الأربعاء، أبريل 05، 2017

ما الذي ينقص الحركات الإسلامية لتنجح؟

ذكرت في المقال السابق "من الموصل إلى الرباط.. هل انهارت الأحلام الإسلامية" أن خمسة أسباب هي التي تتسبب في فشل المحاولات الإسلامية؛ أولها: أن يُعترف بالخطأ والفشل إذا حصل لأن الاستكبار عن هذا يحرف اتجاه الحركة الإسلامية عن أهدافها وغاياتها ويضيع طاقات أتباعها والأجيال التي تحبها فليس الاعتراف بفشل جولة أو بفشل بعض القادة بأكبر أو أعز من صناعة انحراف في فكر الحركة وغايتها. وثانيها: أن ما تعانيه الأمة من استبداد واحتلال إنما هو حصيلة زمن طويل منذ أكثر من قرنين في بعض البلاد ولا يقل عن قرن في بلاد أخرى، ومن الطبيعي أن يكون رفع هذا الثقل عملية ضخمة تشهد تعثرات وإخفاقات، وقد ظلت أوروبا ثمانية قرون قبل أن تتمكن من انتزاع أرض من يد المسلمين في الأندلس، وواصلت الحرب خمسة قرون أخرى حتى تمكنت من إسقاط الخلافة. وثالثها: أنه لا بد من مزج القوة والسياسة معا، فلا يمكن النجاح بواحدة منها بغير الأخرى، فلقد كان أقوى ملوك التاريخ يستعمل السياسة والرسالة والسفارة والحرب النفسية ويصل إلى غايته بغير حرب وهو قادر عليها، وفي ذات الوقت اضطر النبي –وهو أكمل الناس وأذكاهم وأعقلهم ومعه الحق الخالص من السماء- أن يحمل السيف ويجاهد، فالحق لا يخضع له المبطلون مهما كان مقنعا والمعارك لا تحسم بمجرد الإقناع والتفاوض.

وبقي أمران من الخمسة نناقشهما في هذه السطور:

(4) التقاط فرصة الثورة

لا يوجد نظام عربي سمح لحركة إسلامية بالمشاركة في السلطة أو بدخول انتخابات شبه نزيهة إلا وهو يريد بذلك أن يمتص حالة الغضب ويستبق ثورة وشيكة. المأساة الدائمة أن الحركة الإسلامية تقع دائما في هذا الفخ، وما كان لها أن تقع فيه لولا هذا الانحراف في التصور والرؤية الذي طرأ عليها حين تحولت من حركة ثورية تغييرية إلى حركة إصلاحية دعوية، وهو التغير الذي كان ثمرة عدم الاعتراف بالفشل ومحاسبة القيادت المخطئة في تجارب الخمسينات. فما إن تزول حاجة السلطة إلى الحركة الإسلامية بعد قيامها بدور المخدر إلا وتتكشف الأنياب المستبدة من جديد.

منذ اللحظة التي صرف فيها عبد القادر عودة الجماهير في 1954 وحتى تجربة بن كيران في المغرب تستطيع أن ترى هذه اللحظة متكررة في سوريا والأردن والجزائر واليمن والعراق وتونس ومصر. لقد صرفت الحركة الإسلامية الجماهير قبل الثورة أو عملت كمبرد ومخدر للثورة ثم أعيدت في الغالب إلى السجون والمشانق أو إلى موقع المعارضة المفلسة التي لا تملك شيئا!

هذا التكرار يعبر عن خلل واضح في العقل الجمعي للحركة الإسلامية ككل، وأغلب الظن عندي أن السبب الرئيسي في هذا هو غفلة الحركة الإسلامية عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، على الأخص منها: التاريخ والسياسة والإعلام والقيادة وعلم نفس الجماهير فضلا عن العلوم الأمنية والعسكرية. في اللحظة التي انحرف فيها المسار من الهدف الثوري التغييري إلى التيار الدعوي الإصلاحي كانت الحركة تختار أن تظل مفعولا به في ظل وضع الدولة الحديثة والحرب الباردة والنظام العالمي.

أعتقد أن العلوم الإنسانية لا يستفيد منها إلا من كانت لديه بذور الموهبة أصلا، ومجرد الدراسة الأكاديمية لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد رأينا في زمن الثورة أن أداء الأكاديميين السياسيين من الإسلاميين كان سيئا وغير مناسب للحظة بحال. يشبه الأمر من ليست لديه موهبة التجارة فهو مهما درسها أكاديميا حتى لو حصَّل الدكتوراة فلا يكون رجل أعمال ناجحا بحال! كما أعتقد أن السياسة لا تؤخذ من الكتب الأكاديمية بقدر ما تؤخذ من الممارسة أو من مذكرات الساسة وصناع القرار، هناك يبدو الأمر أوضح وأسهل وأكثر عملية، تماما كالفارق بين دراسة القانون ودراسة ألاعيب المحامين، أو بين دراسة الفقه وهضم الفتاوى فمجرد دراسة الفقه بغير استيعاب عملية صناعة الفتوى وطرق تصرف المجتهدين لا تُخَرِّج فقهيا مفتيا يفهم أحوال الناس ويستطيع أن يستخرج لهم علاج أحوالهم من القرآن والسنة.

