الاثنين، يونيو 17، 2013

ويسألونك عن 30 يونيو.. فقل: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم





كان يعجبني أسلوب أحمد سمير ومنطقه، ما زال يعجبني أسلوبه دون منطقه!

تلك أيام خلت، وقتَ كنتُ طيبا متسامحا، الآن صرت متطرفا.. أنظر لنفسي وأقول لها: "ناس طيبين قوي يا خال"، وذلك حين تتداعى إلى ذهني الحوارات الودودة مع عمرو عزت وعلاء عبد الفتاح ومالك مصطفى ووائل عباس.. ذلك كان أيام المنتديات والمدونات!

في ذلك الزمان كنت أتابع بشغف وإعجاب: إبراهيم عيسى، عبد الحليم قنديل، بلال فضل، وخالد البلشي.. كانت أياما جميلة! وخادعة!

قد أحكي لك تجربتي فيما بعد، غير أني حريص على أن أخبرك بخلاصتها منذ الآن، فلو أني عشتُ لأوريها كان، ولو أني متُّ فلعل أحدا ممن يعرفها سيحكيها!.. الخلاصة يا صاحبي أن الله الذي خلق الكون والناس أنزل لهم كتابا يهديهم ورسولا يشرحه ويطبقه، افتح هذا الكتاب وانظر في أقوال هذا الرسول وأنت تعرف طبيعة المعركة والصراع في هذه الدنيا.. هو صراع على الدين، صراع بين الحق والباطل، صراع بدأ منذ وعد إبليس بإضلال آدم وسينتهي عند خروج الشمس من مغربها!

لو أنك لم تقتنع بهذا الكلام ورأيته عنصريا دينيا متطرفا، فلا بأس، خض التجربة كلها، صادق أهل اليمين وأهل اليسار، انظر في كتب الأفكار كلها ذات اليمين وذات اليسار، اطلب الحق واستعن بالله، أنا واثق من انتهائك إلى هذه النتيجة، فقط ستخسر سنين كثيرة، وستشعر حينها بطعم الخداع!

كنت أظن أولئك الأصدقاء وتلك النخبة تحارب الظلم والاستبداد ولا تبغي إلا الحرية للشعوب، حتى لو اختارت هذه الشعوب ما يخالفها، وإذا بي يا صديقي أجد الوجوه اختلفت والكلام انعكس والنظريات الجديدة انطلقت، عمرو عزت ينظر منذ مدة لنظرية "الديمقراطية غير الصندوق، وللديمقراطية مبادئ إنسانية عالمية حاكمة لا تخضع لاختيار الشعب"، وعلاء عبد الفتاح ينظر لنظرية "اللي في السلطة لازم عينه تتكسر ويخاف"، ووائل عباس يريدها إلحادية إباحية ولو كره الناس أجمعين... وهكذا!

حلَّ "البلوك" و"المتابعة من بعيد" محل المتابعة بإعجاب و"اللايك" و"الشير" و"الريتويت".. رأيتُ عمرو عزت إذا ضُرب أحد الإسلاميين فرحا فخورا بالمقاومة الشعبية للفاشية الدينية، فإذا دافع المضروب عن نفسه رأيتُه صائحا غاضبا تنديدا واستنكارا لعنف الفاشية الدينية.. لم أتحمل –وأحسبني واسع الصدر- فكانت المقاطعة و"البلوك"..

وهذا أحمد سمير.. الإخواني السابق صار يقول الآن "ستقيمون الخلافة عندما تقرر رشا عزب التوقف عن ضرب شبابكم الذين يحاولون فض الاعتصامات"..

هذه الجملة المكثفة المعاني قد يستغرق الرد عليها مقالا كاملا، أولها سخرية بالخلافة، وأوسطها دعم لاعتداء رشا عزب، وآخرها كذب.. فهو يرى أن الذين اقتحموا مكتب الوزير واحتلوه حتى الآن "مجرد معتصمين سلميين.. يا متوحشين!"

