الجمعة، أبريل 24، 2015

من المسئول عن التغيير؟.. جولة في إجابات الفلاسفة

تصدر فلسفة المسئولية -بطبيعة الحال- كفرع عن التصور الفلسفي العام، فكل تصور توقف عند نقطة -باعتبارها موطن المشكلة أو بداية الحل- توجه إليها بالتركيز والإصلاح.

وبعدما استعرضنا في المقال السابق آراء الفلاسفة في الأحلام الفاضلة، يهمنا أن نركز في هذا المقال على إجابتهم عن سؤال التغيير، من المسؤول عن قيادة التغيير، ثم نخلص من كل هذا إلى الدخول في المنهج الإسلامي في التغيير الذي هو فرع عن المنهج في بناء الدولة والمجتمع.

لقد انصرف كونفوشيوس –ومن تبعه في هذه الوجهة- لإصلاح أخلاق الأفراد في عموم الشعب متصورًا أن نجاحه في نشر الأخلاق تدريجيًّا بين عموم الناس سيؤدي في النهاية لإصلاح حال المجتمع والسلطة، وبذل في هذا غاية جهده واستخلص فيه عصارة فكره، ولم يحفل بالبحث في إصلاح سياسة الحكم وقواعد السلطة، ولم يهتم كثيرًا بجانب القوانين باعتبار أن قوة الأخلاق في الناس تغني عن القانون، كما أن انهيارها يجعل القانون بلا فائدة.

ومن موطن العيب في هذا التصور هو توهم قدرة الناس على إصلاح السلطة دون الأخذ في الاعتبار قدرة السلطة على إفساد الناس، وأيهما أشد وأقوى تأثيرًا وأسرع حدوثًا؛ خصوصًا وكونفوشيوس لا يضع سبيلاً لإصلاح السلطة من قِبَل الشعب؛ بل يتمنى من خلال نشر الفضائل أن ينصلحوا من تلقاء أنفسهم، وكذلك التوهم بأن الناس سواء، وأن استعدادهم للتخلق بالأخلاق واحد وهو ما يناقض طبيعة البشر؛ إذ بعضهم أسرع استجابة للخير من بعض، وبعضهم تكفيه الإشارة فيما البعض الآخر لا يعالج شره إلا بالقوة والتأديب؛ فلا بد من وجود القوانين مع وجود الأخلاق.

ولقد انصرف أفلاطون –ومن تبعه في تصوره- إلى التركيز على الطبقة الحاكمة، والتي تمنى أن تكون من الحكماء والفلاسفة؛ حيث إن "العلم يحتم فعل الخير"، وهو لم يحفل بإصلاح الفرد باعتبار أنه وحدة أصغر من أن يمكن دراستها بوضوح، ورأى أن إصلاح الطبقة الحاكمة هو طريق إصلاح الدولة؛ ولهذا حظيت هذه الطبقة بحديثه التربوي الاقتصادي الإصلاحي، فهي بالنسبة إلى باقي الشعب بمنزلة الرأس من الجسد.

ومن مواطن العيب في هذا التصور حصره الخير في العلم، على الرغم من وضوح انفكاك الارتباط بينهما؛ فكم من عالم بالضرر يفعله لأنه ضعف أو هوى أو شهوة([1])! ومن العيوب كذلك حذفه لحقوق –ومن ثَمَّ: مسئولية- عموم الناس، وحبسه كل من في طبقة في مقامهم ومنعهم أن يتطلعوا إلى غيرها؛ بل هو لا يرى أن ينتقل صاحب الحرفة في ذات الطبقة من حرفة إلى أخرى([2])، والاستمرار في الاحتفاظ بطبقة العبيد التي لا يمنحها أي حقوق، ولا حتى لقب المواطن، ثم أسوأ من هذا كله افتقاد النظرة الإنسانية وسيادة النظرة العنصرية تجاه الأجانب؛ "فغالبًا ما يتطلب الولاء للدولة إنكار مشاعر التكافل والتعاون المتبادل، الذي يوجد بشكل طبيعي بين الناس، وتفرض الدولة أنواعًا معينة من قواعد السلوك التي تحدد العلاقة بين المواطنين والعبيد أو البرابرة، فكل ما هو محرم في العلاقات القائمة بين المواطنين المتساوين مسموح به تجاه أولئك الذين يعدون كائنات أدنى منزلة، وبينما تحلى المواطن اليوتوبي بالرقة ودماثة الخلق في تعامله مع من هم في نفس منزلته، فإنه يتسم بالفظاظة في تعامله مع عبيده، إنه يحب السلام في وطنه، ولكنه يشن أبشع الحروب خارج الحدود، وقد سمحت جميع اليوتوبيات التي حذت حذو أفلاطون بهذه الثنائية"([3]).

