الخميس، سبتمبر 03، 2015

مقاومة المجتمع الإسلامي للاستبداد (3/3)

ذكرنا أن من أصول منهج الإسلام في بناء المجتمع تقوية الأمة وتمتين ما بينها من الروابط والعلاقات بحيث تتكون القوة الاجتماعية المتكتلة التي تمنع الحاكم من الاستبداد، كما تتكون المناعة الاجتماعية المتضافرة التي تمنع المفسدين من نشر الفساد وسوء الأخلاق.

لقد أنشأ الإسلام رابطة الدين وجعلها فوق كل الروابط، ثم أعطى أهمية قصوى لرابطة الرحم فدعمها وقوَّاها ورسَّخها، وفي هذه السطور نرى رابطة الجوار (ويمكن أن نسميها: رابطة الجغرافيا) وكيف أقام الإسلام روابطها ومَتَّنَها وعضَّدها، وكان في هذا نموذجا فريدا لم تصل إليه أي فلسفة أو منهج وضعي.

إن رابطة الجوار قد تجمع رابطتي الدين والرحم، وذلك إذا اجتمع في المكان الواحد المسلمون وذوي الأرحام، وقد لا تجمع شيئًا مما سبق؛ فيجتمع في المكان الواحد المسلم مع غير المسلم البعيد.

ولهذه الرابطة كانت المساجد؛ فالمسجد هو الذي يجمع أهل الأرض في مكان واحد وفي لحظة واحدة، والمسجد هو صاحب أكبر إنجاز تاريخي في التأليف بين الأغراب والمتباعدين ومزجهم مزجًا استعصى على كل محاولات التاريخ..

كان ذلك في بداية الدولة الإسلامية حيث كان المسلمون أطيافًا شتى؛ مهاجرين وأنصار وهم غرباء على بعضهم في الطباع والعادات وأسلوب الحياة، والمهاجرون أنفسهم هم مجموعات غير متجانسة ممن آمنوا من كافة قبائل العرب، كما أن الأنصار -أيضًا- حديثو عهد بالنزاع الطويل بين الأوس والخزرج، فهو -بهذه الصورة- أبعد ما يكون عن التماسك والانسجام، وما كان هذا بالذي يغيب عن النبي r.

لهذا وقبل أن يدخل النبي r أرض المهجر أمر ببناء المسجد في قباء قبل المدينة، وقبل أن تطأ قدمه r أرض المدينة كان قد حدَّد موضع المسجد، لقد كان المسجد هو المؤسسة الأولى والمركزية في الدولة الإسلامية، لم يكن فقط دار عبادة، بل هو مدرسة تعليم الدين، ووسيلة الإعلام، وهو قصر الرئاسة الذي يستقبل فيه الوفود وتتخذ فيه القرارات، وهو بعد ذلك مأوى من لا مأوى له من المسلمين الفقراء، وقد يكون أحد جوانبه مستشفى لعلاج الجروح، أو سجنًا للأسرى([1])!

وكان الإسلام يدفع المسلمين للالتقاء في هذا المسجد خمس مرات يوميًّا على الأقل، ويرغبهم في كثرة الترداد عليه، وإقامة مجالس الذكر فيه؛ فهي من أسباب رفع الدرجات وغفران السيئات، ومن أسباب نزول الملائكة والرحمة والسكينة، ومن موجبات النور التام في ظلمات يوم القيامة، حتى الخطوة إلى المسجد لها أجر، وبلغ اندفاع المسلمين في هذا حدًّا وصفه ابن مسعود t بقوله: "ما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف"([2]).

وبهذا تم التلاحم بين القيادة (النبي) والأتباع، وبين الأتباع بعضهم بعضًا بأسرع وقت ممكن، لقد عرف الجميع بعضهم بعضًا، واختلطوا ببعضهم، فعرفوا أخبارهم وأحوالهم، وفقراءهم وأغنياءهم، فمن كان لديه فضل مال أو طعام ذهب به إلى الفقراء في المسجد، فَعَمَّ التكافل هذا المجتمع الصغير، وصاروا بعد الاغتراب والانقسام كتلة واحدة.

