الأربعاء، يناير 04، 2017

خطوات تغريب الشعب المصري

بدأنا في المقال الماضي الكتاب الرابع في "مكتبة الثائر المصري"، وهو "ماذا حدث للمصريين عبر نصف قرن (1945 – 1995م) لأستاذ الاقتصاد والكاتب الشهير جلال أمين. وذلك ضمن الهدف  المراد، وهو فهم طبيعة الشعب المصري وما جرى عليه من الأحداث التي أنشأت فيه أوضاعا وطباعا وميولا مختلفة، وذلك لتحسين وتجويد قدرة الثورة على إنتاج الخطاب السياسي الأنسب، وإنتاج الحركة العملية المؤثرة، ثم الرؤية الأنضج لما بعد إسقاط الانقلاب إن شاء الله تعالى.

ونواصل الآن خلاصات الكتاب:

9. كان التغريب قبل 1952 محصورا في الطبقة العليا، أما فيما بعد فقد انساح التغريب في سائر الطبقات، إذ اتسع مستوى الدخول واتسع حجم التعرض للإعلام، وصار التغرب رمزا للرقي الاجتماعي، فاختلطت العادات الريفية بنمط التغريب اختلاطا متضاربا وغريبا، ثم إن التغريب الذي انتشر كان على النمط الأمريكي بينما تراجع التغريب على النمط الأوروبي، والنمط الأمريكي أكثر سطحية وابتذالا فهو يكمن في الملابس والوجبات السريعة ويبتعد عن القيم والعادات والسلوك.

10. أصاب التغريب اللغة كذلك، فصارت الإنجليزية تدخل إلى الحوار بدون مبرر، ودخلت إلى اللغة كلمات تعبر عن الوضع الجديد مثل "فوِّت، مشي أمورك، طنش"، وتغيرت لغة السينما والمسرح، فلقد كان الموضوع المفضل لجمهور السينما هو أن الفقر ليس عيبا وتشتهر قصة صعود فقير إلى الغنى –عبر صدفة أو مناسبة عجيبة- ثم يكتشف ما في الغنى من شقاء، ثم صارت السينما والمسرح تسخر من الطبقات العليا الآخذة في الانهيار وتصفق لمن يستطع التقاط فرص الثراء السريع.

11. أنتجت سياسة الانفتاح الاقتصادي ما يمكن أن نسميه "القابلية للتبعية"، إن الطبقات التي تصعد في السلم الطبقي عبر وسائل ثراء سريعة وغير منتجة يتكون لديها شعور القبول بالارتباط الاقتصادي والتجاري مع الشركات العالمية والسوق الرأسمالي والتعامل مع إسرائيل، ويضعف في ذات الوقت الولاء للوطن والاهتمام بالكرامة الوطنية والقضايا القومية. فإذا وصل هؤلاء إلى موقع السلطة السياسية فقد صار الخطر كبيرا، والمؤكد أن السلطة في السبعينات كان ينطبق عليها هذا الوصف.

12. ذكر تقرير بريطاني صادر في 1955 أن توزيع الطبقات في مصر على هذا النحو (الطبقة العليا 1%، الوسطى 19%، الدُّنيا 80%)، بينما ذكرت إحصائيات 1991 أن التوزيع الطبقي صار مختلفا (الطبقة العليا 2 – 3 %، الوسطى 45%، الدُّنيا أكثر من 50%).. ويبدو واضحا القفزة التي حققتها الطبقة الوسطى لكن الأمر يحمل عددا من التفاصيل.

كان ثراء الطبقة العليا قديما ثراء منتجا لامتلاكهم الأراضي الزراعية، بينما أمكن الآن تحقيق ثراء من نشاطات غير إنتاجية وإنما خدمية كالسمسرة والوساطة والهجرة ونحوها. وكانت الطبقة الوسطى قديما تعني الحصول على شهادة جامعية أو عليا أو قطع أرض زراعية بينما صارت وسائل الثراء الآن لا تستلزم الحصول على هذه الشهادة أو امتلاك أرض زراعية. ولقد كُسِرت الفروق بين الطبقات ولم يعد حلم الوصول إلى الطبقة العليا مستحيلا إذ لم يعد يستلزم الانتماء لعائلة عريقة أو امتلاك أرض زراعية واسعة.

13. أسوأ ما تشترك فيه سنوات ما بعد الثورة هو عجز القيادة السياسية عن إنتاج مشروع حضاري، فمع كل طنين ثورة يوليو حول الاستقلال فإن أصحابها لم يتخلصوا من المفهوم الغربي للنهضة، بل انحصرت النهضة في السياسة والاقتصاد، وحتى في هذه لم تحصل النهضة بل حصل الانتكاس.

