الثلاثاء، يونيو 16، 2015

البيالقة.. من ملفات الصراع مع القسطنطينية

ذكرنا في المقال الماضي أن الذاكرة الإسلامية تبدو خالية من شأن القسطنطينية، لا تتذكّر إلا محاولات فتحها في العصر الأموي ثم فتحها في العصر العثماني، بينما كانت القسطنطينية حاضرة في ذهن المسلمين طوال القرون التسعة ولها معهم حكايات ووقائع كثيرة.

من تلك الحكايات المنسية والتي ما زالت لم تحظ بدراسة تاريخية وافية ولا يتوفر عنها إلا شذرات ممزقة متناثرة، ما نشره المسلمون من الحماية والعدل على الأقوام الذين اضطهدتهم الدولة البيزنطية لمخالفتهم لها في المذهب المسيحي، من أولئك من يُسَمَّوْن في المصادر العربية "البيالقة" وأحيانا "الصقالبة"، فقد وصل التحالف بينهم وبين المسلمين إلى حدِّ أنهم كانوا حاجزا عسكريا متقدما وخط دفاع أول عن الدولة الإسلامية. وكانوا –من ثَمَّ- أحد ملفات الصراع بين بغداد والقسطنطينية.

***

كانت الحدود الإسلامية البيزنطية ملتهبة، وكانت الثغور الحربية الإسلامية تنقسم إلى نوعين: الثغور الجزرية والثغور الشامية، الثغور الجزرية هي التي يرابط بها أهل الجزيرة الفراتية، وتشمل: ملطية، زبطرة، مرعش، الحدث، والمصيصة. والثغور الشامية، وهي التي يرابط بها أهل الشام، وتشمل: طرسوس، أذنه، عين زربة، والهارونية. وكانت طرسوس هي المدينة الأهم في حركة الجهاد والعمليات العسكرية ضد الروم.

كان الفتح الإسلامي بمثابة الإنقاذ للجماعات المضطهدة دينيا في أرض الروم، ومن هؤلاء البيالقة –وفي بعض المصادر يُسَّمَوْن: الصقالبة- الذين كانوا يسكنون في منطقة جنوب الأناضول، وكانوا من أتباع مذهب يصفه المسعودي بأنه "متوسط بين مذاهب النصارى والمجوس وأصحاب الاثنين من تعظيم سائر الأنوار وعبادتها على مراتبها وغير ذلك"[1]. وينسب ذلك المذهب لبولس الشمساطي الذي كان من أوائل بطاركة أنطاكية[2]. وتدل عبارة المسعودي في موضع آخر على قِدَم العلاقة بينهم وبين المسلمين إذ يذكر أن بعض بطارقتهم كان مولى لآل طاهر بن الحسين رجال الدولة العباسية وأصحاب الدولة الطاهرية، وذكر أن عاصمتهم كانت قلعة إبريق (التي هي الآن Divriği التابعة لمحافظة سيواس التركية)[3].

وبجمع القطع الممزقة من الشذرات المتناثرة في كتب التاريخ نستطيع تكوين الصورة التالية:

1. وجد البيالقة في المسلمين حلفاء لهم ينقذونهم من بطش الروم البيزنطيين، ويمثلون حماية لظهورهم بعد استقرار كافة المنطقة الشرقية والجنوبية في أيدي المسلمين، فيما مثَّل البيالقة خط دفاع متقدم في الأراضي البيزنطية، وكان هذا التحالف مزعجا للقسطنطينية العتيقة.

2. وقد استقر الحال بين البيالقة وبين المسلمين على أن يتكفل المسلمون بإعانتهم بالأموال والأرزاق مقابل المساعدة العسكرية في غزواتهم ضد الروم، وقد كان للبيالقة ثارات تاريخية مع القسطنطينية ومثَّلوا تهديدا كبيرا لها وصلت إلى حدِّ أنهم حاصروها في عام (283 هـ). إلا أن المساعدة الأهم كانت في بقائهم حاجزا جغرافيا وبشريا بين القوات الإسلامية والبيزنطية، بل لقد تولوا أحيانا مهمات دفاعية خطيرة.