ولا نكاد نعرف عبر التاريخ وسيلة أسرع في اندماج المجتمعات من التقائهم يوميًّا خمس مرات على الأقل!

وقد كانت المدن الإسلامية في القرون الأولى ليس بها إلا مسجد واحد جامع يصلي فيه الناس جميعا يوم الجمعة معا، ما يؤدي إلى التعارف والاندماج بين أهل المدينة جميعا عبر الالتقاء لمرة واحدة أسبوعيا بحد أدنى، حتى توسعت المدن اتساعا كبيرا جعل من الضرورة تعدد المساجد الجامعة في المدينة الواحدة فكانت الجمعة تُصلى فيها بالتعاقب، ثم زاد توسع المدن وكثر سكانها بحيث صار من العسير التقاؤهم جميعا في مسجد واحد فتعددت المساجد الجامعة التي تقام فيها الجمعة في المدينة الواحدة.

وأما من لم يكن مسلمًا، أو كان مسلمًا عاصيًا ليس من أهل المسجد؛ فقد جعل الإسلام له حق الجار، ويوصي بحسن الجوار والمعاملة والمعاشرة، قال ابن حجر: "واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد"([3]).

ونزل القرآن يقول: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36]، وعن أبي ذر t قال: "إنَّ خليلي r أوصاني: "إِذا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انظر أهل بيت من جيرانك،فَأَصِبْهُمْ منها بمعروف"([4]). وذكر النبي r أن "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره"([5]). وبلغت الوصية حد أن يكون جوع الجار أو خوفه مما يهدد الإيمان؛ يقول النبي r: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه"([6]). ويقول r: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُهُ بوائقَه" (أي: شروره)([7]). ولقد ظن النبي r من كثرة الوصية بالجار أنه سيكون في جملة الوارثين وقال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيُوَرِّثه"([8]).

وبالإجمال فإن "حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة؛ كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه.. إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية، وقد نفى r الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه، وهي مبالغة تُنبئ عن تعظيم حق الجار، وأن إضراره من الكبائر، قال (الشيخ ابن أبي جمرة): ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع: إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له؛ إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدَّم، وغير الصالح كَفُّه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويَعِظُ الكافرَ بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه زَلَلَه عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فبه، وإلا فيهجره قاصدًا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف"([9]).

وقد حثَّ الإسلام على مظاهر الود والتراحم مثل عيادة المريض والحرص على صلاة الجنائز والمواساة في الشدائد، بل في أبسط من هذا كإفشاء السلام وتشميت العاطس، وإن مجتمعًا يتبادل أفراده السلام غادين رائحين لهو مجتمع سائر في طريق التحابب والترابط كما قال النبي r: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"([10]).

بهذه الروابط الثلاث (رابطة الدين، رابطة الرحم، رابطة الجوار) تحفظ المجتمعات نفسها، وتكون مواجهة المنكر فيها أفضل ما تكون، ولقد كانت عقوبة المسلمين للثلاثة الذين تخلَّفوا عن الغزو هي مجرد مقاطعتهم؛ فكانت عقوبة شديدة صورها الله بقوله: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]، وما كان ممكنًا لمثل هذه العقوبة أن تكون مؤثِّرة إلا بما بلغه المجتمع من تماسك متين.

إن المجتمعات المتماسكة هي التي تستطيع الحفاظ على ذاتها وخصوصيتها، ولو تطاول عليها العمر، وهؤلاء اليهود حين قَطَّعَهم الله أسباطًا أممًا كانوا في حاراتهم ومناطقهم يحيون مجتمعهم القديم؛ فحافظوا بذلك على وجودهم من الذوبان، وكانت هذه المجتمعات هي نواة تجددهم وإعادة انبعاثهم في دولة، فحتى "الحديث اليومي بين اليهود في المجتمع لم يكن يتمُّ بلغة البلاد، وإنما برطانة يهودية خاصة تُسَمَّى باليديش، وحين كان يهودي الجيتو يتعلَّم لغة جديدة، فإنه كان يتعلَّم "لشون هاقدوش"؛ أي: اللسان المقدس أو اللغة العبرية؛ لأن مجرَّد النظر إلى أبجدية الأغيار كان يُعَدُّ كفرًا ما بعده كفر، يستحقُّ اليهودي عليه حرق عينيه"([11])، فاستطاعوا بعد آلاف السنين أن يعيدوا بعث لغتهم من جديد في عملية مثيرة للانبهار على الرغم من أي شيء آخر.

