السبت، مارس 11، 2006

مات علم مغمور .. كعادة أعلام أمتنا المنكوبة .

لا أقوى على الكتابة منذ أسابيع ..

حتى ماكتبته على الجهاز يجتاحنى كسل مدمر يفقدنى كل طاق لنقله إلى المدونة ، كأنما كانت روحى تعرف أنه فى أيامه الأخيرة .. رغم أنى نفسى منذ عرفته لم أكن أعرف أنه حى ..

هكذا كثير من الأعلام الذين أذابنى حبهم حتى أنسانى نفسى .. كثير منهم لا أعرف أنه كان حيا إلا بعد أن يموت .

العبقرى العلامة محمد جلال كشك ، الباحث العميق المبدع أنور الجندى ، الداعية الوقور والمحاور الممتع د. عبد الودود شلبى ، الباحث الممتع والمفكر الحى المجهول د. محمد يوسف عدس .. وغيرهم ممن أتذكر الآن اسماءهم فلا أقوى على منع انهمار الدموع .. أخيرا أكتشف اليوم وفاة المستشار الجليل سالم البهنساوى .

ان يفاجئنى أحد إذا قال إنى لا اعرفه ، فبلادنا المنكوبة لا تعرف إلا من عقلهم فى أحذيتهم كلاعبى الكرة أو فى مناطق أخرى كالممثلين والراقصات ... ألا ما أتعسها من بلاد !!

ما أتعسها من بلاد تقدس الحقير والكاذب والمخادع والمنحل والحشاش ، وتدفن فى مجاهلها و حواريها لآلئ الفكر وعباقرة الدنيا .

بل إننى ما عرفت إلا اليوم أنه مات .. وبصدفة عجيبة كتلك الصدفة التى تعرفت بها عليه وعلى غيره من هؤلاء العباقرة .. هل تصدقون أن أغلب من أجوع لأشترى كتبهم كلهم .. كلهم عرفتهم بطريق صدفة عجيبة .. أو هو القدر الحكيم الذى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض .

لفت نظرى عنوان الكتاب ( السنة المفترى عليها ) فنظرت إلى المؤلف الذى كنت أجهله فإذا بى أجد اسم : المستشار / سالم البهنساوى .. كان ذلك منذ ست سنات تقريبا ، وكان الله تعالى أفاض على من رزقه فى هذه الأيام فخاطرت بشراء كتاب لمؤلف لا أعرف عنه شيئا .

ثم كان للكتاب أيضا قصة عجيبة .. إذ أننى قرأته فى عيادة طبيب الأسنان حين كانت والدتى تحشو ضرسها .. ولما كان الانتظار طويلا مرهقا فقد كانت العيادة التى أنزل الله فيها الشفاء على والدتى ، وأنزل على فيها كنزا بمعرفة المستشار سالم البهنساوى .

كان قلمه هادئا .. ينم فى سريانه عن علم غزير ، وعن بحث متمكن .. كان يدافع فى الكتاب عن السنة النبوية دفاعا عميقا يميل فيه إلى الأصول لا إلى التأثر الذى يصيب كثيرا من الكتاب فى الشأن الإسلامى فيكتبون هم يحاولون القفز على بعض الحقائق وبعض القواعد .

وكان ينتقد هذا الأسلوب الذى يكثر فيه التعميم فى قضية مثل تحقيق السنة النبوية .. لكنه فى ذات الوقت جم الأدب رقيق الأسلوب يحفظ لمن يخالفه حقه من التقدير .. يذكر له سابقته فى الإسلام وفى الدعوة وفى الابتلاء ..

وكان كتابا ممتعا يجمع بين انسيابية الرواية وعمق الباحث هدوء صاحب الخلق الرفيع .

لكن .. ويا للأسى !!!

عرفت خبر وفاته إذ أبحث عن مقال لفهمى هويدى فى موضوع عمرو خالد على موقع نافذ مصر .. فإذا بالموقع يرسل لى بصاعقة موته .. التى تصبح مضاعفة إذ أكتشف بها أنه كان حيا إلى ما قبل أيام .. ثم تتضاعف لثالث مرة إذ أرى خبر الوفاة وقد مضى عليه ثمانية أيام كاملة .

ذكرتنى وفاته بوفاة عميد الصحافة الإسلامية الكاتب العملاق محمد سليم جبار الذى توفى فى صباح يوم السابع والعشرين من رمضان عام 1424 بعد أن قام ليلة القدر وصلى الفجر .. هكذا مات المستشار سالم البهنساوى .. مات بعد أن صلى الفجر .

لعلها إشارة تكريم للعمالقة الذين لم تعطهم هذه البلاد المنكوبة حقوقهم .. تكريم سيرونه فى الآخرة .. أحسبهم كذلك ولا أزكيهم على الله .


هذا هو المستشار الجليل سالم البهنساوى .

الفارس الذى ترجل .. بقلم د. توفيق الواعى

نبذ عنه


وإنا لله وإنا إليه راجعون




11/3/2006