الحركة الإسلامية ليست بديلا عن الأمة، والجماعات ليس بديلا عن الشعب، وأي محاولة لمواجهة الواقع بغير حماية الأمة والشعب محكوم عليها بالفشل، فإذا وصلنا إلى هذه القناعة فلا بد من أن تجيد الحركة وسائل مخاطبة الناس وقيادتهم وتثويرهم واستثمار غضبهم وثورتهم (لا تبريدها وتخديرها) وتطوير حركتهم، وليس يمكن هذا بغير فهم شأن السياسة والتاريخ والاجتماع وعلم نفس الجماهير.

وليس هذا كلاما جديدا بل هو قديم في أدبيات الحركة الإسلامية لكنه لم يوضع موضع التنفيذ، فقديما قال حسن البنا "نحتاج تغييرا نقود الأمة إليه ولا ننوب عنها فيه"، وحديثا قال أبو مصعب السوري بعد مراجعة طويلة للتاريخ إن سبب الفشل المعاصر للحركة الإسلامية هو أن الأمة لم تكن جزءا من معادلة المواجهة.

الشعوب ليست تحت الطلب ولا توجد ثورات "ديليفري"، ولا يمكن تثوير الناس إذا خمدوا مهما عضتهم يد الظلم والجوع والخوف، وإنما هي لحظة فارقة تطير إن لم تُدرك، وفك الله أسر شيخنا البصير حازم أبو إسماعيل صاحب شعار "أدركوا اللحظة الفارقة".

(5) الجهاز الأمني للحركة الإسلامية

كتب الدكتور إبراهيم الزعفراني في مذكراته أن الدولة وضعت للإخوان خمس خطوط حمر هي: ألا يكون لها أعضاء في الجيش والشرطة، وألا يمتلك أعضاؤها سلاحا، وألا يستعمل أحدهم أي نوع من العنف ولو اليدوي الخالي من السلاح: فقط الاحتجاج السلمي، وألا يزيد مرشحوها للبرلمان عن الثلث، والخط الخامس: ألا يكون لديهم جهاز جمع معلومات من أي نوع ولا حتى لجمع المعلومات عن الأحزاب السياسية الأخرى أو منظمات المجتمع المدني. ويذكر د. إبراهيم أن الجماعة التزمت بهذا بجدية.

مختصر هذه الشروط أن تكون الجماعة عمياء شلّاء منزوعة القدرة على مستوى الإمكانيات، ومنزوعة الرغبة والنخوة على مستوى التفكير والإرادة.

ما لا يعرفه كثير من الناس أن الجهاز الأمني الصهيوني تأسس قبل إسرائيل بثلاثين سنة، ولولا عمله الهائل طوال هذه الثلاثين ما كان بالإمكان أن تقوم إسرائيل (انظر هنا) إذ قدم هذا الجهاز معلومات لا تقدر بثمن بُنيت عليها خطط مواجهة الفلسطينيين واغتيال قادة المقاومة واحتلال القرى واختراق الانتفاضات المتعددة.

وقد كان النظام الخاص الذي أنشأه البنا (انظر مختصر تاريخه هنا) جهازا أمنيا لا مجرد جهاز عسكري، كما تكشف مذكرات قادته المنشورة: محمود الصباغ وأحمد عادل كمال، وبدأ أحمد ياسين عمله في تأسيس حماس بالشق الأمني الذي يجمع المعلومات ويتتبع العملاء (انظر مختصر تجربته هنا)، وما من ثورة نجحت إلا كان لها قبل أن تنجح أو تأسس في لحظات نجاحها الأولى الجهاز الذي يحميها. والتاريخ طويل وشاهد، (وهذا نداء قديم!)

الجهاز الأمني للحركة كالعين للإنسان، وكنت أتصور أن مهمة العين هي الإبصار حتى اللحظة التي وضعوا الغمامة على رأسي في جهاز أمن الدولة المصري، ساعتها عرفت أن العين ليست بصرا فقط وإنما هي أمان كذلك. ويستطيع المصارع النحيف الضعيف أن يغلب المصارع الضخم القوي إن وُضِعت على عين الأخير غمامة، فكيف إذا كان الضخم المفتول العضلات هو المبصر وكان النحيف الضعيف هو الأعمى؟!


إن العلوم الخطيرة في قيادة الناس والمجتمعات لا تدرس في بلادنا إلا في الكليات الأمنية، بل في النادر من تلك الكليات، وأخبرني عدد من المتخصصين في علم النفس والاجتماع أن ثمة مواضيع يُحظر فيها البحث بأمر من أجهزة الأمن والمخابرات، وهي تلك المواضيع التي تكشف خريطة المجتمع النفسية والاجتماعية والاقتصادية ومراكز القوى فيه. فيعيش المجتمع كله أعمى عن نفسه مكشوفا أمام السلطة، كالطفل الصغير في يد أمه، إلا أن السلطة ليست أما له، فكيف تتوقع من طفل صغير عاجز بيد أمرأة تكن له العداوة فتفرسه وتسومه سوء العذاب؟!