الجمعة، يونيو 26، 2015

مراحل بناء المسلم (3) التكوين الأخلاقي

اقرأ أولا:

إن الأخلاق هي صورة الإنسان الباطنة كما أن ملامحه هي صورته الظاهرة، فهو يُعرف ويتميز بأخلاقه، كما يعرف ويتميز بصورته([1])، ولا يُسمَّى الفعل خُلُقًا إلا حين يصدر عن النفس بتلقائية ومن دون تفكير، فهو –كما قال العلماء- "هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويُسر"([2])؛ ولهذا فإن الأخلاق ضد المادية، ولا يمكن أن تنتج الأخلاق عن قرار عقلي بحت؛ بل لا بُدَّ لها من دين وعقيدة غيبية تعطي أملاً في حياة أخرى، يكون فيها الثواب والجزاء على حسن الخلق أو سوئه([3]).

لذلك كان منهج الإسلام في تكوين الشخصية هو منهج الغرس في القلوب، لا مجرد إقناع العقول؛ ليكون سلوك المسلم تلقائيًّا فطريًّا؛ فيكون فعل الخير سجية له، سجية تحوطها الحماسة والإخلاص والتضحية والشجاعة، لا قرارًا عقليًّا مأخوذًا كنتيجة حسابات عقلية باردة يكتنفها التردد والترقب والتراجع؛ لذا يظهر أثر الأخلاق أكثر ما يظهر -في واقع المسلمين- عند لحظات "المحن والفتن الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم، ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم، ويحتاجون -أيضًا- إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه"([4])، ونحن لو حاولنا تخيل تاريخ الإسلام بعد حذف كل تضحية ومغامرة أخلاقية، واستبدلنا بها القرار العقلي المحسوب؛ لكانت النتيجة تاريخًا آخر تمامًا، تاريخ أحسن أحواله أن لا جاذبية فيه لأحد من العالمين([5]).

والتكوين الأخلاقي للمسلم هو من توابع استقلال الشخصية المسلمة؛ إذ ليس مطلوبًا من المسلم أن يعتزل الناس، بل أن يدعوهم ويهديهم، وقد قال رسول الله r: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"([6]). وبَشَّر r الدعاة بقوله: "فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"([7]). وما ينبغي للمؤمن ذو الشخصية المستقلة والمكلَّف بالدعوة وحمل الرسالة أن يكون كالناس؛ بل لا بد أن يكون خيرًا منهم وأعلى مثالاً وأقوم مسلكًا، ولهذا جمع النبي r خلاصة رسالته في قوله: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ"([8]). وهو قولٌ موجزٌ معجزٌ لا يُستطاع الإتيان بخير منه لبيان مكانة الأخلاق في الإسلام.

ولقد صاغ الإسلام أخلاق أتباعه على مستويين: أخلاقه في نفسه، وأخلاقه مع غيره، وكلا المستويين يسيران معًا، وكلاهما ينعكس على الآخر بالخير والدعم والتقوية، فأما أخلاق المسلم في نفسه فَجِماعُها الاستقامة والنزاهة، وأما أخلاقه مع غيره فهي دائرة حول حب الناس والحرص عليهم والنصح لهم والرفق بهم، ومن خير ما يصف منظومة الأخلاق الإسلامية قول الشيخ محمد عبد الله دراز –صاحب الدراسة الضخمة في الموضوع- بأنها "تركيب لتراكيب، فهي لا تلبي فقط كل المطالب الشرعية والأخلاقية والاجتماعية والدينية، ولكن نجدها -في كل خطوة- وقد تغلغل فيها بعمق روح التوفيق بين شتى النزعات: فهي متحرِّرة ونظامية، عقلية وصوفية، لينة وصلبة، واقعية ومثالية، محافظة وتقدمية- كل ذلك في آنٍ... إنها بناء عضوي حقيقي تتعاون فيه كل العناصر، وتتساند كل الوظائف"([9]).

إن أخلاق المسلم في نفسه تجعله عنصرًا جذابًا لكوامن الخير في الناس؛ بما يرونه من صورته واقعية متحققة؛ وما بالك بأخلاق مسلم يخبره دينه أن إيمانه مهدد إذا افتقد جاره الأمان من ناحيته([10])؟!

كما أن أخلاقه مع غيره تُنشئ واقعًا جديدًا في الحياة؛ خلاصته التعاون على البر والتقوى، ومكافحة الإثم والعدوان، حتى لو كان هذا البر تحالفًا مع غير المسلمين كنحو حلف الفضول([11])، وحتى لو كان هذا الإثم والعدوان واقعًا من مسلم على غير مسلم([12])، أو حتى كان العدوان واقعًا على حيوان([13]) أو جماد([14]).

وقد طارت أخلاق المسلمين في العالم شرقًا وغربًا وفتحت من البلاد ما لم تصل إليه سيوفهم([15])، وشهد بهذا المنصفون وكثير من المتعصبين؛ فأخلاق المسلمين من حقائق التاريخ الناصعة، وقد تتبع المستشرق الإنجليزي الكبير توماس أرنولد تاريخ انتشار الإسلام في البلاد المفتوحة؛ فكان كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وثيقة تاريخية خالدة على أخلاق المسلمين وسماحتهم ورحمتهم بأهل البلاد المفتوحة في كل الأنحاء شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا، ولقد حفظ الباحثون كلمة الفرنسي جوستاف لوبون: "الحقُّ أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا مثل دينهم"([16]).

