الاثنين، أغسطس 23، 2021

درس طالبان: هل يكون الجمود حلا؟!

 يختلف الباحثون حول التوقيت الدقيق الذي تدخلت فيه أمريكا فمدَّت يد المساعدة للمجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي. 


لكن المؤكد أن هذه المساعدة لم تكن منذ البداية بل كانت بعدما تفاجأ العالم أن الإمبراطورية السوفيتية تتعثر في أفغانستان!! كان هذا مدهشا، ومن هنا فكّرت الأطراف السياسية في أن الدخول على خط هذه الحرب قد يسهم في هزيمة السوفيت.


لولا الصمود المرير والسنوات الطويلة التي صبرها الأفغان وحدهم، ما فكّر أحد في أن يراهن عليهم.


وهذه المساعدة الأمريكية تعرضت للفساد والسمسرة في أروقة الأنظمة المصرية والخليجية والباكستانية، وكانت لها قصة مريرة وحدها..


ومع هذا ترى كثيرا من المسلمين يُرجع السبب في نصر الأفغان وهزيمة الروس إلى الأمريكان وحدهم، كأنما لم يكن ثمة أفغان يحاربون ويصبرون ويلعقون الجراح ويكتمون الألم كالجبال!


وهؤلاء الناس تفاجؤوا أكثر فأكثر من النصر الحالي الذي حققته طالبان، فلئن صح أن لصواريخ ستنجر بعض النصيب في هزيمة السوفيت، فإن العالم الآن ليس فيه منافس لأمريكا وليس فيه مناصر لعدوها!!


لقد كان النصر أفغانيا خالصا.. وربما يصح القول "كان طالبانيا" خالصا، فإن قسما من الفصائل الأفغانية شاركت المحتل في جرائمه، وشكلت الحكومة العميلة التي وضعها فكان لها غطاء وسندا، وكانت له أداة وطليعة في قهر شعبها.


ولا يزال المرء يرى في كتابات هؤلاء وأقوالهم ما يعبر عن حيرتهم ومحنتهم.. لقد بلغت الهزيمة النفسية حدًّا لا يصدق فيها الواحد منهم أن المستضعف قد ينتصر.. كأنما لم يقرأ يوما قوله تعالى "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين".


كان بعض المشايخ والأصحاب في مصر، من الأزهريين يقولون: "سر قوة الأزهر في جموده".. ويستخدمون هذا اللفظ "الجمود" عامدين، يقصدون بذلك أن الضعف والهزيمة يبدأ من التشكك في التراث وفقدان الثقة فيه، وقلما جاء متشكك بنصر!


وفي كلامهم هذا وجاهة، ولولا أن المقام هنا ليس مقام تفصيل فيه، لرأيتني أجادل عن هذا الرأي حتى كأنني أتبناه.. ولكن المقصود هنا أن نموذج طالبان يمثل دليلا لصحة هذه المقولة.


طالبان -التي يحاول الجميع التأكيد على أنها تغيرت- يظهر لنا تباعا أن قياداتها لهم مؤلفات دينية في الفقه والأصول، يبدو من عناوين هذه الكتب وطبيعتها أنها من تلك التي تُوصَف بأنها "جامدة"..


أي أن القوم لا زالوا يشربون من المعين القديم! المعين الذي لم تكدره الحداثة! الحداثة التي دخلت على أفكار الإسلاميين العرب فأصابت منهم شطرا عظيما، حتى صار بعضهم الآن يعبد الدولة من دون الله! ويجاهد في سبيل الديمقراطية لا في سبيل الشريعة!


وبعض المقاطع المرئية التي خرجت عن بعض عناصر طالبان وقياداتهم الوسيطة تكشف عن هذا.. سُئل أحدهم هل ستسمحون بانتخابات سياسية تترشح فيها المرأة لرئاسة الجمهورية.. فلم يملك نفسه من الضحك وأوقف التسجيل!!


