الاثنين، ديسمبر 22، 2014

حركة النهضة التونسية .. حصاد تجربة توافقية



ستنهمر في الأيام القادمة مقالات وبحوث تسأل "لماذا فشلت حركة النهضة التونسية"، ربما تكون هذه السطور –التي تُكتب في الساعات الأولى من 17 ديسمبر- أول الغيث، وأستطيع أن أعتذر لنفسي بأني كتبت معنى هذا الكلام منذ 2011، قبل أن ينجلي الغبار ونعرف هل كان لدينا فرس أم حمار؟! وما ذاك إلا دفعا لتشغيب من سيقول: يمارسون الحكمة بأثر رجعي!

كان الغنوشي واحدا ممن نَظَّر طويلا لفكرة أن الدولة في الإسلام هي ذاتها الدولة العادلة في الغرب، وبذل جهدا حافلا بالتلفيق والتكلف لينزع من الدولة في الفكر الإسلامي كل خصائصها المميزة ليحيلها إلى الدولة الديمقراطية في الفكر الغربي، كأن لم تكن للإسلام خصيصة متميزة في نظام الدولة وأحكامها عما انتهى إليه البشر من فكر سياسي في القرن العشرين!

وفجأة وجد الغنوشي نفسه عائدا إلى تونس بعد ثورة قصيرة عجيبة هرب منها الطاغية المجرم زين العابدين بن علي، وبدا أنه قد حان وقت الشعوب!

ظن الغنوشي أن الحركات العلمانية مخلصة للحرية والديمقراطية بقدر إخلاصه لها، إلا أنه فوجئ مبكرا بالوجه البشع للعلمانية والغرب، الوجه الذي طالما حاول أن يتجاهله في تنظيراته ليجعل معركته حصرا مع المستبدين من حيث كونهم مستبدين! وغفل عامدا عن كونهم أيضا علمانيين وعملاء للغرب "الديمقراطي" المستنير!

ومبكرا بدأ الغنوشي رحلة التنازلات.. بدأت بأنهم لن يترشحوا للرئاسة، وانتهت بعد أربع سنوات بأنهم لن يدعموا أحدا في انتخابات الرئاسة التي ستأتي برجال بن علي نفسه!

لم يستطع الغنوشي أن يحافظ على مبادئه هو، وكان أول الناس تفريطا فيها، ومن ذلك: خيانة "مبدأ الديمقراطية" نفسه لصالح مبدأ لقيط اسمه "التوافق الوطني"، ومعناه ببساطة أن الحركات العلمانية تفعل ما تريد وتحكم ما تشاء، ولو كانت أقلية في أي انتخابات، فرضاها مقدم على رضا الشعب، واختياراتها أهم من اختيارات الشعب، وعلى الإسلاميين وإن كانوا في موقع الأغلبية أو حتى في موقع السلطة أن يسمعوا لهم وينفذوا رغباتهم ليتحقق هذا التوافق. الأغرب من ذلك أنهم لا يرضون أبدا، فهم كنار جهنم كلما قيل لها: هل رضيتِ قالت: "هل من مزيد"؟!

وبسبب من هذا التوافق اللعين:

1.    قبلت الحركة ألا تترشح للرئاسة فنصبت له يساريا (المنصف المرزوقي) كان من أوائل تعهداته أن الدستور لن يكون فيه أي نص على الشريعة (رغم أن هذا ليس من صلاحياته أساسا).

2.    قبلت أن تتنازل عن ذكر الشريعة في الدستور سعيا لتوافق "وطني" حول الدستور.

3.    غيرت حكومتين، لإرضاء العلمانيين، ثم تنازلت عن السلطة من أجل تمرير الدستور!

4.    عملت بهمة في تشويه وقتل الجهاديين لتثبت أنها حركة معتدلة غير متطرفة، حتى تساءل الغنوشي في مقابلة إعلامية "لقد قتلنا السلفيين.. ماذا يريد الغرب أكثر من ذلك"!