ويرصد مؤرخ الحضارة ول ديورانت كيف "أن المسلم كان أرقى من المسيحي في خلقه التجاري، وفي وفائه بوعده، وإخلاصه للمعاهدات التي يعقدها مع غيره، ولقد أجمعت الآراء على أن صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية. والمسلمون شرفاء فيما يختص بعادة الكذب، فهم يبيحون الكذب إذا كان فيه نجاة من الموت، أو حسم لخصومة، أو إدخال السرور على زوجة، أو خدعة في الحرب لأعداء الدين. والآداب الإسلامية تجمع بين التكلف والبشاشة، وحديث المسلم مليء بالتحية والمبالغة في التأدب، والمسلمون كاليهود يحيي بعضهم بعضًا، وينحني الواحد منهم لصاحبه ويصافحه، ويقول له: السلام عليكم. والرد الصحيح لهذه التحية: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وإكرام الضيف من صفاتهم العامة... والمألوف أن المسلم كان مثال الرقة، والإنسانية، والتسامح، وكان -إذا وصفنا أواسط الناس- سريع الفهم، حاد الذكاء، سريع التهيج، يسهل إدخال السرور إلى قلبه، والمرح على نفسه؛ يجد الرضا في البساطة، ويصبر على بلواه في هدوء، ويتلقى جميع حوادث الأيام بصبر، وكرامة، وشمم، وكبرياء"([17]).

وللمستشرق والقانوني الإيطالي دافيد دي سانتيلانا فصل رائق في مدح الشريعة الإسلامية والثناء على توجهها الأخلاقي نلتقط منه هذه الفقرة: "إذا كان حق المرء هو منفعته الخاصة وواجبه الأدبي معًا؛ فإن لذلك الحق حدودًا معينة بموجب مبادئ الأخلاق والمصلحة العامة؛ فالصلح والتراضي هما سيدا الأحكام في كل وقت، وأخذ الثأر ممنوع منعًا باتًّا، والتضييق البدني على المدين مخالف للقانون، ولا اعتساف في استعمال الحق تمامًا؛ إذ ليس لأحد أن يمارس حقًّا له، بالدرجة التي يسبب للآخر ضررًا محققًا، وللفقهاء المسلمين في هذا الصدد إحساس دقيق مرهف يفوق ما نتصوره؛ فمثلاً: يمنع أن يخول حق الادعاء إلى وكيل هو عدو للطرف الذي أقيمت عليه الدعوى، وممنوع أن يؤجر حيوان لشخص عرف بقسوته على الحيوان، كذلك حرم بيع أمة صغيرة السن لرجل حر بالغ خشية أن يغيرها بالفسق أو أن يطأها زانٍ، وهكذا ترسم الأخلاق والآداب في كل مسألة حدود القانون"([18]).

وهذا غيض من فيض، وقد آثرنا أن نذكره من شهادات غير المسلمين؛ لتكون الحجة أبلغ بيانًا في شأن التكوين الأخلاقي للمسلم وأثره في إصلاح أمور البشر وأحوال الأرض.

نشر في ساسة بوست 



([1]) ابن منظور: لسان العرب 10/85، والزبيدي: تاج العروس 25/258.
([2]) ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص25، الغزالي: إحياء علوم الدين 3/ 53، الجرجاني: التعريفات ص101.
([3]) علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب ص184، 185.
([4]) ابن تيمية: الاستقامة 2/285، 286.
([5]) يذكر توماس أرنولد "أن أخلاق صلاح الدين الأيوبي وحياته التي انطوت على البطولة، قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيرًا سحريًّا خاصًّا، حتى إن نفرًا من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين". الدعوة إلى الإسلام ص111.
([6]) أحمد (5022) وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. والبيهقي (19961)، وفي رواية ابن ماجه (أَعْظَمُ أَجْرًا) (4032)، وفي رواية الترمذي «المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ».
([7]) البخاري (2847)، ومسلم (2406).
([8]) في رواية أحمد: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (8952). الحاكم (4221) وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (السلسة الصحيحة 45).
([9]) محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص686.
([10]) قال رسول الله r: "وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ". قيل: من يا رسول الله؟ قال: " الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (أي: شروره)". البخاري (5670)، ومسلم (46).
([11]) حلف الفضول: تحالف بنو هاشم وبنو زهرة وبنو تيم -في الجاهلية- على نصرة المظلوم على الظالم، وقد شهد النبي r هذا الحلف صغيرًا قبل بعثته ثم قال عنه: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت". (قوي بشواهده – انظر: تخريج الألباني بحاشية فقه السيرة للغزالي ص58).
([12]) سرق طعمة بن أبيرق -وكان منافقًا- درعًا من جاره، ثم أودعها عند اليهودي يزيد بن السمين، ثم شهد طعمة وإخوته على اليهودي؛ فهمَّ النبي بقطع يد اليهودي، فنزلت القرآن يبرئ اليهودي. الآيات 105 وما بعدها من سورة النساء.
([13]) قال النبي r: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، قال: فقال: والله أعلم: لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ". البخاري (2263)، ومسلم (2242).
([14]) قال رسول الله r: "من قطع سِدْرَةً (شجرة النبق، والمقصود القطع عبثا) صوب الله رأسه في النار". أبو داود (5239)، والبيهقي (11538)، والطبراني في الأوسط (2441)، وصححه الألباني في التعليق على أبي داود.
([15]) انظر في شأن البلاد التي فتحها الإسلام دون أن تصلها جيوشه كتاب "الإسلام الفاتح" للدكتور حسين مؤنس.
([16]) جوستاف لوبون: حضارة العرب ص605.
([17]) ول ديورانت: قصة الحضارة 13/141، 143، 144.
([18]) دافيد دي سانتيلانا: القانون والمجتمع، منشور في: تراث الإسلام بإشراف توماس أرنولد ص437.