الأربعاء، أبريل 26، 2017

ألا أدلكم على مسلسل.. أحلى من أرطغرل

لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال الذي تلوح وتلح فكرته في رأسي منذ زمن، وذلك أني لا أخوض في نقد شيء أرى أن خيره يغلب شره، إذ ليس من شيء إلا وله عيوب فتلك طبيعة البشر، وطالما يغلب الخير على الشر في شيء فإن التعرض له بالنقد والهجوم هو عادة من عمل المتفلسفة والمُتنخوبة (من النخبة) وهو عادة عمل من يتكسب رزقه من تلقط عيوب الناس. ولست أحب لنفسي ولا لأحد أن يكون بهذه المنزلة.

ثم بدا لي أن جمهور قراء "مدونات الجزيرة" هو في عمومه من الشباب المثقف، وهؤلاء قادرون بسهولة على التمييز بين مراتب النقد ودرجاته، ثم إن هؤلاء من يُعوَّل عليهم في شأن الأمة اليوم وغدا، ومثلهم ينبغي أن يفرق بوضوح بين تاريخ يُقدم في صورة عاطفية شعبية نحرص بشدة أن يسمعها جمهور الناس بينما نتخوف بشدة أن يعتنقها شباب الأمة المكلفون بصناعة نهضتها، وبين تاريخ يقدم في صورته الحقيقة العملية الواقعية الذي يتوجب عليهم أن يستوعبوه بعقولهم قبل عواطفهم.

(1)

بداية فإني لم أشاهد مسلسل أرطغرل إلا بضعة مشاهد، لكني محاط بمن شغف به، وأولهم زوجي الغالية التي تتابعه بنهم، واستطعت من كثرة الحديث مع من شاهده ومن كتب عنه ومن نقاشات أراها على مواقع التواصل أن أكوِّن عنه صورة اختبرتها مع كل واحد منهم على حدة فثبت لي أن تصوري عنه صحيح! لكني أتابع مسلسل "السلطان عبد الحميد الثاني"، والذي هو في نهجه العام لا يختلف عن أرطغرل.

هذا النهج هو حديثنا في هذه السطور..

أعظم ما في المسلسلين هو هذه الصورة البصرية المبهرة المتقنة، وتلك الرسائل السياسية والحضارية والقيمية التي يحفل بها النص المكتوب، ولست أشك أن الذي يكتب هذه النصوص على وعي قوي بأحوال السياسة وقيم الإسلام فضلا عن التاريخ طبعا، فبعض الكلام يستحق أن يكون نصا موضوعا أمام المتحدث الرسمي السياسي للدولة العثمانية. ولا شك أن النص بطبيعته يخدم أهدافا بعينها، ومن ثَمَّ فليس من نص أعظم ولا أجل من نص يستهدف الدفاع عن الإسلام وتاريخه وترسيخ قيمه ومبادئه وتحبيب الناس فيها ونشرها بينهم.

لكن الذي يعيب هذا النهج هو التركيز التام على شخصية البطل وكأنه محور الأحداث وصانعها مع تهميش لكل من عاداه، ونحن لن ندخل الآن في نقاش مدى صدق المسلسل في نقل التاريخ، ولكن نريد أن نقول بوضوح أن الأمور لا تجري هكذا، فمع ما للبطل من أهمية كبرى في سياق الحدث التاريخي إلا أنه لا ينفرد به مهما بلغ من شأن، ولو كان هذا لأحد لكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل البشر قاطبة وأكرمهم على الله، إلا أن الله قال له (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، وقال له (فبِما رحمة من الله لِنْتَ لهم، ولو كنتَ فظَّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك)، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم القائل "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون.. الحديث".

بل إن من سوء القيادة ألا يكون الذين حول القائد قادة، بل وهي علامة انهيار (وأخطر ما يؤرق الحريصين على التجربة التركية الآن هو ما بعد أردوغان)، وبغض النظر تماما عن تقييم شخصية عبد الحميد الثاني تاريخيا إلا أن المسلسل يقدم شخصية تفهم في كل شئ وتقوم بكل شيء وسائر من حوله منفذون منبهرون به.

كذلك يعيب هذه المسلسلات نهج المؤامرة، ويقال فيها ما يقال في تعظيم البطل أيضا، فالمؤامرة حقيقة قائمة وهي من بديهيات الحياة عامة ومن بديهيات السياسة خاصة، لكن الأعداء لم يُؤتوا قدرات خارقة تجعلهم قادرين على تدبير المؤامرات المركبة التي لا فكاك منها بحيث لا تفشل واحدة إلا وتكون الثانية في الانتظار ثم بينما تبدأ الثانية تكون الثالثة قد بدأت تتهيأ لمن يفلت من الثانية. واقع الحياة لا يجري هكذا، ليس ثمة أحد بيده كل خيوط الأحداث، وإنما هي عقول تجتهد وتدبر وتخطط، ثم تنجح الخطط أو تفسد أو تنجح جزئيا.. ولولا أن ثمة ثغرات داخل الصف فإنها لا تنجح، ووجود الثغرات في صفنا طبيعي كما أن الثغرات موجودة في صفهم كذلك، وكان في جيش النبي منافقون كما كان فيه من ضعف وانسحب أو تخابر مع العدو متأولا أو غير ذلك.