والمجتمعات المتماسكة هي الأوسع تأثيرًا في صباغة غيرها بصبغتها، فحتى اليهود أنفسهم حين عاشوا بجانب العرب تأثروا بأخلاقهم على نحو لافت للنظر، فهم وإن كانوا أحرص الناس على حياة فقد تسرب إليهم بعض من طباع شجاعة العرب؛ فهذا حيي بن أخطب يضمن لبني قريظة أنه إن فشلت خطته في ضمهم لحلف المشركين؛ فإنه سيدخل معهم في حصنهم؛ ليقع عليه ما يقع عليهم، وقد كان: فلقد غدروا بعهدهم مع النبي، وتحالفوا مع الأحزاب؛ فلما نصر الله المؤمنين دخل معهم حيي بن أخطب وقُتِل معهم([12]).

وقبل ذلك بأعوام كلَّف النبي r فريقًا من الصحابة بقتل اليهودي كعب بن الأشرف الذي نقض عهده مع المسلمين، وكان يهجو النبي، ويحرض عليه، ويرثى قتلى المشركين، فذهب هذا الفريق -وهو المكون من محمد بن مسلمة وأبو نائلة وآخريْن- إلى كعب بن الأشرف، وبعد تحضير وتدبير نادوا عليه، فخافت زوجته، وحاولت منعه من النزول قائلة: "أسمع صوتًا يقطر منه الدم". فكان من ضمن ما قاله لها: "إن الكريم إذا دُعِي إلى طعنة بليل أجاب". وقد كان في هذا مقتله([13]).

وقد ضرب العرب مثلا للوفاء بيهودي في عصر الجاهلية هو السموأل بن عادياء، وذلك أن امرؤ القيس استودع عنده دروعا، فلما مات امرؤ القيس في رحلته إلى قيصر الروم أقبل ملك من ملوك الشام يريد أن يأخذ ميراث امرئ القيس من السموأل فأبى واعتصم بحصنه، لكن الملك أمسك بابن السمؤال الذي كان خارج الحصن وساومه أن يعطيه دروع امرئ القيس وإلا قتل ابنه، فأبى فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، فصار السموأل مثلا في الوفاء[14]، وطارت في الآفاق وعبر الزمان أبياته التي يقول فيها:

تُعيِّرنا أنَّا قليلٌ عديدنا .. فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضرَّنا أنَّا قليلٌ وجارنا .. عزيزٌ، وجار الأكثرين ذليل

نشر في ساسة بوست



([1]) د. علي الصلابي: السيرة النبوية ص306 وما بعدها.
([2]) مسلم (654).
([3]) ابن حجر: فتح الباري 10/441.
([4]) مسلم (2625).
([5]) أحمد (6566) وقال شعيب الأرناءوط: إسناد قوي على شرط مسلم. والترمذي (1944)، وصححه الألباني.
([6]) أبو يعلى (2699) والبيهقي (20160)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 149).
([7]) البخاري (5670)، ومسلم (46).
([8]) البخاري (5669)، ومسلم (2624).
([9]) ابن حجر: فتح الباري 10/442. والقول لابن أبي جمرة.
([10]) مسلم (54).
([11]) د. عبد الوهاب المسيري: الأيديولوجية الصهيونية 1/ 31، 32.
([12]) ابن كثير: البداية والنهاية 4/118، د. أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ص427، 428.
([13]) البخاري (3811)، ومسلم (1801).
[14] الميداني: مجمع الأمثال 2/374.

الأربعاء، سبتمبر 02، 2015

على هامش قصة زعيم (6) اسطنبول عاصمة المسلمين

أينما سرت في اسطنبول وجدتَ قوما لم تكن تتوقع أن تراهم، مدينة السلاطين العظام هذه كأنما تختصر العالم الإسلامي من جديد، أو كأن روح العثمانيين الأممية تعود إليها مرة أخرى.

