السبت، مايو 05، 2018

في ضرورة تأمين القيادات والكفاءات المسلمة


قبل سنوات قليلة حذرت السلطات الأردنية الإخوان من إجراء الانتخابات الداخلية، وهددت بأن إجراءها يعني اتخاذ إجراءات ضد الجماعة. وقد حصل تردد وارتباك في الجماعة إزاء هذا التهديد، فحاولوا جس نبض السلطة وهل هي جادة، فأجروا انتخابات في منطقة ما، وكان للسلطة رد فعلها الجاد والقوي، فاضطر الإخوان إلى إلغاء إجراء الانتخابات الداخلية.

تبدو الصورة غريبة لأول وهلة، فالنظام الذي يعادي جماعة ما ينبغي أن يكون حريصا على إجراء هذه الانتخابات لتتغير القيادات التي دخل معها في احتكاك أو نزاع، فلربما جاء من هو ألين منهم أو هو أكثر "انفتاحا" و"اعتدالا"، فإن لم يكن هذا وجاء من هو مثلهم فعلى الأقل سيأتي من ليست له الخبرة الوافرة التي تكونت وترسخت عند القيادات القديمة، وهو ما يجعل التعامل معه أسهل.. هكذا ينبغي أن تفكر السلطة فيما يبدو لأول وهلة. لكن الذي حصل هو العكس!

لقد كانت السلطة أحرص من الجماعة نفسها على بقاء القيادات القديمة في مكانها! فهل يصعب توقع السبب؟! أبدا: السبب أن السلطة خبرت وعرفت تلك القيادات ومخارجها ومداخلها وطرائق التعامل معها والسيطرة عليها كذلك!.. ومن ثَمَّ فالسلطة أحرص على عدم المخاطرة بالتعامل مع الجديد من الجماعة نفسها!!

تلك القيادات الإسلامية التي بقيت في مكانها أدنى من نصف القرن وثلثه وربعه، تسافر وتروح وتغدو بين المؤتمرات والمنتديات واللقاءات، كأنها لا تمثل أي نوع من الخطر ولا المنافسة للأنظمة الحاكمة والنظام الدولي، بل النظام الدولي يفتح لهم عواصمه ليتخذوا فيها مقرات!

وقبل أيام صرَّح قيادي إخواني على صفحته بالفيس بوك بما كان معروفا بين الأوساط الإسلامية المصرية من أن إبراهيم منير –الذي هو في مكانه منذ أربعين عاما- هدد في لقاء مغلق بأنه سيبلغ المخابرات البريطانية في جلسته الشهرية معها عن الإخوان "المؤيدين للعنف"! وذلك لأنه صادق لا يكذب!! وهو التصريح الذي فاجأ الكثيرين بأن له لقاءات دورية مع المخابرات البريطانية.

حسنا.. فما الغرض من كل هذا الكلام الآن؟!

الغرض بسيط وواضح، إن الذي يمثل خطرا حقيقيا لا يُسمح له بالحياة.. هذا هو الدرس الذي ذكَّرنا به اغتيال الشهيد الدكتور المهندس فادي البطش في ماليزيا، لقد كان وهو في الخامسة والثلاثين من عمره يمثل خطرا على إسرائيل لأنه يساهم في تطوير البنية العسكرية لحركة حماس. وهو ما أعاد إلى الذاكرة –المثقلة التي تنسى من كثرة الهموم- اغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري في بيته بتونس لأنه من مهندسي طائرات حماس بدون طيار.. وكلاهما يذكر بطابور طويل من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية والعلمية التي اغتيلت حول العالم.

بينما أولئك الذين تحرص السلطات وأجهزة المخابرات على بقائهم في أماكنهم ومناصبهم هم مصدر الأمان الحقيقي، هم أولئك الذين يقومون بدور لا تستطيع تلك الأجهزة أن تفعله ولو اجتهدت، إنهم يُمسكون بقرون الحركة الإسلامية ومفاصلها، الحركة الإسلامية التي إن ثارت وهاجت فلا يمكن توقع ماذا يمكن أن تفعل!

تتبع المستهدفين بالاغتيال يرسم لنا ملامح السياسة العامة لأولئك الخطرين الذين يُسْتَهدفون..

1. يأتي على أول القائمة القادة الذين يستطيعون تحريك الأتباع نحو الوجهة الصحيحة، فأولئك قد اجتمع لهم علمٌ وعمل، فبالعلم يحددون الوجهة والرؤية والطريق الصحيح، وبالعمل يحركون الأتباع الذين نجحوا في تكوينهم وتنظيمهم، وهنا يمكن أن نضرب أمثلة طويلة من عمر المختار والقسام وحسن البنا وأحمد ياسين وأسامة بن لادن وغيرهم من زعماء وقيادات حركات المقاومة.