والخلاصة أن المسئولية في هذه الفلسفات واقعة على عاتق الفلاسفة والحكماء وحدهم.

وكذلك من رأى الحل في الإصلاح الديني علقها برقبة الكهنة والقساوسة، ومن رآه في القوانين المحكمة علقها برقبة المشرعين، وبحثت أغلب الفلسفات عن السلطة والدولة لما لديها من قدرة على تنفيذ الأفكار ووضعها موضع التطبيق ككل تصورات الشيوعية، فكانت المسئولية معلقة برقبة السلطة.

إن محاولتنا للتفتيش عن المسئولية في المناهج الوضعية أسفرت عن نتيجة مثيرة للخيبة والإحباط؛ ذلك أننا لا نجدها إلا في مجال القانون والعقوبات والجرائم، أما في مجال الإصلاح وحمل مسئولية التغيير فلا نكاد نجد إلا قليلاً، وحتى هذا القليل ظل حبيس النظريات ولم يُترجم إلى نموذج عملي واحد فيما نعلم، ثم فوجئنا بهذه النتيجة يقولها المستشرق الأمريكي مايكل كوك -صاحب أوسع بحث في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- يقول بلهجة قاطعة: إن الثقافة الغربية -وكذلك الثقافات الشرقية الأخرى- ليس لديها "فكرة واضحة عن واجب لا يفرض علينا التصرف بنحو لائق إزاء الغير فقط، بل كذلك منع الآخرين من فعل ما فيه تَعَدٍّ واضح على الناس، مع ذلك ليس لدينا نظرية عامة حول الأوضاع التي ينطبق عليها، والإرغامات التي تسقطه. إن القيمة الأخلاقية موجودة عندنا، لكنها ليست من القيم التي أولتها ثقافتنا صياغة متطورة ومتكاملة"؛ لذا فإنه نفسه لم يكتشف هذا المعنى إلا كنتيجة جانبية لبحوثه في الإسلام([4]).

لكننا وقعنا في أثناء البحث على أمور لا ينبغي إهمالها؛ أهمها:

1. أن من القوانين من جعل مسئولية الإنسان تجاه عائلته فوق الحق والعدالة، منها –على سبيل المثال- قانون نابليون الذي يُحَرِّم على الابن أن يشهد ضد أبيه وأمه في قضية مدنية أو جنائية([5]).

2. ظهرت فلسفات غارقة في المادية وفي التفسير المادي للإنسان؛ بحيث إنها سلبت منه -بوضوح أو بالمآل- الاختيار والإرادة الحرة، وقد انعكس هذا على مسألة "الأخلاق"، فحتى القرن التاسع عشر الميلادي كان علم الأخلاق يبحث في المبادئ وترتيبها واستنباطها وأهميتها للحياة بما يعني التطلع إلى مَثَلٍ أعلى ومُثُلٍ عليا للسلوك تعين على فعل الخير والابتعاد عن الشر، وبهذا كان علم الأخلاق من العلوم المعيارية؛ بمعنى أنه لا يدرس ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يكون، ثم ظهرت في فرنسا مدرسة من علماء الاجتماع نظرت إلى علم الأخلاق باعتباره تفسير ما هو كائن، لا معيارًا لما ينبغي أن يكون، وبهذا تحولت الأخلاق لديهم إلى "القواعد السلوكية التي تسلم بها جماعة من الناس في حقبة من حقب التاريخ"، فنزعوا عن القيم الأخلاقية فكرة الثبات والدوام أي نزعوا عنها القداسة والاحترام([6]).