في هذه المدينة ترى من قذفت بهم البلاد بأثر الاضطهاد، من سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر والجزائر والمغرب وجزيرة العرب، حشد كبير من قادة العمل الإسلامي وشبابه الذين لم يجدوا ملجأ سوى تركيا!

هنا ترى أنشطة الدعم المادي والإعلامي والإغاثي للمسلمين في بورما وتركستان الشرقية والقوقاز وإفريقيا الوسطى وجمهوريات وسط آسيا، وتلقى أناسا ما كان يمكن لقياهم إلا هنا، يتولون جمع التبرعات أو التعريف بالقضية المنسية للمسلمين في هذه الأنحاء!

حتى الأطياف الإسلامية تبدو الآن وكأنها قد حُشرت وحُشدت في تركيا، فأقصى يمين السلفية الجهادية (داعش) حتى أقصى يسار الصوفية الشعائرية الذاهلة عن العالم موجودة في تركيا، ولتنظيم الدولة أتباع ومؤيدون بين الأتراك أنفسهم، وما بين هذين الحدين سائر الطيف الإسلامي من الإخوان والسلفيين والجهاديين مع دفقات غير منحصرة من الأفراد المفكرين والعلماء والهيئات المستقلة.

وأما الأعراق فكذلك، ففي تركيا العرب والأتراك والأكراد والتركمان والألبان والأفارقة والأمازيغ والقوقاز والشركس والروس والأعراق الآسيوية الممتدة من تركيا في أقصى غرب آسيا حتى الصين في أقصاها الشرقي.

اسطنبول الآن صورة مختصرة من العالم الإسلامي، قضاياه وهمومه وتياراته وأعراقه.. ولا يمر يوم في اسطنبول إلا وفيه فاعلية أو فاعليات لنصرة قضية من قضايا المسلمين، منذ المؤتمرات الكبرى حتى المسيرات والوقفات الصغيرة، وكثير من القنوات الداعمة لهذه القضايا تتخذ مقراتها من الأرض التركية.

لو لا قدر الله وأصاب اسطنبول شيء، فالخسارة الإسلامية العامة ستكون محققة وأكبر مما يتوقع الجميع!!

ما كان لهذه الصورة أن تكون كما هي عليه الآن لولا أن الرجل الذي يقود هذه البلاد يمتلك هذا التفكير الأممي، ومن الملفت للنظر لدى قراءة سيرة صعود أردوغان هو أن الرجل كان منذ قديم يحمل هذه الرؤية العالمية الأممية.

فمنذ وقت مبكر، وحين كان رئيسا لشعبة اسطنبول في حزب الرفاه (الذي قاده نجم الدين أربكان حتى الانقلاب العسكري في فبراير 1997م) لم تكن همومه منصبة على اسطنبول، بل ولا على تركيا وحدها. بل "تتناول اجتماعات مجلس إدارة شعبة اسطنبول برئاسة أردوغان كل الموضوعات تقريبا ذات العلاقة بتركيا، وليس الموضوعات الخاصة بالحزب أو بالشعبة فقط. فلم تكن تلك الاجتماعات عبارة عن تهيئة أو تخطيط توازنات القوى داخل الحزب، بل كانت بمثابة منتديات نقاشية يتم فيها تناول قضايا تركيا ومعالجة مشكلاتها بإخلاص وصدق. فعلى سبيل المثال كانت مشكلة جنوب شرق تركيا ومعالجة مشكلاتها بإخلاص وصدق. فعلى سبيل المثال كانت مشكلة جنوب شرق تركيا أي مشكلة الأكراد، تطرح نفسها دائما على جدول أعمال الاجتماعات ما لم تُعرض الأحداث التي تجري في البلقان على جدول الأعمال. وفي تلك الأيام كانت هذه الاجتماعات تناقش موضوعات مثل حرب الخليج، والقضية الفلسطينية، والجمهوريات التركية المستقلة حديثا عن الاتحاد السوفيتي المنهار، والتطورات السياسية الأخرى كافة بالإضافة إلى قضايا الداخل التركي"[1].

ومناقشة مثل هذه الأمور هو أمر مستغرب من مسؤول حزبي في محافظة من المحافظات التركية، فكيف إن كانت تركيا هي العلمانية الكمالية التي تقيم محاكم التفتيش على أمر الدين؟!

