين العراق وسوريا، وبينهما وبين الأردن، ثم بين المغرب وليبيا، ثم بين ليبيا وتونس، إلخ – وكلها ما لبثت عما قليل أن انهارت وتجلت أنها مجرد أوهام ودجل وتهريج سياسي.

بل إن أبسط مظاهر التقارب معدومة بين الدول العربية: مثل إلغاء تأشيرات الدخول، وحرية تنقل العاملين للعمل في بلد آخر، وحرية تملك الأراضي الزراعية والمنازل، وتخفيض التعريفة الجمركية إن لم يكن إلغاؤها كلية – وما شاكل ذلك من ألوان التيسير في التعامل بين الدول، مما هو موجود مثلا بين دول المجموعة الأوروبية. نعم قد يتقرر إلغاء التأشيرات بين بعض الدول العربية وبعضها الآخر، لكن هذا الإلغاء ما يلبث بعد فترة قصيرة أن يُلغى وتعود الأمور إلى سابق عهدها: من التضييق الشديد وإقامة العقبات العديدة والمهينة في سبيل الحصول على تأشيرات دخول. ناهيك بدول الخليج الست. فإن الدخول فيها لغير أبنائها قد يصل به العسر أحيانا إلى حد أن يكون دخول الجنة أيسر منه!!

وأمام هذه الحقائق الدامغة فإننا نجزم بأن "دعاة الوحدة" إنما هم دجالون مضلِّلون متاجرون بالشعارات الباطلة تحقيقا لأطماعهم الخسيسة، وهم مجرد طبّالين وزمّارين للمتطلعين إلى زعامات وهمية على سائر الشعوب العربية"[1].

(45)

منذ خرج عبد الرحمن بدوي من مصر في زمن عبد الناصر لم يعد إليها ولم يفكر في العودة إليها إلا فترة شهرين في عهد السادات الذي تدخل لدى القذافي للإفراج عنه، وكان القذافي قد اعتقله ضمن حملاته المجنونة العديدة من بين عدد من أساتذة الجامعات، وكان بدوي حينها يُدرِّس في ليبيا. وفي هذه العودة طلب إليه بعض الزملاء أن يعود للتدريس في جامعة عين شمس التي فُصِل منها فأبى إلا أن تلغي الجامعة قرار فصله من نفسها.. وهو إذ يحكي عن قرار فصله يكشف جانبا من أحوال مصر وأساتذة الجامعة فيها تحت حكم العسكر، يقول عن هذا:

"كان الذي أصدر القرار هو مدير الجامعة آنذاك د. إسماعيل غانم، وكان منذ سنة 1962 تقريبا يعمل عميلا لجهاز المخابرات، ورئيسا للجهاز السرِّي الخاص بجامعة عين شمس، وتبعا لذلك كان يتولى كتابة التقريرات السياسية ضد أعضاء هيئة التدريس ورجال الإدارة في الجامعة. ومكافأة له على هذه الأعمال الخسيسة الدنيئة القذرة عُيّن وزيرا للثقافة ثم مديرا لجامعة عين شمس!! (حتى بعد الثورة التصحيحية للسادات) وظل يلقى رعاية من جهاز المخابرات حتى في عام 1973م"[2].

(46)

ويتحدث بدوي في هذه الزيارة القصيرة عن مصر بعد "ثورة التصحيح" مايو 1951 فيقول:

"لم ألحظ في مصر، عند عودتي هذه المرة تغييرا كبيرا من النوع الذي أوْهَمَتْ بحدوثه تلك "الثورة التصحيحية". فلئن كان قد تم إلغاء الحراسة على الأشخاص والأموال، فإن هذا الإلغاء كان نظريا أكثر منه عمليا:

-       فما قيمة إلغاء الحراسة على الأراضي الزراعية مع بقاء عقود الإيجار التي فرضت عليها نتيجة الحراسة، ومن شأن هذه العقود الإيجارية أن تنزل بريع الأرض بالنسبة إلى المالك بمقدار أربعة أخماس أو يزيد؟!

-       والعمارات التي فرضت عليها الحراسة وضُمّت إلى شركات التأمين أو استولى عليها أصحاب السلطان في عهد عبد الناصر بقيت عمليا على حالها ولم يستلمها أصحابها.

-       وأمر آخر أشد هولاء ونكرا، وهو قانون الإصلاح الزراعي الثالث الصادر في أغسطس سنة 1969 الذي نصّ على الحد الأقصى للملكية الزراعية خمسين فدانا للفرد كما نصَّ على التعويض للمُلاّك عن الزيادة على هذا الحد – لم يُطبَّق لا في عهد عبد الناصر، ولا في عهد السادات، ولا حتى الآن في عهد حسني مبارك رغم مرور 19 عاما على صدر هذا القانون! ولقد طُبِّق علي هذا القانون واستولى "الإصلاح" الزراعي على 25 فدانا من أملاكي، وحتى كتابة هذه السطور (في 19 يناير 1988م) لم أحصل على مليم واحد تعويضا عما استولوا عليه من أملاكي الزراعية!!

ثم إن أحوال نشر الكتب في مصر قد ساءت إلى أقصى حد: فالورق نادر، ومرتفع السعر جدا، والطبع كذلك، والناشرون قد انصرفوا عن طبع ما ليس كتبا مقررة على الطلاب في الجامعات. ومصر التي كانت حتى عشر سنوات خلت المصدر الرئيسي –بل شبه الوحيد- لنشر الكتب قد تجلت فيها آثار التخريب الشيوعي الذي انكبّ على النشر في مصر في الفترة من سنة 1964 حتى سنة 1971. فحقّق لهؤلاء الشيوعيين ما هدفوا إليه آنذاك من القضاء على كل ثقافة وفكر حرّ في مصر، على غرار ما عليه الحال في مهبط وحيهم: روسيا السوفيتية"[3].

***

انتهى رصد موقف الفيلسوف من حكم العسكر، في ست وأربعين فقرة، عبر اثني عشر مقالا، مأخوذة من مذكراته التي ناهزت الثمانمائة صفحة والحافلة بثراء علمي واسع.. وهذه المواقف أقرب إلى السياط منها إلى الكلام، فالحمد لله أولا وآخرا.. نسأل الله السلامة لبلادنا من حكم العسكر المشؤوم!



[1] سيرة حياتي 2/246، 247.
[2] سيرة حياتي 2/253، 254.
[3] سيرة حياتي 2/254، 255.