هذه النظرة هي بنت الفكر المادي الذي لا يرى في الإنسان إلا طبيعته المادية، وهي الطبيعة الحتمية التي لا تسمح له بالاختيار، يقول سبينوزا –الفيلسوف الهولندي-: إن "الأعمال الإنسانية، شأن جميع ظواهر الكون تنتج وتستنبط بالضرورة المنطقية نفسها التي يستنتج بها من جوهر المثلث أن زواياه الثلاث تساوي قائمتين"، ومثله الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت الذي قال: إنه "لو كنا نعرف جميع الظروف والسوابق، فإن أعمال الإنسان يمكن التنبؤ بها بالدقة نفسها التي يُحَدَّد بها كسوف الشمس". ومآل هذه الفكرة المادية تنتهي عند كلمة ديفيد هيوم: "إن شعورنا بالحرية ليس إلا وهمًا". وبالتالي فلا معنى للتحلي بالأخلاق؛ لأنه لا قدرة على الاختيار، وهو ما يصرح به شوبنهاور: "هناك أناس طيبون، وآخرون خبثاء، وذلك مثلما يوجد حملان ونمور، فالأولون يولدون بمشاعر إنسانية، والآخرون يولدون بمشاعر أنانية، وعلم الأخلاق يصف أخلاق الناس مثلما يصف التاريخ الطبيعي خصائص الحيوانات"([7]).

إن أهون آثار هذا التفكير هو ما يجعل "النية" وحدها مقياسًا لحسن العمل أو قبحه، وهو ما قال به كانْت، وقد أحسن الشيخ محمد عبد الله دراز في الرد على هذا القول بما قاله سلفنا الصالح من قبل من أن "النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد". يقول الشيخ: "نحن متفقون تمامًا مع "كانْت" فيما يقرره من أن أكثر الأعمال نفعًا، وكذلك أكثرها نزاهة ليست له قيمة أخلاقية إذا لم تصحبه –بل إذا لم تحدده- إرادة الخضوع للقانون، وأن أسوأ الأعمال لا يستتبع مسئولية إذا لم يكن قد خالف القانون عن عمد، ولكن شتان بين هذا وبين أن نقول في حالة العكس: إن أكثر الأعمال ضلالاً مع النية الحسنة يسترد كل قيمته ويصبح قدوة للسلوك الأخلاقي، فإذا كانت النية الطيبة تعذر صاحبها؛ فإن ذلك لا يستتبع أن تنزل منزلة مبدأ مطلق للقيمة الأخلاقية، وعلى سبيل الإيجاز، ولكي نعطي لتفكيرنا شكلاً أكثر وضوحًا وتحديدًا، نقول: إن النية شرط ضروري للأخلاقية، وهي على ذلك شرط للمسئولية، ولكنها ليست بأي حال شرطًا كافيًا لهذه أو تلك"([8]).

3. إن الفلسفات التي تجاهلت مسئولية عموم الناس في التغيير والإصلاح، وقصرت ذلك على الفئات المؤثرة والحكام المتسلطين، هذه الفلسفات أمسكت بتلابيبهم في جانب واحد هو: المسئولية القانونية! ومن المدهش أنها عامة القوانين الوضعية تعاملت بقسوة، فعاقبت حتى المجنون والأطفال والمعتوهين؛ بل والحيوانات والجمادات، وعاقبت على ما وقع بالصدفة وما كان غير متَعَمَّدٍ أيضًا.

