الخميس، يونيو 13، 2013

عن الفاشية الدينية الإسلامية

 
حين يجمع الإنسان بين الجهل والجرأة يحتار المرء كثيرا حين يكتب ردا عليه، ذلك أن كل عبارة تحتاج ردا وحدها، مما يجعل الفقرة الواحدة والدقيقة الواحدة ربما تحتاج كتابا لتفنيد ما فيها.. منها هذا الفيديو.

وبإيجاز شديد نسأل ونجيب:

-       هل كانت مكة مجتمعا تعدديا حقا؟

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، أنها إذا كانت فعلا مجتمعا تعدديا تسامحيا فلماذا عذَّبوا المسلمين واضطهدوهم ومنهم من مات تحت التعذيب؟.. أين التسامح والتعددية؟!

لعل التعددية التي كان يقصدها هو حرية كل قوم في أن يعبدوا الصنم الذي يريدون، فلكل قوم صنم، ولكل بيت صنم، وأحيانا لكل إنسان صنم، ومن فقد صنمه صنع له صنما من الحجارة أو الخشب أو العجوة أو الطين ليعبده.

ولم يكن أهل الجاهلية يبالون بأي إنسان أراد أن يعبد صنما أو يغير صنمه، أو حتى يخرج من عبادة الأصنام إلى عبادة الشمس والقمر والنجوم والكواكب، ولا بأس إذا أراد أن يتنصر أو يتهود أو يعبد النار.. فكل هذه أديان لطيفة مهذبة لا تتدخل في حياتهم، ولا تنكر عليهم قتل النفس ولا ظلم العبيد ولا وأد البنات ولا إشعال الحروب ولا العصبية بالباطل ولا التكبر على الناس ولا أكل أموال اليتامى ولا الزنا ولا الربا.. ولا أي باطل أو ظلم أو منكر.

كان مجتمع الجاهلية مجتمعا "علمانيا" بالتعبير المعاصر، ولذا فهو يسمح بكل الأديان التي لا تتحرك لتصحيح الاقتصاد أو السياسة أو العلاقات الاجتماعية، الأديان التي ترقد في المعابد!

فلما جاءهم الدين الذي يحاول رفع المظالم وإنقاذ المظلومين والمسحوقين والحدَّ من سلطات المتجبرين والمتكبرين، تبخر التسامح والتعدد وجاء عصر العذاب والتنكيل.

وقد حاول صاحبنا هذا إثبات تسامح المجتمع الجاهلي، فلم يجد إلا رواية عند الأزرقي في "أخبار مكة" مفادها أن الكعبة كان فيها صورة للمسيح وأمه، وهذه الرواية ضعيفة[1] وإني أعذره إذ لا يميز بين الروايات فهو علم يحتاج دراسة، لكني لا أعذره في تزوير المعنى.

لقد ساق هذه الرواية وهو يقول بأن الكعبة كانت مركزا للأديان في الجزيرة العربية، ففيها رمز لكل دين، لكن الواقع أن هذه الرواية –الضعيفة- لا تقول بوجود شيء إلا صنما للمسيح وأمه وصنما لإبراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام.. وهذا غير صحيح بيقين، ويكفي أن نقرأ الفقرات التي تليها لنفهم دلالة وجود هذه الأصنام.

فالأمر لم يكن نوعا من التعددية الدينية، وإنما هو نوع من جمع التُحَف والمقتنيات النادرة ووضعها في الكعبة، وقد ظلت هذه العادة حتى بعد الإسلام أحيانا، فالأزرقي نفسه يروي عن ملك التبت الذي أسلم فأرسل صنمه الذي كان يعبده (ووصف الصنم يؤكد أنه بوذي) هدية إلى الكعبة، وهناك نصبه أمير مكة وتلا على الناس قصة إسلام ملك التبت ففرح المسلمون ودعوا له بالثبات على الإسلام.. فلم يكن وضع الصنم البوذي نوعا من "التعددية الدينية"!!

