السبت، فبراير 19، 2011

من دروس الثورة المصرية

أعلم أن الواجب الآن هو الحديث في المستقبل والتنبه لما يُحاك من مؤامرت "الثورة المضادة" التي ينفذها رجال النظام القديم في ظل تعتيم كامل، وسكوت مطبق من جانب المجلس العسكري الذي ما زال تباطؤه يثير القلق، أعلم هذا لكنما أخشى أن تفلت منّا بعض الدروس المهمة فيما حدث حتى الآن.

(1)

حينما اندلعت ثورة تونس فجأة، تفاجأ الجميع، وحينها اكتشفتُ أن ما أعرفه عن تركستان الشرقية أكثر مما أعرفه عن تونس، وكنت وما زلت أرى أن ما كتب في تحليل ثورة تونس لم يرق إلى أن يفسرها أو ربما لا يرق إلى أن يفهمها.

وفي هذه الأيام راجت المقولات عن الفوارق "الرهيبة" بين تونس ومصر، وأن الفساد في مصر من العمق إلى الحد الذي يحول دون حدوث ثورة، وجرى التماس الفوارق المانعة مثل نسبة التعليم وعدد السكان وغيره بل وصل إلى التصريح بأن "الأخلاق" مختلفة في كلا البلدين.

ثم اندلعت الثورة في مصر، وكانت أيضا مفاجأة لجميع الأطراف.. وأستطيع أن أقول إنها أسقطت كل التحليلات التي فرقت بين مصر وتونس، وكل التحليلات التي فلسفت للخنوع والجبن الذي يغرق فيه المصري، بل وصل الحال إلى التصريح بأن الجبن والخنوع طبيعة مصرية في بحوث وكتب تدعي الطابع العلمي، بل لقد خرج علينا آخرون بتأصيلات شرعية تثبت –من خلال القرآن والسنة!!- أن المصريين خانعون جبناء.

قلت كثيرا ومنذ سنوات عديدة بأن الشعوب أفضل من المتوقع، ومتقدمة كثيرا عن الخانة التي يحسبها المحللون والسياسيون بل والدعاة المرتبطون بالشعوب، هذا فضلا عن الخبراء الأجانب، وكنت أستدل على هذا بأن الحركات الإسلامية نفسها تُفاجأ بما تحققه في الانتخابات رغم أنها الأكثر التصاقا بالشعوب.

واليوم أحسب أن الدرس الأول الذي ينبغي تفهمه هو احترام هذه الأمة التي تفاجيء حتى طليعتها ونخبتها بما لم تكن تتوقعه، وأن تزول هذه اللهجة المتعالية من أفواه "المثقفين" و"الخبراء" وكثير من الدعاة.. ها قد ثبت بما لا شك فيه أن الأمة حية ونابضة وأنها بانتظار الشرارة والقيادة.

(2)

ينبغي أن أعترف أني لا أملك تفسيرا أيضا لاندلاع الثورة المصرية، وما زلت أرى أن ما كتب في تحليلها لا يرق إلى فهمها وتفسيرها، ولئن كنت جاهلا بأحوال تونس فأزعم أني متابع للوضع المصري عن كثب، ورغم هذا فلقد كنت من المتفاجئين بما حدث.

يمكن الحديث كثيرا عن العوامل التي فجرت الثورة المصرية عبر ثلاثين سنة، أو ستين، إلا أن هذا الاشتعال في هذه اللحظة ثم هذا التطور الشجاع المذهل في المواجهة لا أجد له تفسيرا حتى اللحظة.

لا يكاد يُفسِّر هذا –عندي- إلا يد الله التي تحرك القلوب، فتهدي قلوبا وتُضل أخرى، وتقذف الشجاعة في نفوس كما تقذف الرعب في نفوس أخرى. وأعلم أن هذا التفسير لا يعجب كثيرين، كما أنه ليس التفسير الكامل حتى بوجهة النظر الإسلامية، إذ أن الله لا ينصر من لا يستحق، ولا بد من عمل بشري يعطيه الله العون.. فأين هذا العامل البشري الذي أمده الله بعونه وتوفيقه؟.. ما زلت لا أدري!

(3)

ضرورة مراجعة الأفكار، وحيث أني من الإسلاميين فإنه يهمني بالقدر الأول أن أتحدث عن الأفكار التي سادت الساحة الإسلامية.

لقد كنت أنتقد كثيرا أن الحركات الإسلاميين مقصرة في استقراء التاريخ، وأن ما ظهر حتى الآن من المشتغلين بالتاريخ ممن لهم انتماء إلى حركة إسلامية إنما يمارسون "التأصيل التاريخي لفكر الحركة"، وهي قراءة تحاول دعم فكر الجماعة أو الدعوة أو الحزب باستدعاء وقائع تاريخية. ومن المهم هنا أن يقال إن "القراءة الإخوانية" للتاريخ كانت أنضج وأرقى من "القراءة السلفية" للتاريخ، ذلك أن الفكر الإخواني أصلا لديه قدر من العمق تفتقده الحَدِّية السلفية التي تنحو دائما إلى التبسيط.

إنما المفاجأة الآن أن بعض الناس لا يقرأون الواقع، ولقد أصابتني صاعقة حين رأيت على قناة سلفية من يرى أن الثورة فتنة وأنها خروج عن الطاعة، لو كان هذا قبل نجاح الثورة ما اندهشت لكنه قيل بعد نجاحها، نجاحها الذي عادت به القناة التي كانت مُغْلَقة بقرار من النظام السابق!!!

