الأربعاء، يناير 11، 2017

لماذا يكره الأغنياء الفقراء في مصر؟

نحن اليوم في الحلقة الثالثة الأخيرة (راجع: الأولى، الثانية) من خلاصات كتاب "ماذا حدث للمصريين" والذي نحاول من خلاله فهم ما لحق بالشعب المصري من تطورات وتشوهات، وهو الكتاب الرابع ضمن السلسلة المستمرة "مكتبة الثائر المصري" والتي نحاول فيها ترشيد وإنضاج وعي الثورة المصرية.

خلاصات الكتاب:

15. كان من شروط الصحفي أو المذيع قبل ثورة يوليو أن يكون قادرا على الكتابة بلغة عربية صحيحة، أما الآن فصارت لغة الإعلاميين بل والساسة في غاية الركاكة، بل يتظاهر مذيعات اليوم بأنهن لا يجدن التعبير عن أفكارهن بالألفاظ العربية فيستعملن الألفاظ الإنجليزية. ليس السبب انهيار مستوى التعليم وحده، بل محاولة هؤلاء إخفاء بيئاتهم الاجتماعية الصاعدة وهربا من ذلك الماضي، وهو من آثار انبهار جيل يوليو بالغرب.

16. قبل يوليو لم يكن يقتني سيارة خاصة إلا كبير السن الذي لا يستطيع استعمال المواصلات، كانت المواصلات العامة مريحة، ثم صارت السيارة من مظاهر الرقي الاجتماعي فاستكثر منها حتى من لا يحتاج، بما جعل المواصلات خدمة للطبقة الدنيا التي لا يهتم لها المسؤولون فازدادوا إهمالا لهذا القطاع، فازداد الناس هجرا له إلى السيارة الخاصة، حتى نرى الآن شبابا تحت العشرين لديهم سيارة خاصة. وهكذا صارت السيارة دليلا على الصعود الاجتماعي والتفاخر بالثراء.

17. إن الاتصال القبيح بالغرب أنشأ في بلادنا ظواهر قبيحة، كالازدواجية الاجتماعية، فالسيارة الحديثة تجاور عربات الكارو، والفتاة التي ترتدي أحدث الموديلات تحاول عبور بركة المجاري الطافحة، وأحدث وسائل التقنية الإعلامية تبث أسخف البرامج. مهما كرهنا الفقر فإن المجتمع الفقير الخالي من هذه الازدواجية أحسن حالا من هذا الانفصام الأليم.

18. لقد ظل المجتمع المصري يعاني من الانقسام إلى قلة غنية وطبقة فقيرة واسعة منذ ما قبل ثورة يوليو، لكن الفارق بين أغنياء اليوم وأغنياء الأمس فارق كبير، صحيح أنهما ظلا على الانبهار بالغرب والتمسح به، إلا أن غنيُّ الأمس كان ذا أصول أجنبية تركية أو غربية بينما غنيُّ اليوم مصري صعد إلى هذه الطبقة في ظل ظروف الانفتاح والصعود السريع.

لقد كان غني الأمس واسع الثراء لامتلاكه الأرض الزراعية المنتجة بينما غني اليوم أثرى لعمله في المضاربات والسمسرة والنشاط غير الإنتاجي، ولذلك كان غني الأمس ينظر إلى الفلاح بعطف مع الإهمال والتجاهل بينما غني اليوم ينظر إلى الفلاح أو العامل بكراهية حقيقية وخوف مستطير، فهو بالنسبة له الماضي الذي هرب منه ويحاول نسيانه.

كان غني الأمس يعرف أن غناه معتمد على الفلاح، بينما غني اليوم يرى وجود الفلاحين كعدمه فلا قيمة لهم في ثرائه القائم على خدمات الأجانب.

كان غني الأمس يتعامل بالجنيه المصري، بينما غني اليوم يتعامل بالدولار.. فغني الأمس رغم أصوله الأجنبية أشد ولاءا وانتماءا للبلد من غني اليوم ذي الأصول المصرية.

19. كانت السينما واحدة من أسلحة الهجوم الأمريكي الكاسح التي تعرض لها جيلنا، الأفلام المتغربة المليئة بالإغراء، مع ظهور مشروب الكاكولا، مع انتشار السيارات الفارهة، ولم تكن السينمات الفخمة في الخمسينات والستينات تعرض أفلاما عربية أبدا، بل كانت ضمن موجة التغريب (الأمركة) الحديثة. ومع مطلع الستينات كانت الأفلام الغربية تعالج شأن مجتمعاتها التي بدأت في التعافي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتولَّد عندهم مشكلة فئات اجتماعية تعاني متعة الفراغ مع الترف مما جعل الأفلام تنحو إلى مناقشة خلجات النفس وأفكارها وتأملاتها، ومن هنا تولدت ظاهرة "الإباحية" التي تفشت حتى صار من العيب أن يخلو فيلم من الإباحية.