وقد انزعج أردوغان –وهو إذ ذاك رئيس شعبة اسطنبول- من قرار قيادة الحزب بالتحالف مع حزب الجبهة القومية (وهو حزب تركي قومي يمجد العرق التركي وبينه وبين الأكراد عداء مستحكم) في انتخابات 1991م، لما لهذا من تأثير على احترام ومكانة حزب الرفاه في منطقتي شرق وجنوب شرق الأناضول (وهي المنطقة الكردية)[2].

وفي تلك الأثناء (1991م) نظم الحزب ندوة عن الجزائر في اسطنبول، وفيها تحدث أردوغان عن مأساة الانقلاب العسكري في الجزائر على الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فكان مما قال:

"إنني أدرك التطورات التي وقعت في الجزائر باعتبارها عدم احترام للشعب الجزائري وتحقيرا لإرادته. فرغم النظام الانتخابي الجائر يفوز الإسلاميون بالسلطة، ثم وعلى الفور ينقلب عليهم الجيش، فيستولي على السلطة ويمعن في البطش والتنكيل بهم.

إن الغرب يعجز عن نقل تعريفه للديمقراطية إلى ميدان الممارسة. فتعريفات الديمقراطية التي تعج بها دوائر المعارف بدت عاجزة عن الوقوف في ساحة التطبيق. فرغم المفاهيم مثل "حكم الشعب للعشب"، "حكم الأغلبية"، نجد الجزائر لا تحترم النتيجة التي كشفت عنها العملية الديمقراطية، بل وتعجز عن تحملها، وتكون النتيجة أن عشرات الآلاف من الناس قد زُجّ بهم في السجون والمعتقلات الآن. إن العسكر في الجزائر قد صُمَّت آذانهم عن سماع ما يقولوه مسؤولو FIS [الجبهة الإسلامية للإنقاذ]: زجوا بنا في السجون كيفما شئتم، فقد انطلق السهم من قوسه، وسيصل حتما إلى هدفه، وسيحكم الشعب بإرادته.

إن كل نظام يعجز عن الاستقواء بشعبه فليس لأي قوة أخرى أن تحميه أو تشد من أزره، وسيكون الانهيار والزوال حتما مصيره، وعاقبته المنتظرة. وأولئك الانقلابيون تنتظرهم عاقبة السوء مثلهم..."[3].

ويبدو أنه كان ينطق عن الأتراك وتركيا أكثر مما كان ينطق عن الجزائريين، فلم تمض إلا سنوات ووقع الانقلاب العسكري في تركيا على حزب الرفاه (فبراير 1997م)، وساعتها كان أردوغان في منصب رئيس بلدية اسطنبول الكبرى، وكان من آثار هذا الانقلاب اتهامه بالفتنة والتحريض لأبيات شعر ألقاها في محافظة ديار بكر، فقضت المحكمة بحبسه.

ما يهمنا في سياقنا الآن هو أنه وقبل دخوله إلى السجن ألقى كلمة جاء فيها:

"إخواني الأعزاء!

إنني أريد قول بعض الكلمات. اليوم هو 26 مارس لعام 1999م. وبعد غد إن شاء الله عيد الأضحى المبارك. وإنني أتمناه عيدا مباركا لكل أهالي اسطنبول وكل أفراد أمتي والعالم الإسلامي بأسره.

فهذا العيد له خصوصيته، فقد مر إخواننا في كوسوفا بأيام عصيبة في الأوقات الأخيرة، فأنا أتوجه إليهم بكل أمنياتي بأن يعودوا إلى ديارهم في أسرع وقت، وبقضاء عيد مبارك تتخلله السعادة والسلام والحرية. كما أرسل من هنا خالص تقديري ومحبتي لإخواني من شباب الطيارين الذين تحملوا مهمة شاقة ومشرفة حتى ينقذوا إخواننا في كوسوفا من ظلم الصرب، وأتمنى لهم عيدا مباركا. وأتمنى أن يعودوا إلى وطننا بسعادة وسلامة وهم ناجحون في مهمتهم ليشرفونا جميعا"[4].

