الأربعاء، أبريل 08، 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (11)

اقرأ أولا:

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

وموضوع السطور القادمة عن القذافي صاحب الانقلاب العسكري المشؤوم في ليبيا، والسادات الحاكم العسكري الذي تلا عبد الناصر مؤسس حكم العسكر في مصر.

(37)

عمل د. عبد الرحمن بدوي أستاذا في الجامعة الليبية بين عامي (1967 – 1973) أي أنه عايش فترة الملكية ثم فترة الحكم العسكري بعد انقلاب القذافي، وهو يجمل ذلك بالقول: "كان هذان العامان الأولان من الأعوام الستة التي أقمتها في ليبيا الفترة المضيئة الخصبة في مقامي هناك. أما السنوات الأربع التالية (من سبتمبر 1969 حتى أوائل مايو 1973) فكانت فترة قلق وتبرم بالمقام هناك، وتربص متلهف للإفلات من ليبيا، لكن لم تسنح لي فرصة في دولة أخرى، فاضطررت إلى مواصلة العمل هناك كارها، لأني كنت عازما على عدم العودة إلى مصر، رغم أنها في 28 سبتمبر 1970 تحررت من الطاغوت الرهيب الذي ظلَّ جاثما عليها طوال ثماني عشرة سنة"[1].

(38)

وبعد حديث عن الاقتصاد في ليبيا يشير إلى أن الوضع في ليبيا الملكية أفضل من الوضع في مصر العسكرية ثم في ليبيا العسكرية بعد انقلاب القذافي، يقول:

"ويستطيع المرء أن يقول بكل اطمئنان أن كل شيء من غذاء ولباس وسائر ما يحتاجه الناس للمعاش – مستورد من الخارج. وكانت كل هذه السلع في العامين الأولين من إقامتي في ليبيا، أي من سبتمبر 1976 حتى سبتمبر سنة 1969، متوارة وبأنواع جيدة وأحيانا ممتازة في أسواق بنغازي وغيرها من المدن الليبية، بل وفي أصغر القرى. ولهذا كانت رفاهية العيش موفورة مؤمنة لأهل البلاد وللوافدين عليها. ومن ثم كان الوافد من مصر، إذا انتقل إلى بنغازي أو ليبيا بعامة، يشعر بالارتياح البالغ والنعمة السابغة، لأن مصر آنذاك –سنة 1967- كانت تفتقر أسواقها إلى الكثير جدا من السلع وأسباب العيش الرغيد"[2].

(39)

"وفي نفس اليوم –أي 11 ديسمبر 1969- صدر "قانون حماية الثورة" وبموجبه يُحكم بالإعدام على كل من يقاوم الثورة بالسلاح، وبالسجن على كل من ينتقد الثورة أو يشترك في مظاهرة أو إضراب موجهَيْن ضدها"

"وهبت على الجامعة عاصفة التغيير بعنف بالغ؛ فمدير الجامعة –عبد المولى دغمان- فُصِل من منصبه ثم أودع السجن... ثم أفرج عنه بعد حوالي أربعة أشهر، لكنه ما لبث أن اتهم بتدبير مؤامرة وكتابة منشورات ضد الثورة، فسُجِن ثم حُكِم عليه بالسجن عشر سنوات، قضاها كلها في سجن طرابلس. وفُصِل عميد كلية التجارة... وراح الطامعون من الليبيين أعضاء هيئة التدريس والمعيدين في التزلف إلى رجال الثورة طمعا في الحصول على مناصب إدارية في الجامعة أو خارجها. وإذا كان هذا أمرا طبيعيا في مثل هذا الجو، فإن الأمر الشائن المخجل حقا هو أن بعض أعضاء هيئة التدريس غير الليبيين اتخذوا نفس الأسلوب دون أي وازع من ضمير، وكان أشدهم نكرا في هذا المجال بعض أساذتة الحقوق! وذلك ديدنهم دائما وفي كل مكان.

إزاء هذا كله قررت أن أكون بمعزل تام عن كل هذه الأحداث؛ فلم أحضر أي اجتماع سياسي عُقِد في الجامعة، وتوجست من الطلاب بقدر ما توجست من الزملاء الأساتذة"[3].

(40)

"وفي 28 سبتمبر سنة 1970 انزاح عن صدر مصر الكابوس الرهيب الذي أبهظ صدر مصر طوال ثمانية عشر عاما، سيم فيها الشعب المصري أسوأ صنوف العذاب، وابْتُلِي بأبشع الإهانات، وحاق به شر أنواع الهزائم، إذ توفي عبد الناصر في الساعة الخامسة والنصف من ذلك اليوم"[4].