وظاهرة اتجاه الأفلام الغربية إلى مناقشة مشكلات النفس وطرح رؤى فلسفية جعلت المخرج يتوهم أنه فيلسوف له رؤيته وفكره، ثم انتقلت هذه الظاهرة إلى مصر التي ظهر فيها المخرجون المتفلسفون الذين لا يفصحون عن أفكارهم بوضوح، فإذا عجز المشاهد عن فهم الفيلم فإنما هذا لأنه ساذج أو غبي لم يصل إلى مستوى المخرج الفيلسوف.
واستمرت السينما الغربية تعبر عن مجتمعها الذي يذهب نحو الإباحية والتسامح مع النزعات الفردية مهما كان شذوذها والترويج لـ "نسبية الأفكار"، فشهدت السبعينات والثمانينات موجة هائلة من الإباحية حتى صارت الأفلام مجرد أعمال إثارة جنسية، وكنتُ قد بلغت من العمر سنا أكتشف فيه كيف خُدِعْنا ونحن شباب بهذه الأفكار وهذا الخواء والتفاهة بمجرد استعمال الحيل الفنية البسيطة.

20. أهم ما في نظام الاقتصاد المعاصر أنه يُحوِّل جميع الأشياء لتكون سلعة يمكن أن تُباع بالمال، كل شيء يتحول ليُباع ويُشترى، وهكذا تحولت أشياء كثيرة كانت متاحة ومجانية إلى سلعة، فخدمة الاتصال –مثلا- كان يُدفع فيها مبلغ بسيط مقابل الكلام إلى ما لا نهاية فصار لها "عداد" يحسبها بالدقائق لتكون أموالا، وقد أسهم هذا في العديد من التحولات القاسية.

لقد مثَّلت الأشياء المتوفرة بكثرة أو الزهيدة الثمن مشكلة لأصحاب السوق لأنها لا تتحول إلى سلعة، ولكن تفتقت أذهانهم عن حل لها، وهو حل "خلق الحاجة"، فينبغي إقناع المشتري أن المياه (المتوفرة) لا تكفي لسد حاجته من الارتواء ولا بد له من "المياه الغازية" (غير المتوفرة، التي تمثل سلعة) لكي يحقق هذا الشعور. كذلك اخترعوا "الموضة" بحيث يكون لكل سنة جديدة موضة جديدة فيضطر المشتري إلى التخلي عن الملابس القديمة التي صارت "موضة قديمة" وشراء الجديد لأنه "موضة" هذا الموسم. وهكذا تحولت مصر إلى سوق كبير يتسع بالتدريج.

ومن هنا صار كل من استطاع أن يضع يده على شيء يستطيع تحويله إلى سلعة، فالدور الأرضي يتحول إلى "استثمار تجاري"، وأي كمية من رأس المال تجعل صاحبها يفكر في "مشروع" (والمشروع هنا ليس إنتاجيا بل هو عملية بيع وشراء، أي تسويق).

كانت الدولة توفر السلع والخدمات الضرورية بأسعار في متناول الجميع، وكان معدل التضخم منخفضا فلا يخشى الناس من ارتفاع حاد في الأسعار، فلهذا لم يكن الناس في ضغوط تدفعهم إلى السعار في البحث عن المال، فلما انقلب الحال في السبعينات (طفرة نفطية وهجرة تأتي بأموال متدفقة، الدولة تسحب يدها عن حماية محدودي الدخل) ارتفعت حرارة السوق واشتدت الحاجة إلى تحقيق الثراء، فتحول كل شيء إلى سلعة بما في ذلك الممتلكات العامة التي يتمتع بها الجميع بلا مقابل كالشواطئ والحدائق، وبيعت الذمم أيضا، ومن كان لديه منزل عمل على تأجيره لسائح عربي أو أجنبي، ومن كانت لديه سيارة عمل عليها كتاكسي بعد الفراغ من العمل، وعمل المدرس في الدروس خصوصية، وأخذ الموظف الرشوة، وصارت الوظائف تباع وتشترى، وباعت الأندية جزءا من ممتلكاتها للربح بعدما كانت متاحة للترفيه عن أعضائها، وتحول التلفزيون من وسيلة إعلام إلى وسيلة إعلان، وكل فرصة لتحقيق الربح كانت بابا لارتكاب جرائم لم تكن من قبل معروفة أو متوقعة، بل تحولت أمور دينية خالصة إلى سوق هائل كما يحدث في شهر رمضان.


هكذا يحوِّل نظام السوق كل شيء إلى سلعة، بما فيها روح الإنسان نفسه.