الاثنين، يونيو 22، 2015

لماذا سميت سورة يونس بهذا الاسم؟



من أظهر ما يبدو في مواضيع سورة يونس أنها تتحدث عن "آيات الله البينات" التي تشمل البشر وتحوطهم، وكيف أن الذين لا يؤمنون يتجاهلون هذه الآيات ويعرضون عنها ويكونون منها في عمى!

فمن مطلع السورة يتحدث ربنا تبارك وتعالى عن السموات والأرض والشمس والقمر ومنازله والليل والنهار.. ويوضح لنا السبب الذي سيدخل الناس به النار، ذلك أنهم: لا يرجون لقاء الله، لأن لقاء الله هو لقاء العدل، فيه يكون الحساب وافيا ودقيقا.. ولهذا فإنهم {رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فلا يريدون الرحيل عنها، ولهذا فهم يتغافلون عن آيات الله.

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

بخلاف الذين آمنوا، أولئك الذين يستقبلون هذه الآيات ويهتدون بها لأن الإيمان موجود  {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}

***

تمضي السورة تستعرض الآيات الربانية في مختلف المناحي ووجوه النظر، فتلفت الأنظار والأسماع إلى الآيات:

1. آيات في نفس الإنسان، الذي إذا أصابه ضر نسي كل شيء وتوجه إلى الله بصدق، ثم حين يفرج الله عنه كربته ينسى ويعود إلى غفلته! لا سيما إذا كان في البحر وأحاط به الموج من كل مكان.. ثم ما يلبث بعد النجاة أن يعود إلى ما كان عليه!

2. آيات من التاريخ عن الأمم المجرمة التي أهلكها الله لما جحدت رسالته وردَّت رسله، ليبقى السؤال الكبير {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}

3. آيات النفس والكون: {مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}

4. آيات في معبوداتهم التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، لا تبدأ الخلق ولا تعيده، لا تهدي إلى الحق ولا تصد عن الباطل.

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَق}

5. آيات في هذا القرآن نفسه، الذي يعجزون عن الإتيان بعشر سور من مثله، والذي يطابق ما جاء به الأنبياء مما لم يكونوا يعرفونه على يد من لبث فيهم عمرا لا يقرأ ولا يكتب ولا علم له بما كان من قبل.

***

وفي سياق استعراض آيات الله البينات، تستعرض السورة كيف يحاول أهل الهوى والعقول التملص من الحق..

(وهذا الأمر منتشر فينا نحن أيضا، فلا يحسب أحد أننا نتحدث عن آخرين، بل نحن نقرأ يوميا من يريد من الدين أن ينسجم مع عقله وأفكاره أو ينسجم مع أهوائه ورغباته، ويتمنى لو لم يوجد هذا الحديث أو لم تكن هذه الآية بهذا "العنف والحدة")

يخبرنا الله تبارك وتعالى عن وسائل هؤلاء في التملص مما يأتيهم من الحق الذي لا يوافق أفكارهم وأهواءهم:

1. فهم أحيانا يعترضون على الأفكار لا على شخص الرسول: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}.

2. وأحيانا يعتبرون أنفسهم على الطريق المستقيم ولكن بوسيلة أخرى، وهي في النهاية ستوصل إلى ذات النتيجة {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}

وعند هذه الآية كأني أسمع عبارات أولئك الذين يروجون لكون أفكارهم وأهوائهم توصل إلى ذات النتيجة.. إلى حقيقة الدين وجوهره ومقاصده.. فيدعون أن أفكارهم تلتقي مع الرسالة الربانية في "حقيقة الأمر".

3. وأحيانا يطلبون العذاب بأنفسهم لأنفسهم ويستعجلونه، فيقولون لو كان هذا هو الحق فلماذا لا يعذبنا الله؟.. فكأنهم يشهدون على أنفسهم أنهم لا يؤمنون إلا بظهور القوة والقهر والإجبار!!

{وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ}.

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}

4. ولأنهم يرفضون الحق، فهم يصدقون الظنون ويعتمدون على التخمينات ويعتنقون ما لا يملكون عليه دليلا:

{وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}

***

ولهذا فإن السورة تتحدث عن هذه الحواس المعطلة:

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ}

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ}

***

ثم تكون النتيجة النهائية أن من اختار تغليب هواه وأفكاره ورغباته على الحق لا يهتدي مهما تكاثرت عليه الآيات:

{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}

{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}

{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}

***

ثم يضرب الله لهذا المعنى ثلاثة أمثلة في ثلاث مواقف من التاريخ البشري:

1. مثال قوم نوح، لم ينتفعوا بالآيات وعطلوا حواسهم.. فأهلكهم الله

2. مثال فرعون وقومه الذين لم ينتفعوا بالآيات (رغم كثرتها وتعددها) وكانوا كلما نزلت بهم آية ذهبوا إلى موسى عليه السلام وسألوه أن يدعوا الله أن يرفعها عنهم، فما إن يرفعها عنهم حتى يعودوا إلى ما كانوا.. حتى وصل الأمر أن دعا عليهم موسى ألا يؤمنوا إلا إذا رأوا العذاب:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}

وهو ما كان بالفعل، ولم يؤمن فرعون إلا لحظة الغرق.. ولم ينفعه الإيمان حينها {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}

3. مثال قوم يونس.. وهم الوحيدون الذين التقطوا آيات العذاب قبل أن تنزل بهم، هم الوحيدون الذين لم تتعطل حواسهم فأبصروا وفهموا وتصرفوا بسرعة لإنقاذ أنفسهم من هذا الهلاك.

يروي المفسرون أن قوم يونس لما وعدهم نبيهم بالعذاب وانصرف عنهم غاضبا، تنبهوا إلى أن انصرافه عنهم دليل صدقه وأنه سينزل بهم العذاب، فظلوا يترقبون ويتربصون حتى جاء يوم اسودت فيه السماء وبدأ ينتشر في الأجواء دخان، فسارعوا فلبسوا المسوح (ثياب الفقر والتوبة) وخرجوا بأنفسهم ونسائهم وأطفالهم ودوابهم إلى الصحراء، وفَرَّقوا بين كل ولد وأمه فحنَّ بعضهم إلى بعض وعلا البكاء والضجيج والعويل وأخلصوا التوبة لله وتعاهدوا بالإيمان.. فرحمهم الله فكشف عنهم العذاب، وصاروا مثلا في الذين ينتبهون للآيات ثم إذا انجلت عنهم الكربة لم يرجعوا إلى ما كانوا فيه من الفساد.

{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}

***

لهذا أقول -والله أعلم- بأن السورة سميت بهذا الاسم لبث الأمل وتوجيه النصح.. فقد اختار الله هذه القصة فجعل السورة على اسمها، من بين القصص الثلاثة فيها (نوح، موسى، يونس) لذلك:

مثال القوم الذين لم يبلغ بهم الهوى والطغيان وفساد العقل أن يعطلوا حواسهم وأن يتغافلوا عن الآيات التي تأتيهم.. بل أبصروا وفهموا فتابوا وأخلصوا وآمنوا، ولم يعودوا بعد انفراج الكربة إلى كفرهم!

فكأن السورة كلها تقول:

أبصروا الآيات وانتبهوا لها، فإن غفلتم عنها فكونوا كقوم يونس حين غفلوا، سرعان ما انتبهوا ورجعوا فتابوا وأخلصوا في توبتهم!


ولا تكونوا كالمعرضين الذين ارتبطوا بالأرض حتى كرهوا لقاء الله وعطلوا حواسهم فلم يبصروا آياته.. فلم يؤمنوا إلا بعد نزول العذاب، حين لم ينفع الإيمان!