وتلك هي خلاصة البحث الواسع للفرنسي بول فوكونيه Paul Fauconnet، والتي استعرض فيها أحوال المجتمعات البدائية والحضارات القديمة([9])، ومما جاء فيها أن التوراة([10]) عاقبت الثور القاتل بأنه "يُرجم ولا يؤكل لحمه، وهذا الإجراء مطبق حتى لو أقر المالك بأنه مذنب وعوقب بالموت"، وفي قوانين أفلاطون: "لو أن حيوانًا يقتل إنسانًا فإنه يُقتل، ويُرمى خارج الحدود، ولو أن شيئًا من الجماد يقتل إنسانًا فإنه يرمى كذلك خارج الحدود". وكانت الدعاوى ترفع على الحيوانات في كافة أوروبا منذ القرن الثالث عشر حتى الثامن عشر؛ بل والتاسع عشر في المناطق الشرقية منها، وعوقب الأطفال والمجانين على ما يرتكبونه، وكانت تخفف العقوبات أحيانًا أو لا تخفف، ولقد أعدم طفل في الثامنة من عمره في إنجلترا في القرن الثامن عشر من أجل القتل أو الحريق، وقد كان على القضاة في فرنسا أن يصدروا العقوبة العادية ضد المجنون، ثم يختص البرلمان بتخفيف هذه العقوبة أو إلغائها، أما فيما يتعلق بجريمة الاعتداء على الذات الملكية فلا تخفيف فيها.

وكانت القوانين –التي سادت المجتمعات القديمة- تعاقب -أيضًا- على ما ارتكب عن غير قصد أو بالصدفة؛ ففي نظام دراكون (الذي بقي في أثينا حتى الغزو الروماني) كانت عقوبة القتل الخطأ هي النفي المؤقت، وفي أقدم القوانين الرومانية (قانون الألواح الاثني عشر) فإن الضحية الذي يُبتر له عضو من أعضائه، على إثر جناية غير متعمدة، كان يستطيع أن يجري القصاص إذا لم يقبل الدية، وفي القانون الصيني كان القاتل بطريق السهو أو الصدفة يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالنفي، وفي التوراة عوقب القاتل غير العامد بنوع من النفي، ومن الممكن شرعًا لصاحب الدم أن يقتله لو أنه غادر منفاه قبل المدة المحددة، وفي القانون الكنسي كانت الكفارات القاسية تفرض خلال سنوات كثيرة للتكفير عن خطايا لا إرادية، ارتكبت بسبب الجهل، وفي إنجلترا حتى أوائل القرن التاسع عشر لم يكن القاتل غير المتعمد يفلت من الإدانة علاوة على مصادرة أمواله إلا بفضل رحمة الأمير، ويبرز هذا الوضع الأخير -أيضًا- في القانون الفرنسي القديم([11]).

وبهذا نزعت المناهج الوضعية من البشر حقهم في إصلاح أحوالهم، ووضعتها بيد الحكام أو الكهان أو الفلاسفة، ثم ترصدت لهم فيما يفعلونه فعاقبتهم على غير ما قصدوه؛ بل عاقبت غير ذوي الأهلية!!

نشر في ساسة بوست



([1]) د. محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص188.
([2]) ديفيد جونستون: مختصر تاريخ العدالة ص66.
([3]) ماريا لويزا برنيري: المدينة الفاضلة عبر التاريخ ص22.
([4]) مايكل كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي ص25، 26، 803 وما بعدها.
([5]) Code Napoleon, livre I, Ture 2 I. نقلاً عن: د. محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص143، 144.
([6]) د. زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة ص205 وما بعدها، د. مصطفى حلمي: الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام ص15 وما بعدها.
([7]) د. محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص181، 182.
([8]) السابق ص179، 180.
([9]) ولم يكن من بينها الحضارة الإسلامية، ولذلك انتهى في دراسته إلى ارتقاء الغرب حضاريًّا عن كل ما سبق، وهو ما أثار غضب الشيخ محمد عبد الله دراز؛ لأنه لم يبحث عن "المسئولية" في الإسلام، ولو فعلها لكان قد رأى أن الإسلام هو أول من تحدث عن المسئولية برقي غير مسبوق ولا ملحوق، وكادت لهجة الشيخ دراز تتهمه بالتعمد في هذا الإغفال، وترميه بالغرض في نصرة الحضارة الغربية الحديثة.
([10]) وهي التوراة المحرفة بطبيعة الحال لا التي أنزلها الله على موسى u.
([11]) د. محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن ص222 وما بعدها.