اللحظة الآن لا ينفع فيها تفنيد الوقائع ولا تصحيح الروايات، قد صار لكل طرف روايته لكل ما حدث منذ بدأ الاشتباك حتى الآن، كل طرف يرمي الآخر بالكذب ويثبت روايته بتصريحات ومقاطع فيديو وعناوين صحف، والقوم بين من يرى الإعلام سافلا وبين من يراه ثوريا نزيها!!

عند كل طرف صورته الواضحة، النقية، لدى كل طرف الحقيقة المطلقة النهائية.. وهم يتواعدون للقتال، يوم 30/6!!

والصورة التي عندي واضحة نقية كذلك، ولي على كل كلامهم رد وتفنيد، قد أوافقهم في بعض الأخطاء غير أني لا أراها تستدعي إسقاط النظام، ولو أنها تستدعي فإني أنظر إلى البدائل فلا أرى إلا الفلول أو العسكر (الحقيقة تقول: لقد فشل الثوار في كل موقف ثوري بِنائي حتى لو نجحوا في كل موقف احتجاجي، فآلت الأمور وانتهى الحصاد إلى الأقوى: العسكر والإخوان والفلول).. وحين أنتهي إلى هذه النتيجة يكون الاختيار هو الرضا بأقل السوء وهو حكم الإخوان!

إن الثائر الذي لا يرى عكاشة بجانبه، ولا شفيقا يظلله، ولا الزند يباركه، ولا شرطة العادلي تدعمه.. هو –ثائر- لا يرى!

وليست المأساة فحسب في أنه لا يرى بل في أنه فخور بذلك، يقول: "تسألون عن خطتنا يوم 30 يونيو.. لا توجد خطة.. فأنتم مبدؤكم قوتنا في تنظيمنا.. حسنا.. واجهوا من مبدؤهم قوتنا في عدم تنظيمنا.

نحن لا نهزم فليس لنا أصلا تنظيم يهزم ..نحن لا نخسر فليس لنا كيان يخسر..

خطتنا أن تفشل خطتكم .. ودورنا أن نتظاهر.. يستجيب النظام بعد يوم أو بعد سنة أو لا يستجيب.. من قال لكم إننا نهتم.

سنظل خنجرا فى مؤخرتكم.. فاجلسوا طويلا على كرسي الحكم إن أردتم"

أرأيت إلى الأدب والأسلوب الجميل كيف يُزيِّن العمى؟! كيف يجعل الغاضب من إزهاق الأرواح لسبب يبرر إزهاقها بلا سبب وبلا نتيجة؟!

أرأيت كيف يكون اللا شيء واللا هدف واللا خطة شيئا وهدفا وخطة تُبذل له الأرواح؟!!

يا لهناء الفلول والعسكر والخارج بهذا، ذلك شباب نقي صادق، لكنه يضع نفسه في خدمة من يستفزه ويُسخنه، لا هو يريد الغرق في التفكير والتقدير ولا هو يجيد النظر في المآلات والعواقب!

أما بالنسبة لي فالأمر يشبه الحرب! لا بل حقيقة الأمر أنها حرب!

لئن كان يزعجك لفظ الحرب فلا بأس، دعني أقل لك: الأمر ثورة!

أنا الذي لم آمن يوما من اقتحام بيتي ليلا، وترويع أهلي، لم أنم هانئا إلا في أيام الثورة!

وأنا الذي لم آمن أن أُوخذ من الطريق لأجل لحيتي أو لأن شكلي لم يعجب الضابط الذي كان يحميه قانون الطوارئ! فلم أشعر بأمن إلا منذ أيام الثورة!

وأنا الذي كنت بعد كل مقال أتوقع زيارتي لهم أو زيارتهم لي، فصرت أكتب بدرجة أفضل منذ أيام الثورة!

وصحيحٌ أنه اقْتُحِم بيتي بعد الثورة وسُرق جهازي، لكن ذلك تم سرقة وخلسة حين لم أكن موجودا، ولو أنها لم تكن ثورة لكنت أنا وأهلي وبيتي ملك أيديهم مستباح الجسد والعرض والمال والأهل!