(41)

"كان أول عمل قام به السادات هو تشكيل وزارة، فكلّف بهذا التشكيل وزير الخارجية المعمّر في هذا المنصب طويلا منذ ديسمبر 1952: محمود فوزي. وكان اختياره ليكون رئيسا للوزراء غلطة فاحشة ارتكبها أنور السادات، فإن محمود فوزي -كما قلنا عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب- إنسان محدود الذكاء، تافه التفكير، لم يكن له أي ماض في الوطنية أو العمل الوطني، ولم يبق عليه جمال عبد الناصر وزيرا للخارجية مدة طويلة إلا لأنه خاضع مطيع، لا يبدي أي رأي، وإنما ينتظر دائما أن يبدي جمال عبد الناصر رأيه أولا ثم يعقب عليه فورا بأن: رأي الرئيس هو عين الصواب، وهو الحكمة كل الحكمة، وهو الدهاء السياسي متجسدا، إلى آخر عبارات التملق والنفاق التي كانت هي كل بضاعة محمود فوزي. وربما اختاره أنور السادات لهذا السبب عينه، حتى يكون أدلة سلبية مطواعة في يده دائما"[5].

(42)

"كان علي صبري عميل روسيا الأول في مصر، ولهذا فإن كوسيجين [رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي] حين حضر جنازة عبد الناصر واجتمع بعدها برئيس الجمهورية بالنيابة، أنور السادات، شدَّد على أن يكون لعلي صبري المركز الأول في السلطة في مصر،وهذا ما اضطر السادات إلى تعيينه نائبا له بعد توليه رئاسة الجمهورية بأسبوعين. ولما كان علي صبري هو المسيطر على ما كان يسمى "اللجنة العليا" للاتحاد الاشتراكي، وعلى الاتحاد الاشتراكي فقد ظنَّ أنه يستطيع بواسطة كليهما أن يكون الحاكم الفعلي، وألا يكون إلا السادات مجرد رمز فقط لن يلبث أن يطيح به وينفرد هو بالسلطة. وكان يعاونه في هذا التدبير والتقدير سامي شرف، العميل الثاني للاتحاد السوفيتي.

ورفض محمد حسنين هيكل الاشتراك في وزارة محمود فوزي، لأنه كان يشعر بأنه فوق هذا المنصب الكبير، خصوصا وأنه هو الذي رشح محمود فوزي لتولي رئاسة الوزارة وكان يعده بمثابة ألعوبة في يده، فكيف يقبل بعد هذا أن يعمل مرؤوسا له؟!"[6].

(43)

ولما عاد السادات إلى مصر بعد هذا التوقيع [توقيع اتفاقية الوحدة مع ليبيا والسودان وسوريا] وجد أن علي صبري حرض الاتحاد الاشتراكي على معارضة هذا الاتفاق. ومن ثم بدأت المعارضة ضد السادات داخل الفئة الباغية تستفحل طمعا في الإطاحة بالسادات وتولي السلطة مكانه. وتولى قيادة هذه الحركة: علي صبري (نائب رئيس الجمهورية)، وسامي شرف (وزير شئون رئاسة الجمهورية)، وشعراوي جمعة (وزير الداخلية)، ومحمد فائق (وزير الإعلام)، ومحمد فوزي (وزير الحربية). وتصوروا –بحماقتهم وسوء تدبيرهم وبلاهة عقولهم- أنهم سيسقطون السادات بمجرد أن يعلنوا استقالتهم من مناصبهم! وأعلنوا هذه الاستقالة في مساء 12 مايو سنة 1971.

وبسرعة وحزم ومهارة بادر السادات وواجه هؤلاء المغفلين الذين لم يتحرك أحد لمساندتهم لا في الاتحاد الاشتراكي ولا في الجيش ولا في الشارع المصري، فأصدر في 13 مايو قرارا بقبول استقالة هؤلاء، وقرارا آخر بتشكيل وزارة جديدة –على رأسها محمود فوزي أيضا!- وعيّن وزيرا للداخلية ممدوح سالم الذي بادر بالقبض على كل هؤلاء في نفس اليوم فاستسلموا كالخراف! وعين اللواء محمد صادق وزيرا للحربية، واستطاع صادق الحصول على ولاء القوات المسلحة لرئيس الجمهورية. كذلك تمّ القبض على الضالعين من أعضاء اللجنة العليا والاتحاد الاشتراكي مع أولئك المتآمرين، وكذلك بعض المرتزقة من الصحفيين وموظفي الإذاعة والتليفزيون.

وأنشأ السادات وظيفة "المدعي الاشتراكي". وتولى المدعي الاشتراكي ورجاله التحقيق مع هؤلاء المتآمرين، وانتهى التحقيق إلى تقديم 91 شخصا للمحاكمة بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم.

ولقد انزعج الاتحاد السوفييتي كل الانزعاج لما أصاب عميليه الكبيرين في مصر: علي صبري، وسامي شرف. فهرع إلى إرسال وفد بقيادة نيقولاي بودجورني رئيس الاتحاد السوفييتي في 25 مايو سنة 1971. لكن السادات بمكره ومهارته استطاع تطمين الوفد السوفيتي على استمرار التحالف الوثيق بين مصر وبين روسيا"[7].




[1] سيرة حياتي 2/106.
[2] سيرة حياتي 2/143.
[3] سيرة حياتي 2/225، 226.
[4] سيرة حياتي 2/237.
[5] سيرة حياتي 2/240.
[6] سيرة حياتي 2/241.
[7] سيرة حياتي 2/242 وما بعدها.