قبل 1952 كان لدى المصلحين فهم واسع للنهضة، وكان الموقف من التغريب يشهد اختلافا، فجاء عبد الناصر فحسم التوجه لصالح التغريب، ولم يتصور عبد الناصر أن العرب يمكن أن يقدموا نموذجا حضاريا مختلفا، فسار وراء الغرب ولم يفكر في التميز عنه، ربما أنشأ المدارس لكنه لم يفكر في نوع التعليم ومضمونه، ربما أنشأ مصانع لكن لم يفكر في نوع الصناعات التي تحتاجها البلاد ونوع التكنولوجيا التي نعتمدها، ربما اهتم بتخريج المهندسين لكن لم يفكر في طراز المعمار الذي يتفق مع قيمنا وبيئتنا، حتى الأزهر الذي كان يمكنه إنتاج نوع مختلف من التعليم والمضمون سُحِب إلى التغريب وحُوِّل إلى جامعة تحتوي كليات الطب والهندسة والزراعة فصار نسخة ممسوخة من الجامعات المصرية.

وهكذا سُحِب المجتمع إلى التغريب، وصار الفلاح يحب ارتداء الزي الأوروبي وينفق بعض دخله على ارتياد السينما ويشتري المراوح اليابانية، فارتدَّ الوضع إلى أسوأ من التغريب الذي كان قبل يوليو، ففي ذلك التغريب القديم كانت الأرستقراطية المصرية تتمسك بالتقاليد أكثر؛ فأفراح الباشوات يحييها عبد الوهاب وأم كلثوم بينما المحدثون في التغريب يقيمون أفراحهم في الفنادق الفاخرة على أصوات الأغاني الأجنبية، لم يكن الإقطاعي يستحيي من ارتداء الجلباب في مزرعته بين فلاحيه بينما يعتبرها محدث الثراء من قبيل التخلف، وكان الوزير قديما فصيح الخطاب بالعربية ويستحيي من الركاكة، بينما يتظاهر وزير اليوم بأنه يجيد الإنجليزية أكثر من العربية.

لقد صفق الغربيون لعبد الناصر لأنهم يدركون أنه وإن أعلن عداوة الغرب إلا أنه يعجب به ويقلده، كذلك صفقوا له في ضربته العنيفة للتيار الإسلامي.

فلما جاء السادات انتهى تغريب عبد الناصر الذي يحمل بعض الملامح الإنتاجية لحساب تغريب استهلاكي، وترددت في عصره مقولة: إن تحضر إسرائيل وتخلف العرب دليل على ضرورة تقليد الغرب والتخلي عن فكرة الاستقلال الحضاري للعرب، وهكذا ازداد التغريب حدة وهيمنة، ولما أفرج السادات عن الإسلاميين كان لشدة التغريب في عصره دور في صناعة التطرف.

14. أفضل مؤشر لقياس التقدم الاقتصادي هو قيمة العمل، فإذا كان العامل لا يجد إلا ما يسدّ رمقه فهذا نظام عبودية، ولقد فشلت محاولة التصنيع وزيادة الاستصلاح الزراعي بنكسة 1967 التي كانت نكسة اقتصادية أيضا مع كونها عسكرية، ثم أتاحت إمكانية الهجرة لبلاد النفط في السبعينات تحسن أوضاع الأجور في السبعينات، لكن ومنذ منتصف الثمانينات وبما أصاب بلاد النفط من انكماش اقتصادي فقد انتهى هذا الوضع ولم تعد الهجرة ميسورة للجميع، فعادت ظواهر الأربعينات من جديد كانتشار التسول أو الباعة الجائلين على الأرصفة، وعاد الانقسام بين الطبقات، واليأس من إمكانية التغيير ومن إمكانية العبور من طبقة إلى أخرى.

ولقد كانت الوظيفة الحكومية في الأربعينات ميزة كبرى لأنها تضمن حياة كريمة حتى قيل "إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه"، أما منذ السبعينات فقد انهارت مكانة الموظف الذي لم تعد زياداته توازي بأي حال الارتفاع الصاروخي للأسعار، وكان انهيار مكانة الموظف لحساب ارتفاع أصحاب الأنشطة التجارية غير المنتجة كالسمسرة والعمولات والمضاربة والإتجار بالعملة والمقاولات.

ولقد كانت المرأة في أيام أمي لا تفكر بالعمل فزوجها يكفيها، وفي أيام أختي تعمل وتعين زوجها كنوع من الاستقلالية وعلى سبيل الاختيار والتفضيل، وأما أيام ابنتي فقد صار من يريد الزواج باحثا عن زوجة تعينه على تكاليف الحياة. والاطمئنان الذي كان يشعر به الآباء تجاه المستقبل ذهب وجاء مكانه الشعور بالقلق من المستقبل.


إلى هنا انتهت المساحة المخصصة، ونواصل في المقال القادم إن شاء الله تعالى.