والكعبة لم تحتو مقتنيات ترمز لليهودية –رغم أنهم وُجدوا أكثر بكثير من النصارى في جزيرة العرب- ولا للمجوسية رغم الرحلات السنوية إلى اليمن التي كانت تحت سيطرة الفرس آنذاك، كما كان من مقتنياتها ما لا علاقة له بالأديان.

ولست إدري إن كان قرأ أخبار مكة أم "لطش" هذه الرواية من بحث لمستشرق أو ملحد، فلئن لم يقرأه فهو جاهل جرئ، ولئن قرأه فهو مزوِّر أخفى الحقيقة عن الناس.

 

-       هل آية "لكم دينكم ولي دين" معناها التعايش والمشاركة لا المغالبة؟

وقال "المؤرخ" بأن المسلمين وقتما كانوا ضعفاء نادوا بالتعايش، المشاركة لا المغالبة، وقالوا "لكم دينكم ولي دين" فلما صاروا أقوياء حملوا السيف وفرضوا "أحادية فكرية" على الناس.

ومن الطريف أن الآية التي استدل بها "لكم دينكم ولي دين" هي نفسها دليل كذبه، ذلك أنه لو قرأ السورة التي نزلت فيها لعرف أنها تنقض كل ما يقول، فهذه الآية هي دليل الوضوح والصراحة والقوة حتى في مكة وفي لحظات الاستضعاف، وهي ذاتها دليل ناصع على أن الإسلام لم يخادع أو يناور أو يكتم شيئا.. لقد قيلت هذه الآية على سبيل الافتراق والمفاصلة والوضوح والقطع لا على سبيل طلب التعايش، وواجهت الكفار بأنهم "كفار" وأن عرضهم مرفوض، وقد كان الكفار عرضوا أن يعبدوا إله المسلمين عاما ويعبد المسلمون آلهتهم عاما آخر، فكانت الإجابة:

(قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين)

 

-       لماذا فتح النبي مكة؟

سيادة "المؤرخ" الذي يؤرخ للفاشية الدينية لم يلفت نظره الفاشية الدينية في كل العالم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يلفت نظره الفاشية الدينية الجاهلية التي عذبت أصحاب الدين الجديد ولم تتركهم ينعمون لا بتسامح ولا بتعددية بل اضطرتهم بعد العذاب والحصار إلى الهجرة والفرار بدينهم، ولم تسمح لهم حتى بالهجرة بل كانت تترصد لهم حتى كان الذين يهاجرون يهاجرون سرا، ولما اتفقوا على أسلوب مواجهة في دار الندوة لم يتفقوا إلا على القتل! لا الحبس ولا النفي!! ولما تمت الهجرة أعلنوا جائزة كبرى لمن يتمكن من اغتيال النبي، ثم قرروا نهب بيوت المهاجرين وتوزيع أملاكهم على أنفسهم.. كل هذا لم يره "المؤرخ" نوعا من الفاشية!!

وحين تمكن المسلمون من الهجرة وأقاموا دولتهم أعلن المجتمع "التعددي جدا" الحرب على هذه الدولة الوليدة منذ اليوم الأول، وكانت ذروة الحشد حين جمعوا جيشا من عشرة آلاف مقاتل لاجتياح المدينة وإفناء المسلمين (وقد كان عددهم بأطفالهم ونسائهم نحو خمسة آلاف) وهو المعروف بغزوة الأحزاب، وبعد ذلك بعام رفضوا دخول محمد وأصحابه لأداء العمرة رغم أن العمرة مسموح بها لكل من شاء.. ولا يرى "المؤرخ" أن هذا من الفاشية الدينية، وكل ذلك قبل فتح مكة!!

فإذا فرضنا جدلا أن فتح مكة كانت معركة ظالمة وأنها من معارك الفاشية الدينية، أليس من العدل اعتبارها ردة فعل لسلسلة الفاشية الدينية التي بدأت قبل عشرين سنة؟!!

