السبت، نوفمبر 02، 2013

من فقه المقاومة في سورة الأنفال (3/3)






ذكرنا أن سورة الأنفال رسمت القواعد التي ينبغي أن يتبعها المسلمون في بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، وهي ثلاثة محاور كبرى:

1.      المسلمون أصحاب حق وأهل رسالة قضيتهم الكبرى هي إرضاء الله وإقامة الدين وهم لذلك أهل زهد في الدنيا وترفع عنها.

2.      المجتمع المسلم مجتمع متماسك مترابط شديد الحساسية لكل ما يمكن أن يفصم هذه الرابطة أو يوهنها.

3.      أن الدولة الإسلامية دولة متأهبة مستعدة مَهيبة مرهوبة.

ويمكن النظر إلى هذه القضايا الثلاث باعتبارها تشمل ثلاث مستويات: الفرد، والمجتمع، والدولة؛ فالزهد في الدنيا وتربية النفس على الترفع عنها أمر يخص كل فرد، والاستمساك بعرى الروابط بين المسلمين أمر يخص المجتمع، وكون الدولة الإسلامية متأهبة مستعدة مهيبة مرهوبة الجانب هو أمر يتوجه للدولة والحكم والنظام السياسي.

وقد تناولنا في المقاليْن السابقين[2] المحورين الأوليْن، وبقي أن نناقش الآن ماذا قالت لنا سورة الأنفال في المحور الثالث: الدولة الإسلامية المتأهبة المهيبة.

(3)

كان نصر بدر حدثا زلزل الجزيرة العربية سياسيا، فلم يعد الأمر مجرد خلاف داخل قريش كما هو داخل أي قبيلة، بل إن رجل قريش هذا صارت له دولة في المدينة وقد أوقع بعض رجال منها –لم يكونوا يستعدون لقتال- بجيش فيه كبار قريش وقتلوا زعماءها: عمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وابنيه شيبة والوليد وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبا البختري بن هشام وغيرهم!

حتى إن الحيسمان بن عبد الله الخزاعي الذي نقل هذا الخبر –وكان أول الواصلين إلى مكة- حين ذكر هذا توقع الناس أنه مجنون لا يعقل[3].

وبهذا تغير الوضع في مكة والمدينة، لقد صارت المدينة جزءا من معادلة القوة والنفوذ في الجزيرة العربية، وحق لمكة لا أن تخشى على تجارتها فقط بل على نفوذها نفسه، وتضعضع حال المشركين في المدينة فقد "أسلم أكثرهم بعد بدر"[4]، وابتدأ ظهور النفاق والمكر والخداع، واستعلنت العداوة المكتومة لدى اليهود الذين أغاظهم هذا النصر، كما لم يعد أحد من القبائل المحيطة بالمدينة يستسهل حربها والاشتباك معها في غزو، وهذا بخلاف الثقة التي عمت المؤمنين في ربهم ودينهم وأنفسهم.

فأي ذلك أفضل: كل هذه النتائج، أم العودة بغنائم قافلة أبي سفيان؟!!

ولهذا قال الله تبارك وتعالى لعباده {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}، فما كانت غنيمة العير لتقطع دابر الكافرين مثلما قطعه النصر على ذات الشوكة.

لقد سارت السورة تؤكد على ضرورة أن تكون دولة الإسلام دائما قوية مستعدة مرهوبة الجانب، فجاء فيها الأمر ببذل غاية الوسع والطاقة في الإعداد للحرب، فهذا الإعداد وحده هو الكفيل ببعث الرهبة في قلوب الأعداء بل وفي قلوب غيرهم ممن يراقب الأحداث والتطورات وقد تحركه المطامع والأغراض، ولا ينحسم كل هذا إلا بالإعداد للحرب.. الإعداد الذي يبعث الرهبة ويجعل مجرد التفكير في حرب المسلمين مغامرة ومخاطرة.

وإن الإنفاق العسكري -في الدولة الإسلامية- هو إنفاق في سبيل الله، لا يُستهان فيه بأقل شيء، حتى لو كان تمرة!

والإعداد للحرب لا يساوي إشعال الحرب، بل يثبت التاريخ والواقع أن من يملك السلاح هو القادر على حفظ مكانه بين الخصوم وإن لم يحارب، بينما الضعيف الخالي من السلاح هو من تنهشه أيادي الأعداء جميعا مهما فعل لتجنب ذلك.. وانظر حولك في العالم تجد مصداق هذا الكلام.

