الاثنين، ديسمبر 15، 2014

هل يكفي الربيع أن يكون عربيا؟!



كشف أحمد السيد النجار –اقتصادي يساري، ثوري أيام مبارك، ورئيس تحرير الصحيفة الحكومية الأولى أيام السيسي- أن السيسي، وكان وقتها رئيس المخابرات الحربية، اجتمع بالتيارات العلمانية عقيب ثورة يناير وأوصاهم بالعمل لمواجهة الإخوان المسلمين كي لا تؤول الثورة إليهم، وأن التيارات العلمانية من جانبها وعدت بالعمل.

ولم يعد سرا الآن أن اجتماع السيسي ببعض من سُلِّطت عليهم الكاميرات واعْتُبروا رموز ثورة يناير كان بغرض توصيل ذات الرسالة: مواجهة الإخوان المسلمين والحيلولة دون أن تؤول الثورة إليهم!

ويعرف كل من تابع الثورة من الميادين لا عبر الشاشات أن الثورة ما كان لها أن تبقى في الميدان لولا وجود الإسلاميين، حتى وإن تنازلوا فلم يرفعوا شعارات إسلامية صريحة بُغية ألا تظهر الثورة على أنها إسلامية فيكون ذلك أسهل في إزالة مبارك. ولقد قدم الإخوان التنازلات قبل أن يسقط مبارك حين أعلنوا أنهم لن يترشحوا للرئاسة ولن ينافسوا على أغلبية البرلمان، كما لم يحاولوا التواجد في صدارة المشهد وتركوه لمن عُرفوا بـ "شباب الثورة" الذين كان الواحد منهم بالأمس لا يأمن على قفاه من مخبر فصارت الطائرات تنقله إلى الاتحاد الأوروبي وأمريكا، وصارت السيارات تحمله إلى مقر وزارة الدفاع والمخابرات الحربية.. وما فعل الإسلاميونذلك إلا لذات السبب: تسهيل إزاحة مبارك!

وجرت مياه كثيرة في المشهد المصري، كان خلاصتها انقلاب يوليو، حيث أثبت العلمانيون ومن عُرفوا بـ "شباب الثورة" أنهم مخلصون للحكم العسكري الاستبدادي ضد حرية الشعوب لأن هذه الحرية تأتيهم بالإسلاميين! ولم يعد باقيا في ميدان الثورة إلا الإسلاميون الذين يُقتلون يوميا برضا وتحريض من "شركاء الثورة"! أو على الأقل بسكوت العذراء في خدرها!

هذا المشهد المصري تكرر أيضا في تونس، وقدم الغنوشي وحركة النهضة تنازلات مهينة بغية توحيد القوى "الثورية" لضمان إنجاح الثورة، حتى لقد تنازلوا عن الحكم ضمانا لكتابة دستور، وتنازلوا عن مبادئهم في الدستور ليكون توافقيا، ولم يرشحوا أحدا للرئاسة لينجح المرزوقي (التوافقي)، ثم أعلنوا حيادهم في الانتخابات لكي لا يكونوا عبئا على المرزوقي.. وبعد هذا كله تحالف العلمانيون مع النظام القديم لإقصاء حركة النهضة!! فيستطيع حزب "نداء تونس" (رجال بن علي) بالتحالف مع بعضهم أن يشكل حكومة لا مكان فيها لحركة النهضة!

صحيح أن النهضة لم تذق حتى الآن سياط الدم العلماني بعد الثورة، لكنها على الطريق المؤكد، حتى إن نظام بن علي العائد مرة أخرى لا يخفي نواياه ولا حتى يتحرج في خطابه.. بل يعلنها مدوية: جئناكم بالذبح!!

قالوا قديما: السعيد من وُعِظ بغيره، والشقي من وُعِظ بنفسه، ونحن الآن نعيش في عصر من لم يتعظ حتى بنفسه، ولُدِغ من الجحر الواحد مرات ومرات!

إننا مهما حاولنا تغطية شمس المعركة بغربال الوطنية والتوافق فلن نفلح في ذلك!

إن المعركة التي تدور على أرضنا هي معركة بين الإسلام والغرب، فالمعركة بين الشعوب والاستبداد هي صورة هذه المعركة: شعوب تحب دينها وتختار الإسلاميين في أي انتخابات ولو شبه نزيهة ضد مستبدين جاءوا إلى الحكم على دبابة الغرب وظلوا فيه بدعم الغرب.

وأي محاولة للثورة على هؤلاء الحكام هي محاولة لإنقاص نفوذ الغرب ووجوده في هذه الأرض، والمساحة التي تنقص من نفوذ الغرب يملأها الإسلاميون بطبيعة الحال..

والغرب كما له ذراع عسكري ممثل في الجيوش العربية، له كذلك ذراع مدني ممثل في التيارات العلمانية، فهذه التيارات لم تنشأ إلا في عصور الاحتلال ولم تستمر إلا بدعمه، ولم يكن لها وجود إلا تحت رعاية الذراع العسكري الاستبدادي.

فلو كانت المعركة وطنيةً ضدَّ الاستبداد لوجدت العلمانيين أدعياء الديمقراطية والحرية وقفوا في صف الشعوب مهما كان اختياره، يريدون الحرية التي يستطيعون في ظلها تسويق أفكارهم!

لكن المعركة لم تكن أبدا كذلك، بل هي على الحقيقة معركة بين الإسلام والغرب، وعند لحظة المفاصلة تجد اتحاد الذراعان الغربيان: المستبدون والعلمانيون ضد حرية الشعوب وإرادتها التي تسفر عن الإسلاميين.

إن دعاوى التوافق دعاوى متهافتة تعبر عن سذاجة مهينة.. لكنها الآن بعد هذه السنوات والأحداث تعبر عن خيانة قبيحة!

وإن أي محاولة لنزع صفة "الهوية" عن المعركة القائمة وتغطية شمس الحقيقة بغربال الهويات الوطنية والتوافقات هي محاولة قتل للشعوب وثوراتها، لأنها محاولات إضلال وتزييف وحرث في البحر كطلب الماء من السراب وطلب العسل من الأفاعي!

إنه لا يكفي للربيع أن يكون عربيا .. بل لن يكون ربيع الشعوب إلا إسلاميا!

وتغييب الإسلام من هذا الصراع لشراء التوافق الموهوم هو تضحية بالقدرات الهائلة والروح الملتهبة التي يثيرها الإسلام في نفوس الناس، لأجل شراء قلة قليلة لا تثبت في المعارك ولا تؤثر في الصراع!