فكيف إذا كان فتح مكة إنما هو ردٌّ على نقض قريش لعهدها مع المسلمين، وإعانتها لحليفتها بكر في الهجوم على خزاعة حلفاء المسلمين؟ ألا تقضي الأعراف والمواثيق والشرائع بالدفاع عن الحلفاء والدخول في معاركهم وفاء بالتزامات "الدفاع المشترك" بالتعبير المعاصر؟!!

ومن الغريب أن فتح مكة الذي يكاد يجمع المؤرخون، بما فيهم الغربيون، على أنه مثال نادر من التسامح والعفو عن الماضي والرحمة بالمغلوب، يراه صاحبنا "أول الفاشية الدينية"..

لقد كان مشركوا مكة أكثر عقلا وأشرف نفسا، إذ أقبلوا على الإسلام ودخلوا فيه أفواجا، بل دخل فيه بعد ذلك كل قبائل العرب الذين بايعوا النبي في عام الوفود، فصارت الجزيرة العربية مسلمين دون أن تنصب محاكم تفتيش ودون أن ينزل العذاب بمن لم يُسلم ودون أن يُتَعَقَّب أحد ممن لم يصدق –من شدة العداوة- أنه قد يُعفَى عنه فحاول الهرب.

 

-       لماذا قال النبي "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"؟

ينبغي أن نعلم أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل موته بخمسة أيام، وليس بعد فتح مكة كما قال صاحبنا "المؤرخ"!

ولو أنه قرأ في شرح الحديث ولم يعتمد على نفسه لعرف تفسيره على الوجه الصحيح، وخلاصة تفسيره أنه لم يكن إجلاء لغير المسلمين من كل الجزيرة العربية، بل من مكة والمدينة وما حولهما، كعواصم للإسلام، وهو إخراج بمعنى ألا تكون لهم إقامة تكتلات وتجمعات دائمة في هذه المنطقة، بينما يجوز وجودهم كأفراد أو لحاجات مؤقتة.. والمسلمون جميعا يعرفون أن عمر رضي الله عنه قُتِل على يد عبد مجوسي في المدينة!

والدليل على هذا من سيرة الصحابة أنفسهم الذين سمعوا هذه الوصية، فلقد بدأت الفتوح ويهود خيبر وتيماء في أراضيهم، ونصارى نجران في أراضيهم، وكذلك يهود اليمن ومجوس الأحساء، ولم يحاول أبو بكر ولا عمر طردهم، إلا أن يهود خيبر ونصارى نجران نكثوا العهود بينهم وبين الدولة الإسلامية فعاقبهم عمر فيما بعد بالإجلاء.

فجزيرة العرب في الحديث لا تساوي شبه الجزيرة العربية بالحد الجغرافي، بل هي أرض العرب التي لم يسيطر عليها فارس أو الروم فأقل تقدير لها هو مكة والمدينة وما حولها، وأقصى تقدير هو أرض الحجاز.. وهذا أمر بسيط يُعرف بالرجوع إلى شرح الحديث إن لم يُعرف بتاريخ الخلفاء الراشدين الذي ينبغي لـ "المؤرخ" أن يعرفه!!

على أننا إذا أعرضنا عن كل ما سبق، وحاولنا التفكير في قوله صلى الله عليه وسلم "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" فإننا سنتفهم هذا أيضا، فمن طبيعة الدول أن تكون عواصمها ومراكزها الأساسية محصنة ضد العدو صاحب التهديد.. هل نتخيل مثلا أن يفتح تنظيم القاعدة مكتبا في واشنطن؟ أو تكون له مناطق خاصة في الولايات الأمريكية قد يستخدمها للتدرب على السلاح؟!! أو هل كان للجيش الأيرلندي وجودا في لندن؟ أو لثوار الباسك وجودا في مدريد؟!

هل يسمح الفاتيكان بمسجد ووجود إسلامي مستقر على أراضيه؟ هل تسمح روسيا بمثل هذا للشيشان؟! ويا ليت الصين تترك مسلمي تركستان الشرقية يعيشون بالحد الأدنى من الاستقرار في أراضيهم البعيدة عن بكين؟!