لم يكن غريبا بعد كل هذا ألا تنجح الحركة في شيء، ولقد كان التوافق الذي تلهث نحوه يتم عليها، إذ لم يفارق العلمانيون طبيعتهم القديمة المقيمة في التحالف مع الاستبداد، ومن ثم وجدت الحركة نفسها أمام رجال بن علي بأنفسهم وأشخاصهم، بأموالهم وإعلامهم ومن خلفهم من الدعم الخليجي والغربي! فماذا فعلت؟!

واصلت رحلة التنازل مرة أخرى، وصوتت ضد قانون العزل السياسي خوفا من مصير ليبيا، كما تخلت من قبله عن السلطة خوفا من مصير مصر.. ولم تدر أنها تستغيث من الرمضاء بالنار، وتضع نفسها على مصير بورما وإفريقيا الوسطى أو على مصيرها هي ذاتها أيام بن علي ومصير ليبيا أيام القذافي ومصير مصر أيام عبد الناصر ... وهكذا!
بعد هذه السنين من اللهاث خلف التوافق، الذي تحول إلى صنم كُسِر لأجله صنم الديمقراطية الذي كُسِر لأجله سياج الإسلام من قبل ليجعله الفكر الغنوشي متطابقا مع الديمقراطية! نقول: بعد هذه السنين من اللهاث خلف التوافق لأجل إنجاح الثورة ضد نظام بن علي، صار الحال عكس الحال: لقد توافق العلمانيون مع رجال بن علي ويطلبون من النهضة أن تنزل على "توافقهم" لتدعم حزب بن علي في انتخابات الرئاسة! رغم أنهم في ذات اللحظة يعلنون إقصاءها من الحكومة لأنهم "توافقوا" بالفعل في كتلة برلمانية تحوز الأغلبية الدستورية التي تسمح لهم بتشكيل حكومة لا مكان فيها للنهضة! وهم في نفس ذات اللحظة يتوعدونها بالويل والثبور ولا يخفون أنيابهم التي تستعد لمرحلة ما بعد الرئاسة لتنهش النهضة نفسها!

واستمرارا لرحلة التنازل أعلنت النهضة أنها تقف على الحياد بين المترشحين للرئاسة، رغم أن أحدهما "شريك ثورة" قدمته النهضة ذاتها لأجل "التوافق"، والآخر رجل بن علي الذي قامت عليه الثورة والذي لجأت النهضة إلى "التوافق" لتهرب منه!

ويقول قائل النهضة: لعل ذلك يكون خيرا لأن دعمنا المعلن للمرزوقي سيمثل عبئا عليه؟! وتأمل يا أخي القارئ وقل سبحان الله! كيف تحولت الحركة التي رُفِعت على الأعناق ووُضِعت في سدة الحكم قبل ثلاث سنين إلى حركة تخشى أن تعلن موقفها كي لا يكون تأييدها لأحد عبئا عليه؟! هل من فشل أقبح من هذا!

ولقد كان قائل النهضة قديما يقول: نتنازل عن السلطة الآن لنثبت أن هدفنا مصلحة تونس ثم بيننا وبينهم الانتخابات.. فها قد ذهبت السكرة والثقة وجاءت الحسرة والحرقة: قد ذهبت السلطة ولم تأت بهم الانتخابات!
ولقد كان قائل النهضة قديما يقول: إنما نتوافق ونتنازل لترسيخ نظام ديمقراطي نتمكن فيه من دعوة الناس والوصول إليهم لنحشدهم في معركة تحرير الوطن من الغرب ومن بن علي. فإذا قيل لهم: كيف تثقون أنكم ستواجهون الغرب بعد خمود الثورة وقد عجزتم أو جبنتم أن تواجهوه –بل حتى أن تعبروا عن هويته بحق- في لحظة فوران الثورة. قالوا: أنتم المتهورون والأيام بيننا!

وها هي الأيام تأتي كل يوم بمصيبة أساسها التوافق يسفر عن تنازل جديد من أجل التوافق!

وبالتوافق.. تعود تونس لبن علي!

وما أحسن حظ طاغية كان خصمه غنوشي توافقي!!