والآن لسنا في حاجة للتدليل على الاهتمام الأممي لأردوغان بقضايا العالم الإسلامي، لا سيما القضايا المنسية في بورما وتركستان الشرقية والبلقان وإفريقيا.. كما لسنا بحاجة للتدليل على تعلق الملايين من المسلمين به ودعائهم له، خصوصا في تلك المناطق البعيدة: من إندونيسيا شرقا مرورا بشعوب وسط آسيا حتى شعوب البلقان في أوروبا، ومعهم كثير من العرب والمسلمين.

نشر في تركيا بوست



[1] حسين بسلي وعمر أوزباي: قصة زعيم ص88.
[2] حسين بسلي وعمر أوزباي: قصة زعيم ص90.
[3] حسين بسلي وعمر أوزباي: قصة زعيم ص107.
[4] قصة زعيم ص270، 271.

الثلاثاء، سبتمبر 01، 2015

خلايا القرامطة النائمة في الخليج (1)

القرامطة من أخبث الفرق الكفرية التي ظهرت في تاريخ الإسلام، وارتكبت من الجرائم ما لم يرتكبه غيرها، واستنزفت من المجهود الإسلامي طاقة هائلة، ولم تنتهِ إلا بفضل الله تعالى، فقد أهلك الله زعيمهم أبا طاهر القرمطي وهو ما زال في سن الشباب، ولو أنه عاش أكثر من ذلك مع استمرار التدهور في بغداد عاصمة الخلافة لكان استيلاء القرامطة على بغداد من أسهل ما يكون.

هذه السطور القادمة هي مختصر القصة الأليمة..

في (278هـ) بدأ ظهور القرامطة إلى العلن بعد أعوام من العمل السري، ولكي نعرف أصل القرامطة ينبغي أن نعود قليلا إلى الخلف..

رأت فرقة من الشيعة أن الإمامة من بعد جعفر الصادق يجب أن تكون في حفيده محمد بن إسماعيل، ولذلك سُمُّوا "الإسماعيلية"، وقد بدأ الفارسي عبد الله بن ميمون القداح في تكوين جماعة حول محمد بن إسماعيل الصادق، وكانت البداية من الأهواز، وهناك انضم إليهم رجل يدعى حسين الأهوازي، وحاولا أولا أن يبدآ في البصرة إلا أن والي البصرة انتبه لنشاطهما فهربا إلى "سَلَمْيَة" بالقرب من اللاذقية في الشام، وهناك بدأت بذرة تنظيم القرامطة.

وإذ يتسترون في أول الأمر بالتشيع وآل البيت فكان لا بد من المحاولة في الكوفة ذات الهوى العلوي، وهناك استطاع حسين أن يجتذب شخصية خطيرة: رجل يدعى حمدان ويلقب بـ "قرمط"، وأبدى الأخير من الإخلاص والموهبة ما جعله رئيس الدعوة بعد وفاة حسين الأهوازي، واستطاع أن يقفز بالجماعة قفزات على مستوى التخطيط والتنظيم والاستكثار من الأتباع.

تطور الأمر وانتشر، وبدأ انقسام الجماعة السرية إلى جماعات تتضارب مصالحها في الزعامة والقيادة، ثم امتازوا إلى جماعتين كبيرتين: جماعة في الشام، وجماعة في شرق الجزيرة العربية! كلتا الجماعتين أثخنتا في المسلمين وقتلت منهم الآلاف، إلا أن جماعة الشام كانت أسرع في الظهور والعلن والمواجهة مستغلة ضعف الدولة الطولونية هناك، ولكن الخلافة العباسية -في ذلك الوقت- كانت أحسن حالا فاستطاعت بعد جهد وحروب ومعارك القضاء عليها.

وأما حديثنا الآن فسينتقل إلى جماعة شرق الجزيرة العربية، تلك التي وصلت زعامتها إلى رجل خطير يُدعى أبو سعيد الجنابي، وقد كان من الكفاية والكفاءة بحيث ظلت جماعته ساكنة تعد العدة حتى بلغت من الخطوة ما هدَّد عاصمة الخلافة نفسها تهديدا لم يسبق له نظير.

