الثلاثاء، أكتوبر 03، 2017

أخطاء أمنية قاتلة!

لعل أكثر الأسئلة التي خطرت ببال أي مسلم هو: لماذا لم ننجح؟! وهو السؤال الذي يبحث عنه كل صاحب تخصص في تخصصه، ومن يطالع قصة وتجارب الحركات الإسلامية سيجد أن واحدا من أهم تلك الإجابات المتكررة في قصة هو: الأخطاء الأمنية!

(1)

بعد نهاية الجهاد الأفغاني وسقوط الاتحاد السوفيتي أعلن الأمريكان أن سياستهم الجديدة هي ملاحقة الإرهاب، تحول الشباب المجاهد في أفغانستان إلى إرهابيين ملاحقين في سائر دول العالم، وأعلنت سياسة إنهاء "الملاذات الآمنة" التي استهدفت تفعيل سائر أجهزة الأمن المحلية للقيام بدورها في تعقب الزعامات الجهادية عبر العالم. وعند إعلان أسامة بن لادن قيام تنظيم "قاعدة الجهاد" تحالفت معه جماعات أخرى كتنظيم الجهاد المصري والجماعة الإسلامية المصرية، فشمل المجهود الأمني العالمي تعقب سائر قيادات هؤلاء بلا هوادة، وألقي القبض على قياداتهم حول العالم من إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية والغربية معا.

استقر بعض قادة الجماعة الإسلامية المصرية في إيران، حيث وفرت لهم الدولة إقامة محترمة وحراسة شخصية ومعاملة لائقة وكان لهم خط مفتوح مع صناع القرار، ومن بين هؤلاء الشيخ رفاعي طه رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، وآخر من بقي حرا من الصف الأول للقيادات. وعلى الرغم من إعلان الجماعة الإسلامية بمصر وقف القتال من جانب واحد وبدء مسار المراجعات والمبادرات، إلا أن هذا لم يُفَعَّل لبقاء رفاعي طه حرا وهو ممن يرفض المراجعات.

تحرك رفاعي طه من إيران إلى السودان في مهمة تنظيمية، بجواز سفر لا يحمل اسمه بطبيعة الحال، وصل من إيران إلى سوريا، أعفى حارسه الشخصي الإيراني من مهمة حراسته (فهو حارس، وفي الوقت نفسه رقيب)، واستعمل جوازا آخر سافر به إلى السودان، ثم عاد به من السودان إلى سوريا، ونزل في مبنى للسكن المفروش المؤقت. كانت لديه مشكلة بسيطة: زمن تأشيرته على الجواز الذي يستعمله في الخروج والدخول إلى إيران انتهى ويحتاج تجديده، فاتصل بأسرته في طهران وأخبرهم بأن يتواصلوا مع الأخ (فلان) ليُنجز المطلوب، فإن أنجزه فليتصل به على رقم الغرفة في المبنى الذي ينزل به.

ما إن وضع سماعة الهاتف حتى انزعج وعاتب نفسه: لا بد أن هاتف بيته في طهران مراقب، وهو هكذا كشف عن مكان إقامته في سوريا بالتحديد. نزل به همٌّ شديد ولم يدر ماذا يفعل؟ فقرر ألا يبيت في مكانه، فذهب إلى صديق له بمخيم فلسطيني ليقضي عنده تلك الليلة ويستشيره فيما يفعل. عرض عليه صديقه أن يبيت عنده ولا يعود إلى السكن وهو سيرسل من عنده شابا يحزم الأمتعة ويعيدها إليه دون أن يتعرض هو للمخاطر. وبعد ليلة جيدة ذهب عنه الروع فيها، عنَّ للشيخ رفاعي أن يذهب بنفسه إلى السكن ليحزم بنفسه أمتعته، فمنها ما لا يحب أن يحزمها غيره، أصر عليه صديقه ليبقى تجنبا للخطر، وأصر هو على الذهاب بعدما زال الخوف عنه.

بعد دخوله الغرفة بدقائق فوجئ بطرقات على الباب، رجلان يقولان أنهما من الشرطة السورية وأن هذا البيت صدر قرار بعدم تأجيره لمخالفات قانونية ارتكبها صاحبه، وحيث أن الضحية ضيف على البلد فإنهما سيصححان غلط المواطن السوري وسيصطحبان الضيف الزائر إلى مكان بديل. لم يقع شك في نفسه أنه قد وقع في المحظور وأنه في حكم المعتقل. ألح من جهته أن الأمر لا يستحق، وألحا من جهتهما أنه لا بد من تصحيحهما الخطأ، تركوه لدقائق يحزم أمتعته ثم ساقوه إلى سيارة أنزلته في جهاز الأمن بالعاصمة دمشق.

عند بداية دخوله على المحقق وجد أن هويته قد انكشفت، خاطبه مباشرة باسمه: رفاعي أحمد طه، وبصفته: رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، وحيث كان قرار القبض أمريكيا فلم تُجْدِ شيئا العلاقة الطيبة بينه وبين إيران. ومن جهاز الأمن إلى رحلة تحقيق وتعذيب لم تستمر طويلا، ثم خمسة عشر يوما في الحبس مع وعد بالإفراج القريب.