ربما يكون التبسيط الذي تؤديه هذه المسلسلات مفيدا لعموم الجماهير، لكنه سيكون خطيرا إذا فهم شباب الأمة وطليعتها حركة التاريخ منه.

(2)

أما المسلسل الذي هو أحلى من أرطغرل ومن عبد الحميد.. فليس واحدا، وإنما هم خمسة..

هي تلك الخماسية التي كتبها المبدع الموهوب العجيب بحق د. وليد سيف، وهو أديب شاعر له حظ من فهم التاريخ يفوق به كثيرا من المؤرخين، تلك هي مسلسلات: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، عمر.

وهي –ما عدا الأخير- إنتاج سوري، وأخرجها حاتم علي، ولا تملك الإبهار البصري الموجود في المسلسلات التركية، لكنها تقدم التاريخ كما ينبغي أن يكون.

وليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن هذه المسلسلات وأوصي بمشاهدتها، بل لعل بعض الأصدقاء قد ملَّ من كثرة حديثي عنها، ولكني هنا أختصر القول فأشير إلى أمور محددة:

1. قدمت هذه المسلسلات التاريخ بأمانة علمية وانضباط ممتاز لم أره من قبل ولا من بعد في أي عمل فني، حيث لم تلجئ ما يسمونه "الضرورة الدرامية" (في زعمهم) مؤلفها إلى تزوير شيء أو اختراع شيء، بل كافة إضافاته لحبك التاريخ في رواية منسجم مع ما نقله المؤرخون مع اجتهادات سائغة مقبولة في ترجيح رواية أو رؤية على غيرها.. وهذا مع فهم عميق لتاريخ تلك الفترة، وهو فهم لا يتوفر إلا لمن عايش التاريخ بدأب، إذ في هذا الباب تفصيلات دقيقة تسقط في كتابات سائر المؤلفين الآخرين، ما يعني أنك ستشاهد صورة حقيقية ليس فقط لأحداث تلك الفترة بل ستتسرب إليك كثير من تفاصيلها عبر الصورة وأساليب النداء والخطاب وطبيعة العلاقات وحياة المجتمع حينذاك.

2. لم تقع المسلسلات في فخ تقديم صورة الخير والشر بالنقاء المعهود في الأعمال الفنية التي يغلب عليها السطحية، بل قدَّمت صورة الشخصية الإنسانية المركبة والعميقة، التي يختلط فيها خير وشر، فحتى الخيانة لها منطقها ومبرراتها عند أهلها، كذلك القسوة لها مبرراتها، كما للرحمة عيوبها ومخاطرها، والخصوم بشر فيهم البطل الباسل المخلص لعقيدته وأمته كما عندنا الجبان الخوار. في الواقع أنت تشاهد حياة حقيقية، وربما يختلف المشاهدون في تقييم المشهد والواقعة التاريخية، وما إن كان هذا هو التصرف الصحيح أم أنه كان خطأ؟ هل كان معذورا في قسوته أم لا؟ هل كان مخطئا في عفوه ورحمته أم لا؟.. وهكذا!

لم تعظم شأن البطل ليغلب على من حوله، كما لم تنفِ عنه ما هو من عيوبه ووجوه تقصيره، بل ربما كاد كل مسلسل أن يكشف شخصية كانت تعبر عليها الرواية التاريخية كشخصية هامشية، وهذا إنجاز في البحث والتدقيق التاريخي قبل أن يكون إنجازا فنيا.

3. ثم صيغ كل هذا الإبداع الروائي والسرد التاريخي في لغة ولا أروع، لغة عربية فخمة فاخرة جذلة، لغة ساحرة بليغة فصيحة، مع قليل من شعر وأدب وطرائف، وتلك متعة سمعية ونفسية، ويمكن أن تكون بداية الطريق نحو فهم اللغة العربية وإتقانها ومطالعة كنوز الأدب العربي والتراث الإسلامي.

انتهت مساحة المقال ولم ينته ما أحب أن أقول.. فمن أراد مزيدا فلينظر هنا وهنا وهنا..


لكن المهم الذي لا بد من التأكيد عليه، أن مشاهدة هذه المسلسلات تورث عقلا وبعد نظر في طبيعة الحياة والتاريخ، وهي مع كونها قطعة فنية أدبية ممتعة ساحرة فإنها قبل كل ذلك وبعده نظر عميق وفهم دقيق وإدراك سديد لأحوال الزمان والواقع.