وضع أبو سعيد نظاما حربيا دقيقا لمشروع دولته استطاع بمقتضاه إعداد جيش قوي، ومن ذلك أنه جمع الأطفال في دور خاصة وتتولى تدريبهم وتنشئتهم عسكريا. ولهذا فبرغم أن انكشاف أمر الجماعة وقع عن غير قصد منها ولا تدبير إلا أن هذا لم يقلل من خطرها ولكنه أبعد مركز نفوذها من العراق إلى شرق الجزيرة العربية في منطقة الهفوف الآن. إذ اضطر أبو سعيد الجنابي إلى هناك بعد انكشاف أمره.

ومن منطقة الهفوف في قرية سمَّاها "المؤمنية" أخذ في التوسع والسيطرة، فاستولى على البحرين بسهولة (286هـ) وأشاع فيها القتل لينشر الخوف ويُحكم أمره، ثم هاجم القطيف فأوقع بها مذبحة أخرى (286هـ)، وأشاع أن المحطة الثالثة ستكون البصرة، فجدَّد والي البصرة سورها بأربعة عشر ألف دينار فصار منيعا. لكن باقي المناطق لم تأمن بل استمرت إغارات القرامطة الذين تفاقم أمرهم، وأرسلت الخلافة جيشا هُزِم هزيمة (أواخر شعبان 287هـ)، وأُسِر قائده، وقتل أبو سعيد كل الأسرى أمام عيني قائدهم ثم أطلقه برسالة إلى الخليفة المعتضد ليثبت له قوته. وتقدم القرامطة بعد هذه الهزيمة فاقتربوا من البصرة (288هـ) فاضطرب أمر أهلها وأرادوا الهجرة منها لولا أن منعهم الوالي.

ثم توقف نشاط جبهة القرامطة هذه وسكن وكأنما اختفى وانتهى لبعض سنين. وإن لم يتوقف فساد باقي الجبهات القرمطية الفاعلة والتابعة لزعماء آخرين في سواد الكوفة وفارس واليمن، واهتمت الخلافة على وجه خاص بما هو قريب منها فتتابعت الفرق العسكرية من المعتضد إليهم حتى كاد أن يبيدهم، وأسر بعضا من قادتهم ورؤسائهم. وساعد في ذلك تدهور أحوال تنظيمات القرامطة واختلاف أمر زعمائهم. وكان من نتائج مواجهات الخلافة مع القرامطة في جبهة الشام أن نشطت أجهزة الاستخبارات في سائر الأنحاء، فأثمر هذا هجوما كبيرا مفاجئا قاده أمير البحرين على حصن للقرامطة في الأحساء فأوقع بهم هزيمة كبيرة (290هـ) قتل فيها الرجل الثاني بعد أبي سعيد الجنابي، وسيطر فيها على مدينة القطيف. ويبدو أن هذه الهزيمة هي التي أوقفت عمل هذه الجبهة القرمطية طوال عهد المكتفي.

ثم عاودت جبهة القرامطة في الجزيرة العربية التحرك بعد وفاة الخلفاء الأقوياء: المعتضد بالله والمكتفي بالله، فظهرت مرة أخرى في عهد الخليفة المقتدر بالله، وهو عهد ضعف تحكمت فيه النساء وتنازعت أجنحة القوة مساحات النفوذ في القصر. وكان من فضل الله على الأمة أن استطاع الخليفة المكتفي بالله قبل موته أن يقضي نهائيا على جبهة القرامطة في الشام بعد معارك مريرة. ولو أن هؤلاء بقوا حتى عهد المقتدر فلربما كانوا اجتاحوا بغداد نفسها في غير عناء إذا انتهزوا لحظة ضعف واضطراب .. وما أكثرها في أيام المقتدر.

تحركت طليعة من ثلاثين رجلا من القرامطة في الأحساء فهاجموا البصرة، وهي أقرب مناطق العراق إلى نفوذهم (299 هـ)، لكن أمير البصرة كان منتبها فأرسل فرقة عسكرية طاردتهم وقتلت منهم وأخذ في تحصين البصرة وطلب المدد من بغداد.