3. قاد الإمبراطور البيزنطي (باسيل) "حملة ناجحة ضد أتباع المذهب البوليصي (البيالقة) في الجزء الشرقي من آسيا الصغرى حوالي سنة 870 م (256هـ) واستطاع أن يتغلب عليهم، ولم يكن من نتائج هذا النصر توسيع رقعة الامبراطورية (البيزنطية) فحسب، بل وضع باسيل وجها لوجه مع عرب المشرق، وفتح باب الصراع مع العرب بشكل مباشر، وغدت المعارك بين الطرفين سنوية، ولكن دونما نتيجة حاسمة"[4].

4. أثمرت هذه الحملة –ضمن ما أثمرت- عن تطوير الطرفين لتحالفهما وعلاقاتهما العسكرية، ووُقِّع اتفاق يقضي بأن يتولى البيالقة الدفاع عن حصن لؤلؤة العسكري، وهو حصن بالغ الأهمية من حيث كونه خط تنبيه ودفاع متقدم ضد الروم البيزنطيين. وذلك أنه حصن مُشرف على البحر وفي موقع مرتفع فيتمكن بهذا من اكتشاف محاولة الهجوم البحري مبكرا، ثم تنبيه المسلمين في ثغر طرسوس –وهو الثغر الجهادي الأهم في منطقة الثغور، فهو مركز العمليات الرئيسية هناك- في مقابل أن يتكفل المسلمون بالأموال والرواتب التي تكفيهم.

5. إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فقد اندلعت تمردات في قلب ومشرق الخلافة العباسية، أهمها ثورتي الزنج والتي كان مركزها البصرة في العراق (أي على بعد خطوات من بغداد) وتمرد يعقوب الصفار الذي أقام دولته الصفارية ومضى يريد أن يتوسع على حساب الخلافة العباسية، وفي الغرب كان أحمد بن طولون قد أسس دولته في مصر، وصار مستقلا على الحقيقة. وأثَّر كل هذا على وضع الجهاد في الثغور، ولم يعد أمام الخلافة في بغداد –والتي انشغلت عن أمر الجهاد- إلا أن تترك أمر الثغور إلى أحمد بن طولون، فكان يقوم بأمر الجهاد بقواته وأموال ولايته (مصر) لكن من غير أن يُعطى ولاية الثغور، وذلك لأن الخلافة في بغداد لا تريد له مزيد توسع ونفوذ.

6. هبت رياح أخرى لا تشتهيها سفن الخلافة العباسية في بغداد، إذ ما إن رفض الموفق بالله (أخو الخليفة والحاكم الفعلي وقائد جيوش الخلافة في العراق) أن يعطي ولاية الثغور لأحمد بن طولون حتى عهد بها إلى أمير يدعى محمد بن هارون التغلبي، فوقع بطريق الخطأ في يد الخوارج فقتلوه، فولَّى الموفق محمد بن علي الأرمني ولكنه قُتِل في طرسوس، فصارت ولايتها إلى قائد تركي هو أرخوز بن يولغ، ويبدو أنه أراد تأديب أهل طرسوس لئلا يجد مصير من قبله، فأساء فيهم السيرة فظَلَمَ وعَسَفَ وأخذ الأموال لنفسه، وكان من أسوأ ما فعله أن منع رواتب الجنود البيالقة المقيمين في حصن لؤلؤة –خط الدفاع الأول عن طرسوس.