2. ويأتي بعدهم العلماء والمخترعون وأصحاب القفزات النوعية في مسارات المقاومة، طالما أن أولئك يعملون بالفعل في سياق المقاومة أو يحملون من الأفكار والتوجهات ما يجعلهم ممتنعين عن الذوبان في الحضارة الغربية وتجنيد مجهوداتهم في صالحها.. مثل هذا لا بد من التخلص منه، فذلك الذي يمثل الأنياب والمخالب التي تضرب بها حركة المقاومة، أولئك الذين يوفرون الأدوات والوسائل التي تتحول بها الأفكار النظرية المحلقة في الخيال والحائمة في الرؤوس إلى أسلحة على الأرض تقاتل في الحروب وتغير موازين القوى وخرائط الصراعات.

أما إن كان صاحب الفكر والعلم بلا جماعة ولا أتباع ولا وسائل فلا بأس بتركه حتى يموت كمدا أو يموت من الصراخ.. كذلك إن كانت الجماعة أو الحركة بلا أنياب ولا مخالب ولا وسائل فلا بأس بتركها تعمل في الإطار الذي يُحدد لها، بل قد توظف في خدمة السياسة الحاكمة وكبح انفلات الأتباع وتخديرهم بالنسخة المخففة من الدين.

وعلى الجانب الآخر طالما أن الأنياب والمخالب تقبل بتوظيفها واستعمالها ضمن المنظومة الحضارية الغربية فهي محل ترحيب، أما حيث استنكفت عن هذا وكانت لها طموحات أخرى، فمصيرها الاغتيال.

القاعدة أن يمتنع اجتماع العلم والعمل معا، العقل والمخلب معا، القدرة على التفكير والقدرة على التنفيذ معا..

ذكر تقرير بريطاني عن الشيخ رشيد رضا أنه "مسلم صعب ، متعصب، لا يتساهل، وتنطلق أفكاره من باعث رئيسي هو التوق لتحويل الإسلام إلى قوة سياسية في أوسع مجال ممكن. إن غطرسته الفكرية في تقديري يمكن أن تعزى بالدرجة الأولى إلى الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى تخشى الإسلام... وعلى الرغم من دماثة خلقه وحسن سلوكه، فلا يسعني وصف موقفه إلا بأنه مشاكس… تسيطر عليه فكرة خيالية هى أن الإسلام كيان دولي مستقل ، وأن المسلمين يستطيعون أن يملوا على بريطانيا سياستها بلهجة تكاد تشبه لهجة الفاتحين، وأنه لا يستطيع أن يحمل نفسه على تقديم أي تنازل أو تبني أي أمل في صداقة فعلية أو ولاء من جانب المسلمين"[1].

عاش رشيد رضا بعد هذا التقرير عشرين عاما، ومات وهو في السبعين من عمره، وترك لنا المنار شاهدة على ما حمله صدره من علم ثرٍّ غزير واسع ومن لهيب وأحزان وحماسة لا تنتهي..

وذكرت برقية للسفارة البريطانية عن الشيخ حسن البنا: "يمكن لجماعة الإخوان أن تنهار إلى الأبد، إذا أزيح حسن البنا عن قيادتها لأي سبب، مع غياب أي خليفة له نفس القدر من الشخصية القيادية والذكاء اللذين يتمتع بهما حسن البنا"[2].

عاش البنا بعد هذا التقرير أياما ثم اغتيل وهو في الثالثة والأربعين من عمره.. لم يكن الفارق بين البنا ورشيد رضا إلا أن البنا له أتباع يملك تحريكهم، اجتمع له التفكير والتنفيذ! بينما كان علم رشيد رضا وحرقته وحماسته بلا مخالب تحيلها إلى واقع يغير موازين الأوضاع.

في حالات أخرى  يكون الحبس الطويل أفضل من الاغتيال، هذا إن أمكن.. فالاغتيال يثمر أسطورة بطولة وشهادة، بينما الحبس الطويل يُغيِّب ذكرى الزعيم وقد يكسره، وإن لم يكسره كسر صورته في النفوس والخيال.. وهذا اغتيال مضاعف، ونجاح أكبر.. لكن الاختيار بين الحبس والاغتيال تحوطه ظروف موضوعية وتفصيلية يقدِّرها صاحب القرار.
لا يزال على جدول المهمومين بأحوال الأمة عمل كثير طويل، من صلب هذا العمل: تأمين القيادات والكفاءات والحفاظ عليها. ولقد كان النبي في الحراسة المسلحة منذ لحظته الأولى في المدينة حتى نزل قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) فصرف الحراسة.



[1] نجدة فتحي صفوت، الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية: نجد والحجاز، ط1 (بيروت: دار الساقي، 1996م)، 1/500، 501. والتقرير كتبه مارك سايكس إلى مدير العمليات العسكرية بوزارة الحرب البريطانية بتاريخ 14 يوليو 1915م.
[2] محسن محمد، من قتل حسن البنا، ط1 (القاهرة: دار الشروق، 1987م)، ص479.