الإسلام دين التوحيد، والشرك هو عدوه الأول، والناس قريبة عهد بشرك.. والتحذير من وجود المشركين في قلب عواصم الإسلام أمر يُتفَهَّم ولا ينكر إذا نظرنا إليها بأقل قدر من الإنصاف ومحاولة الفهم، لكن الكره للإسلام يجعل من الأمور الطبيعية جرائم شنيعة!!

 

-       فما الرأي في غير جزيرة العرب؟

على أن صاحبنا إذا لم تعجبه سياسة المسلمين مع غير المسلمين في جزيرة العرب، فما رأيه في سياستهم حين فتحوا الدنيا شرقا وغربا فلم توجد أي حالة إجلاء أو طرد أو إكراه على "فرض فكر أحادي"؟!!

أين ذهبت الفاشية الدينية الإسلامية وقد كان بإمكانها القضاء على مسيحيي المشرق ببساطة؟!

لا بأس بإيراد كلمة المؤرخ والمستشرق الإنجليزي توماس أرنولد في هذه المسألة، وهو الذي تتبع انتشار الإسلام حول العالم، يقول:

"لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها (فرديناند وإيزابيلا) دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها (لويس الرابع عشر) المذهب البروتستانتي مذهبا يعاقب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنجلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة، وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالا تاما عن سائر العالم المسيحي، الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف في جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين، ولهذا فإن مجرد بقاء هذه الكنائس حتى الآن ليحمل في طياته الدليل القوي على ما أقدمت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم"، "لقد كان من السهل على أي حاكم من حكام الإسلام الأقوياء أن يستأصل شأفة رعاياه المسيحيين، أو ينفيهم من بلادهم، كما فعل الإسبان بالعرب، والإنجليز باليهود مدة أربعة قرون تقريبا"[2].

هذه الحقيقة التي لا يستطيع نفيها أي باحث مهما كان عدوا للإسلام والمسلمين، حتى لو كان برنارد لويس، المستشرق اليهودي الصهيوني الحقود[3].

-       وماذا فعل غير المسلمين بالمسلمين حين انتصروا عليهم في أي مكان؟

هل نحن بحاجة للتذكير بم فعله الإسبان بالمسلمين في الأندلس؟ هل قرأ "المؤرخ" شيئا عن الموريسكيين ومعاناة الأربعة قرون؟!

أو الروس بالمسلمين منذ عهد القياصرة حتى عهد البلاشفة بل حتى الآن؟ هل يعرف "المؤرخ" ماذا فعل إيفان الرهيب بالمسلمين في روسيا؟ أو ستالين في جمهوريات وسط آسيا؟ أو يلتسن وبوتين في الشيشان؟

هل نحن بحاجة للتذكير بالمذابح المروعة وحملات الإفناء والتهجير المنظمة التي قادتها الدول المسيحية ضد المسلمين العثمانين في أوقات ضعف وانهيار الخلافة العثمانية، سواء في الشرق: جورجيا وأرمينيا وأذربيجان، أو في الغرب: البلقان واليونان والبوسنة وبلغاريا ورومانيا، أو في الجنوب: الشام والعراق ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والحبشة؟

يا ليت لهم مثل "فاشيتنا" فلقد كانت رحمة للعالمين!!

وإني لأعتذر للقارئ عن الإطالة التي فوجئت بها، فهذا والله هو ما استطعت من الإيجاز، وهكذا تفعل الجرأة إذا اجتمعت بالجهل، تكدِّس في الكلمات البسيطة والدقائق المعدودة ما يضطر الرد الموجز عليه إلى الإطالة.



[1] انظر طرق ضعف الرواية على هذا الرابط
[2] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص228، 464.
[3] برنارد لويس: السياسة والحرب ص228 (ضمن "تراث الإسلام" بإشراف شاخت وبوزوروث).