موقف يخبرك عن أن الرجل يحتفظ بالعزة الأولى والأفكار الأولى، حتى إن السؤال الحداثي يثير ضحكه!!


هذا السؤال الحداثي في عالمنا العربي أنتج الإسلاميون فيه تلالا من الكتب والأبحاث والدراسات، وسالت فيها بحار ومحيطات من التصريحات والحوارات، ووقف فيه الإسلاميون في قفص المحاكمة الفكرية ولطالما هتفوا أنهم يوافقون على هذا باعتباره من حقوق المرأة، بل باعتباره من دلائل انفتاحهم.


لست هنا بوارد المناقشة الفكرية للرأي الفقهي.. إنما أتحدث عن فارق النفسية التي يصدر عنها الطرفان!!


يخبرني أحد الأصدقاء أن متحدثا آخر لطالبان سُئل: ما رأيكم في الديمقراطية؟ فقال ببساطة: ما معنى الديمقراطية؟ فقالت له المذيعة: معناه أن يحكم الشعب نفسه بنفسه. فقال بنفس البساطة: نحن أصلا نريد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه!!


يبدو المشهد عبثيا، وكأنه حوار طرشان.. لا يفهم المسؤول حقيقة سؤال السائل.. وهذا عين ما أعنيه من أن القوم لم يتلطخوا بالحداثة بعد.. ولو صحَّ أن الرجل يفهم حقيقة السؤال واختار أن يجيب بهذه الإجابات فهو عندي أعزّ منه إن كان لم يفهم، فهو إذ ذاك يركل الأسس الحداثية للفسلفة السياسية دون أن تطرف له عين!!


بينما مثل هذا السؤال قد أجيب عنه بما لا يُحصى في عالمنا العربي.. ومع ذلك لم يغفر النظام الدولي لأحد ممن أثبتوا انفتاحهم على أفكاره بل وأثبتوا قدرتهم على تطويع الإسلام لها!


إن الانقلاب على الغنوشي في نفس الوقت الذي تنتصر فيه طالبان هو حكمة ربانية عظيمة غامرة.. إن المقارنة تفرض نفسها فرضا على كل متابع في هذه اللحظة!


ما أحسب العالم الإسلامي يمكن أن يخرج رجلا أكثر تنازلا من الغنوشي.. أصلا نحن إذا سألنا ماذا كان بوسع الغنوشي أن يفعل أكثر مما فعل ليرضوا عنه، لما عرفنا الجواب.


تثبت طالبان أن ممارسة التفاوض والسياسة والحرب لا تستلزم أبدا تقديم تنازلات فكرية أو شرعية.. ربما يمكن تقديم تنازلات سياسية لتحقيق مصلحة أعلى أو درء مفسدة أشد.. وهذا التنازل نفسه إنما يوزن بحقائق الأمور وموازين القوى.. هذه الحقائق وتلك الموازين يكون حسابها وتقديرها عند المعتز بنفسه مختلفا تماما عن حسابها عند المنهزم نفسيا!


يقول أحدهم -نسيت اسمه الآن- إن طالبان انتصرت لأنه ليس لديهم تلفاز، فلم يتكون عندهم الرعب من أبطال الأفلام الأمريكية.


فلئن كان هذا صحيحا.. فلكم نحن بحاجة إلى بذل مجهود ضخم ضخم ضخم في تنقية ما تشربته نفوسنا من الصور والأفكار والمشاعر التي ضخَّمت في نفوسنا هذا العالم الغربي وقائدته أمريكا.


ترى من أين نبدأ؟!


فكروا معنا في هذا السؤال عبر التعليقات.

هناك 5 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. من فضلك لماذا أغلقت صفحتكم علي الفيس ؟

    ردحذف
  3. نبدأ بتعريف الناس بربهم

    ردحذف
  4. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

    ردحذف
  5. وأعدوا لهم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم

    ردحذف