بعد مناورات أمنية هدفت إلى إقناعه بأنهم سيُفرجون عنه، خرج من السجن معصوب العينين إلى سفينة مصرية عليها ضباط المخابرات المصرية، موهمين إياه أنه على سفينة أجنبية ستقله إلى دولة أوروبية، وأنه حين يخرج من المياه الإقليمية سيرفعون العصابة عن عينه والقيد عن يديه، ثم جرت تمثيلية أمنية هدف إلى إيهامه أن مجموعة مصرية اعترضت السفينة في البحر واختطفته منها، وأعيد إلى مصر (إبريل 2001م)، وقضى في السجن أحد عشر عاما، حتى خرج في (سبتمبر 2012م) في عهد الرئيس مرسي[1].

خطأ أمني كلف أحد عشر عاما من السجن! فضلا عن الآثار غير المحصورة لوقوع شخصية قيادية في الأسر وغيابها عن الواقع!

(2)

لعل أشهر وأخطر خطأ أمني في تاريخ الحركات الإسلامية هو ما عُرف بقضية السيارة الجيب، وبها سقط النظام الخاص للإخوان المسلمين، وهو الجهاز الذي استطاع الحفاظ على سريته وكفاءته مدة طويلة في ظروف عمل حرجة للغاية.

تلك الضربة الكبيرة التي أسقطت أقوى حركة إسلامية في وقتها كانت نتيجة عدد من الأخطاء الصغيرة التي لا يُنتبه لها.. والقصة بدأت من أن طالبا في كلية الطب قد خصص غرفة من منزلة لتجميع أوراق ووثائق النظام الخاص (أسماء وتدريبات وتقارير ورصد أهداف... إلخ)، ثم اضطرته ظروف الدراسة إلى الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية فأفضى إلى مسؤوله بضرورة أخذ "العهدة":

1. كان الخطأ الأول هو التسويف في نقل العهدة، فقد ظل طالب الطب يُلح على أخذها وينبه لاقتراب الوقت، والمسؤول يسوف ويؤجل حتى لم يعد على سفره إلا يوم واحد. فأصدر المسؤول أمرا لأحمد عادل كمال أن ينقل تلك المحتويات اليوم بأي وسيلة من مكانها إلى مكان آخر آمن.

2. وجد أحمد عادل نفسه فجأة مسؤولا عن عمل خطير بلا أي أدوات، ولا تعليمات واضحة.. وبينما هو في حيرته "صادف" أحد إخوان النظام الخاص وقد اشترى سيارة جيب من مخلفات الجيش الإنجليزي، فعرض عليه نقل المحتويات بها فوافق.. إلا أن موتور السيارة كان ضعيفا ويتوقف أحيانا، كما أن الحمولة المراد نقلها كانت فوق طاقتها.. لكن لم يكن ثمة بديل.

3. لتضارب الترتيبات وفجائيتها تضاربت مواعيد اللقاء بين أحمد عادل كمال مسؤول عملية النقل وبين إبراهيم محمود صاحب المنزل الذي ستُنقل إليه الأوراق والوثائق، كانت المفاجأة التي لم يعرفها مسؤول عملية النقل أن إبراهيم يسكن في شقة مستأجرة بمنزل رجل يريد أن يُخرجه منها ليزوج ابنته فيها.. الزوج المنتظر هو مخبر في البوليس السياسي! فبينما هم يفرعون الحمولة في شقة إبراهيم رآهم المخبر وارتاب في محتويات الحمولة المنقولة، وهرع من فوره للإبلاغ عنها.

4. انتبه الناقلون إلى اختفائه المفاجئ، ومع العداوة القائمة بينه وبين صاحب الشقة كان سهلا أن يتوقعوا منه الشر، فأعادوا بسرعة نقل الأوراق والوثائق إلى السيارة الجيب من جديد ليبتعدوا بها.. إلا أن السيارة ذات الموتور الضعيف والتي كانت الحمولة فوق طاقتها لم تستجب للتشغيل ولم تَدُرْ وظلت راقدة في مكانها وهي تحمل أخطر وثائق لأخطر حركة في مصر كلها!

5. حضر المخبر فاكتشف أنهم يحاولون العودة، فصرخ عليهم وصرخ في الناس، فلم يجد أولئك بديلا إلا الهرب في الموقف الحرج.. فتركوا ما في السيارة وانطلقوا هاربين، إلا أن الناس أمسكت بهم، وأمسك المخبر بالسيارة الجيب ذات الكنز الهائل من الوثائق. ووقع في يد السلطة الملكية المصرية أسرار خطيرة ما كان لها أن تحصل عليها في يوم واحد!

وهكذا انكشف النظام الخاص للإخوان المسلمين، والذي هو أنضج تجربة أمنية عسكرية لحركة إسلامية في مصر حتى وقتنا الحالي فيما نعلم.

هاتان واقعتان فحسب يرصدهما من يقلب كتب التاريخ، لا في كتب الأمنيين ووثائقهم، ففي تلك الكتب مادة غزيرة لا شك، وتلك المواد لا بد لكل كيان ثوري وحركة تغييرية أن تدرسها بعمق وأن توظف خبرتها في تجربتها الخاصة.




[1] سمعت الحكاية من الشيخ رفاعي طه بنفسه، وقد التقيته في اسطنبول، 2015م.