إن السلام يكون بين الأنداد الأقوياء، ولا يفكر عدو في مسالمة عدوه إلا إذا عجز عن قهره، وذلك لا يكون إلا في حال القوة والشوكة وفي حال الاستعداد والتأهب.

ذلك ما قاله الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم}

وكما ينبغي أن يحافظ المسلمون على استعدادهم المادي الحربي العسكري فإنه ينبغي عليهم كذلك أن يحافظوا على ترابطهم فيما بينهم، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: "إنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضا، وتوقع عدم إلفاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكن منهم العدو... والريح حقيقتها تحرك الهواء وتموجه، واستعيرت هنا للغلبة، وأحسب أن وجه الشبه في هذه الاستعارة هو أن الريح لا يمانع جريها ولا عملها شيء فشبه بها الغلب والحكم"[5].

وقد تكرر هذا المعنى في قول الله تعالى لنبيه { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}

فالألفة التي بين المؤمنين هي سر النصر، هي ما يمنع نجاح الخداع والمناورات، وإن أغلى شيء يمكن أن يظفر به العدو خلل في ترابط المؤمنين وتحاببهم فينفذ منه ليوقع بينهم العداوة والبغضاء فيضرب بعضهم ببعض، ولذلك فإن المؤمنين المتآلفين هم أقدر الناس على الاستعداد الدائم للجهاد، وهذا الاستعداد الدائم هو هو ما يجعل دولة الإسلام قوة مرهوبة دائما، قوة تستطيع أن تغلب من كان ضعفها عشر مرات، أو في أدنى الأحوال من كان ضعفها مرتين، قال البقاعي: "ما جاهد قوم من أهل الإسلام قط إلا أكثر منهم، وتجب مصابرة الضعف، فلو كان النظر إلى غير قوته سبحانه ماأطيق ذلك، ولهذه المقاصد سنت قراءتها في الجهاد لتنشيط المؤمنين للجلاد"[6].

لقد قصَّ الله علينا كيف أنعم بنصره على المؤمنين، أنزل عليهم السكينة، وقذف الرعب في قلوب الكافرين، وأمدهم بالملائكة مردفين ومسومين ومنزلين، ووعدهم بأنهم يغلبون ضعفهم أو عشرة أضعافهم إذا هم أقاموا الدين.. ولذلك، فإن إقامة الشريعة ونصرة الدين جزء من النصر والتفوق العسكري، وهذا من المعاني الراسخة في صدور المؤمنين.

(4)

لماذا سميت سورة الأنفال بهذا الاسم؟

لعله لأن "الأنفال" هي الاسم الذي يجمع هذه المحاور الثلاثة: الزهد في الدنيا، ترابط وتآلف المؤمنين، الجهاد في سبيل الله.

فإن الأموال تصرف أهل الحق عن رسالتهم وتثقلهم وتربطهم بالدنيا، ولقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) "إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال"[7].

والأموال هي ما تثير النزاع والتباغض بين المتحابين فتنفصم بذلك العرى والروابط والأرحام، وفي ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم"[8].

والأموال أيضا هي التي تضعف الدول حين تتوجه الأموال إلى الرفاه والرخاء لا إلى مواطن القوة والتأهب والاستعداد.. قال الله تعالى {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]


فهذه محاور السورة الثلاثة، كلها ترتبط باسمها برباط وثيق.. فسبحان الذي أنزل القرآن ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.





[2] راجع مقاليْ: من فقه المقاومة في سورة الأنفال (1/3)، من فقه المقاومة في سورة الأنفال (2/3)
[3] ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة. 2/209، وقال د. إبراهيم العلي: "إن كان أخرجه ابن إسحاق بسنده الصحيح الوارد في بداية غزوة بدر فالحادثة صحيحة والله أعلم، وإلا فالحادة بلا سند". صحيح السيرة النبوية ص189.
[4] محمود شيت خطاب: الرسول القائد، دار الفكر، بيروت، الطبعة السادسة. ص163.
[5] الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984هـ. 10/30، 31.
[6] البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة. 8/215.
[7] الترمذي (2336)، وصححه الألباني.
[8] البخاري (2988)، ومسلم (2961).