كان القرامطة يسيطرون فعليا على هجر والأحساء والقطيف والطائف، وقد فكر الوزير علي بن عيسى حين تولى الأمر (301هـ) أن يبدأ معهم بالوسائل الدبلوماسية، فكتب إليهم على لسان الخليفة رسالة تدعوهم إلى التوبة والطاعة وإطلاق أسرى المسلمين الذين بأيديهم، على أن حامل الرسالة ما كاد يصل إلى البصرة حتى جاء الخبر بمقتل زعيم القرامطة أبو سعيد الجنابي على يد خادمه الذي كره ما عليه من باطل وقتل معه أربعة من كبار زعماء القرامطة.

إلا أن ابنه أبا طاهر، واسمه سليمان، كان شجاعا جريئًا قوي الشخصية فانتزع زعامة القوم من يد أخيه الأكبر سعيد رغم وصية أبيه إليه قبل موته، فما إن وصلته الرسالة من الخلافة حتى استقبلها بالترحاب وأكرم رسل الخلافة وأطلق ما عنده من الأسرى.. في محاولة لتهدئة الأجواء مع الخلافة ريثما يتسنى له ترتيب الوضع الداخلي بعد الوفاة المفاجئة لأبيه، والتي سيتوقف بسببها نشاط القرامطة عشر سنين أخرى.

وفي ليلة من (ربيع الآخر 311هـ) هاجم القرامطة -وكان عددهم ألفا وسبعمائة- البصرة على حين غفلة من الجميع، فاقتحموا السور وقتلوا الحراسة، وكان الهجوم مفاجئا وسريعا حتى إن والي البصرة نفسه سُبُك المفلحي لم يعلم إلا في آخر الليل، فانطلق فيمن استطاع جمعه من الرجال وقاتلهم وهو يظنهم مجموعة من الأعراب لا القرامطة فهُزِم بطبيعة الحال، وبدأ القرامطة في تنفيذ المذبحة في البصرة التي هام أهلها هربا في كل وجه حتى ألقى الكثير منهم بنفسه في الماء طلبا للنجاة فأدركه الغرق، وظل أبو طاهر سليمان الجنابي في البصرة سبعة عشر يوما يقتل ويأسر ويأخذ من الأموال والمتاع والكنوز، بل من النساء والأطفال ما استطاع.

ثم ما هي إلا شهور أخرى حتى نفذ القرامطة هجوما غادرا (المحرم 312هـ) على قافلة الحجاج العراقيين العائدة من مكة، فأوقع بهم مقتلة شنيعة وأسر منهم أكثر من ألفين، وأخذ كل ما لديهم من الأموال مما يقدر بمليون دينار، ثم لم يكفه هذا فترك من لم يأسرهم في الصحراء بلا طعام ولا شراب ولا دواب حتى هلك أكثرهم من الجوع والعطش والحرِّ!! وحين تصدى له أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان المسؤول عن طريق الكوفة لقي هزيمة نكراء قبيحة قتل فيها أغلب الجنود وأُسِر فيها كبار القادة ومنهم أبو الهيجاء نفسه.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبا طاهر هذا كان عمره حينئذ سبعة عشر عاما فقط، وهو ما نستبعده إلا أنه دليل على صغر سنه وعلى قوته وشراسته وجرأته!! وكانت عدة جيشه ثمانمائة فحسب!! وكانت فرصته مضاعفة بما أسفرت عنه نزاعات رجال القصر من تنحية الرجال الأقوياء. وهكذا دائما، تدفع الأمة ثمن شهوات وأهواء رجال الحكم أرواحا ودماء وأعراضا.

أطلق أبو طاهر الأسرى مع رسالة إلى الخليفة يطلب فيها أن يتولى البصرة والأهواز، ولما لم يُجب إلى طلبه استعد لمهاجمة قافلة الحجيج القادمين من طريق الكوفة، وكانت القافلة تحت حماية فرقتين عسكريتين: فرقة متقدمة قوامها ألف بقيادة والي الكوفة، وفرقة من ستة آلاف بقيادة ثلاثة من قواد الخلافة العسكريين، لكن القرمطي هزم الفرقتين هزائم منكرة وانقض على الكوفة واقتحمها وظل فيها ستة أيام يستخلص أموالها ومتاعها وكنوزها ويحمل ما استطاع منها.


وللحديث بقية..