7. لما قُطِعت الرواتب عن الجنود البيالقة هددوا بأنهم سيسلمون الحصن للروم البيزنطيين، وكان تهديدا كارثيا، فاضطر أهل طرسوس أن يجمعوا من أموالهم ما يدفعونه لهم، إلا أن هذا الوالي الفاسد أرخوز استولى عليها لنفسه، فنفذ الجنود تهديدهم وسلموا الحصن للروم، وكانت هذه خسارة صاعقة على ثغور المسلمين لا سيما أهل طرسوس، فلم تجد الخلافة سبيلا إلا أن تعهد بالولاية عليها لأحمد بن طولون.

9. ويغلب على الظن أن الأمر لم يكن مجرد رواتب فحسب وإنما نالهم من ظلم هذا الوالي شيء أو أشياء، ذلك أنهم لم يسلموا الحصن فقط وإنما هجروا كثيرا من مناطقهم ورحلوا عنها، ولا يكون ذلك لمجرد قطع الأموال وإنما لعله أصابتهم غارات من الروم فلم يجدوا من المسلمين دفاعا عنهم ولا معونة لهم، أو أنه وقع عليهم من ظلم هذا الوالي ما جعل بقاءهم في هذه المناطق موضع خطورة وتهديد عليهم. ولما هُجِرت مناطقهم لم يكن أمثال أرخوز هذا ليفكر في ملء هذا الفراغ وسد ما انهار من الخطوط الدفاعية، بل هجرها أولئك ثم حل محلهم الأرمن!!

8. وبسوء سياسة هذا الوالي كتبت قصة أخرى حزينة في صفحات التاريخ الإسلامي، يرويها قدامة بن جعفر باختصار قائلا: "وكان هؤلاء مع المسلمين يعينونهم في غزواتهم، ويتوفر على المسلمين المعونة بهم، الى أن رحلوا دفعة واحدة عن هذا الموضع، بإساءة أهل الثغور معاشرتهم وقلة إشراف المدبرين على أمرهم، فتفرقوا في البلاد وسكن مكانهم هؤلاء الأرمن"[5].

وبهذا انتهى ملف من ملفات الصراع بين العاصمة الإسلامية والعاصمة النصرانية: القسطنطينية[6].

نشر في تركيا بوست 



[1] المسعودي: التنبيه والإشراف، تصحيح: عبد الله إسماعيل الصاوي، الناشر: دار الصاوي، القاهرة. ص130.
[2] على أن الأمر يحتاج تحريرا نتركه للمتخصصين في تاريخ المسيحية، ذلك أن بعض علماء الملل والنحل يقولون بأن بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية من المنادين بالتوحيد من النصارى (ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/47، الشهرستاني: الملل والنحل 2/30، ونقله عن ابن حزم ابنُ تيمية: الجواب الصحيح 4/85، ومحمد أبو زهرة: محاضرات في النصرانية ص151)، فيما يصرح ابن القيم بأنه سبب الانحراف عن التوحيد (ابن القيم: هداية الحيارى ص548). لكن سياق التاريخ يوحي بأن البيالقة لم يكونوا من الموحدين.
[3] المسعودي: التنبيه والإشراف ص155.
[4] د. سهيل زكار: الموسوعة الشاملة في الحروب الصليبية، دار الفكر، بيروت. 3/ 215.
[5] قدامة بن جعفر: الخراج وصناعة الكتابة، دار الرشيد، بغداد، الطبعة الأولى، 1981م. ص187.
[6] انظر أطراف القصة في:
الطبري: تاريخ الطبري ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ = 1995م. 5/513.
المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، الطبعة الثانية، 1990م. 2/583.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، تحقيق: عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1415هـ. 6/272.
فتحي عثمان: الحدود الإسلامية البيزنطية بين الاحتكاك الحربي والاتصال الحضاري، دار الكتاب العربي، القاهرة. 2/221، 222، 3/318.
د. فاروق عمر: الخلافة العباسية، دار الشروق، الأردن، 2009. 2/71.
محمد إلهامي: رحلة الخلافة العباسية، مؤسسة اقرأ، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م. 2/103، 109.