لئن كان الوقت فيما سبق يستدعي أو يحتمل نقاشا حول مفاهيم "الفتنة" و"وولي الأمر" و"الخروج على الحاكم" و"تقديرات المفاسد والمصالح في المظاهرات" و .... إلخ، فإن ما بعد الثورة يجب ألا يستدعي نقاشا كهذا، لقد ثبت أن الثورة تحقق مكاسب أكثر بكثير من مفاسدها المتوهمة، وأن مفهوم "القدرة على التغيير دون إراقة الدماء" صار في حكم الممكن المستطاع، وعليه فإن القدرة على الإصلاح صارت أقرب، مما يستدعي تغيرا في الأفكار والتقديرات التي كانت من قبل.

وينبغي أيضا أن نخوض حوارا شجاعا حول مفهوم الحرية والديمقراطية الذي ما زال السلفيون ينظرون إليه على أنه "مؤامرة على الدين"، في حين يراه الناس أمنية وحلما، أيهما أولا: الحرية أم الشريعة؟

لا أتردد في أن أجعل الحرية أولا، ثم في ظلالها يستطيع الناس اختيار ما شاءوا، حتى لو اختاروا الكفر، مع أنه من المفترض أن نثق في أمتنا وشعوبها بأكثر من هذا، لكن دعنا نعرض كل الفرضيات: كيف نجبر الناس على الإسلام وهم يريدون الكفر؟ ما علمنا أن الإسلام يُكره أحدا على الدين.. لنقف جميعا خلف الحرية التي يتمكن بها الناس من الاختيار، فإن اختاروا الإسلام فخيرا فعلوا وهو المظنون بهم والمأمول منهم، وإن اختاروا الكفر فإن الحرية توفر لنا المناخ الذي نتحرك فيه بالدعوة إلى ما نراه الحق.

من غير المقبول أن ينتقل البعض هكذا فجأة من خانة المنعزل تارك السياسة بل والمنتقد لغيره ممن يخوضونها إلى خانة الديكتاتور الذي يريد أن يفرض على الناس فكره وقناعاته وعلى الدولة شكلها ورسمها وتوجاتها.. ليس موقفا شريفا على الإطلاق.

وهذا الكلام ينطبق أيضا على طوائف من العلمانيين والليبراليين والأقباط الذين ما عرفناهم إلا خداما للسلطة المستبدة، ثم لا همَّ لهم الآن إلا فرض توجهاتهم ورؤاهم، ونشر تحذيراتهم من الآخرين.. ليس موقفا شريفا على الإطلاق.

(4)

درس أخير، وهي في غاية الأهمية، بالأمس واليوم وغدا..

لا أتذكر الآن من القائل بأن "القانون تعبير عن رغبات الأقوياء"، غير أنها مقولة صادقة تماما، في هذا العالم القوة هي الحكم، حقيقة لا ينبغي أن ننساها، لقد كان الجيش حجر زاوية في مسار الثورة، بدون انحياز الجيش (الذي هو القوة) إلى المتظاهرين ما كنا نكتب الآن هذه الكلمات، ربما تأخر نجاح الثورة بعد مقتل الآلاف أو عشرات الآلاف، وربما فشلت الثورة وتم إجهاضها على غرار ما حدث في الجزائر وفي سوريا (حماة)، وعلى غرار ما يواجه الآن البحرين وبشكل ما ليبيا واليمن.. نسأل الله النصر لكل هذه الثورات على طغاتها.

والجيش هو الذي يحكم البلاد الآن، يحكمها بمجرد القوة التي يملكها، ربما نستطيع أن نقول بعبارة واضحة أن الجيش هو الذي قطف ثمار هذه الثورة، وإذا أردنا مزيدا من الصراحة نستطيع أن نقول إن الجيش لو أراد أن يقطف الثمرة كاملة ويدخل بالبلاد إلى حقبة عسكرية فلربما يستطيع أن يفعل.. ذلك أنه –وببساطة- اللاعب القوي على الساحة.

والوضع الآن في حالة مقلقة حقا، لأن "صاحب القوة" هذا يصرف البلاد ويحكمها دون شفافية، ونحن في الحقيقة "مضطرون" إلى حد كبير إلى "إحسان الظن".. وهذا –بصراحة ووضوح- غير صحيح.

لكن دعونا نزيدكم من الصراحة بيتا، إن الجيش ولو نفذ كل تعهداته وجرت انتخابات نزيهة أفرزت حاكما مدنيا، فإننا سنظل على وجل أيضا من التحول إلى الحالة التركية القديمة، حيث لا تستطيع الانتخابات إفراز من لا يرضى عنه الجيش، وإن فَعَلت فإن الجيش يمكنه الانقلاب على النتائج وإعادة الوضع إلى الخانة صفر.

لا أريد إغراق أحد في التشاؤم، فإن ما فعلته الثورة المصرية قادر على زرع بحور الأمل في نفوسنا.. إنما المقصد أن أوضح أن القوة هي الحكم، وأنه لابد من أن تكون القوة في خدمة القانون وفي خدمة الحرية لكي تصل البلاد إلى الأمان المنشود، حينها فقط يستطيع الحاكم أن يكون تعبيرا أصيلا عن الشعب.

ولهذا ينبغي على أصحاب الحق امتلاك وسائل القوة، والقوة الشعبية من بينها لا ريب، وهي –بالمناسبة- قوة لا تتأتى إلا في مناخ من الحرية..

إن أمامنا طريقا طويلا حقا، لا ينبغي أن نغفل عن هذا..

إن الحياة كلها جهاد، قال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، وكما قال الإمام أحمد: لا يجد العبد طعم الراجة إلا عند أول قدم يضعها في الجنة.