وأنا الذي طالما حلمت بحرية الناس، أن يقولوا ما يريدون ويفعلون ما يريدون، ورأيت يوما كان فيه الضابط يصوِّر انتهاك العرض بالفيديو لينشره بين أصحابه ضاحكا، فالآن أرى أناسا كلما قرصته نملة شتم رئيس الجمهورية، ورأيت أناسا يكتبون شتم الرئيس بأمه على أسوار القصر الرئاسي..

لست أحب ما وصلوا إليه من فجور، ولكن فجورهم هذا أحب إليّ من أيام كان فيها من يُنتهك عرضه يصرخ "أنا آسف يا باشا، أنا آآآآآآآآآآآآسف"، ولم يكن يفكر في خياله أن يشتم حسني مبارك!

وأنا الذي حلمت برئيس يخرج من أواسط الناس، ذاق الفقر والخوف والجوع.. ثم رأيته!

وأنا الذي حلمت برئيس يصلي ويقرأ القرآن ويعرف معاني الدين وتتحرك مشاعره لفلسطين..

إن المكاسب بالنسبة لي عظيمة، أعظم بكثير جدا من تكاليفها، ومن عيوب سوء الإدارة أو البطء في القرارات أو التأخر في التطهير (وقد هاجمت الرئيس والجماعة في كل هذا، وكان كلامي يحتفل به على مواقع العلمانيين والأقباط!).. أو لنقل بعبارة أدق: إن الخسائر التي أتحملها الآن أقل بكثير من خسائر الماضي!

ثم الآن أرى من يتوعدني ويتهددني بالذبح، وبعودة أمن الدولة، بل وبعودة كل النظام القديم!

أرى إعلام النفاق الذي وقف مع مبارك حتى اللحظة الأخيرة وطالبنا بالصبر عليه ولو ستة أشهر أخرى بعدما طالب بحرقنا في الميدان.. أراه يرغي ويزبد ضد مرسي! ويحشد الثورة عليه الآن الآن قبل الغد!!

أرى شرطة مبارك، وقضاء مبارك، ومخابرات مبارك ضد مرسي، تدعمهم بلاد القهر والاستبداد والإسراف: الخليج، ومن ورائهم إسرائيل وأمريكا (والتصريحات –بالفيديو- منشورة على الانترنت لمن أراد)..

أبعد أن أرى كل هذا قد أتوقف أو أتعاطف لأن ثمة ثوريين من الأصدقاء القدامي قرر أن ينزل معهم في معركة ولمطالب يراها تستحق!

أتذكر وقت أن كتب عمرو عزت عن جندي الأمن المركزي الذي سيضربه لحظة المواجهة لكنه قد يتعاطف معه في موقف آخر، كان عمرو حين كتب هذا يبرر لنفسه ضرب أصدقائه من الإخوان في لحظة المواجهة رغم أنه قد يتعاطف معهم إنسانيا في مواقف أخرى..

هو ذات الموقف قطعا، ربما لا أشك في إخلاص فلان وثوريته.. لكن الواقع أنه في معركة إن انتصر فيها فسأُذبح أنا، ربما بيده هو وربما بيد زملاء معسكره من الفلول والعلمانيين.. وهم لم يقصروا في الكشف عن نواياهم!

هي الحرب.. أو هي الثورة.. أو هي ما تشاء!

الخلاصة أني لن أسمح بعودة المجرمين أسيادا ولو كانت قناعاتهم وقفازاتهم أصدقائي القدامى!

إنها صورة أخرى من معركة الحق والباطل:

فمن زاوية أني مسلم أرى أعداء الإسلام جميعهم فيها: الكنيسة والعلمانيون والإلحاديون والإباحيون!

ومن زاوية الثورة أرى أعداء الثورة جميعهم فيها: الكنيسة والشرطة والقضاء والفلول.

ومن زاوية الديمقراطية أرى أعداء الديمقراطية جميعهم فيها: من لم تعجبهم مرة نتيجة انتخابات، ومن لم يخوضوا مرة أي انتخابات، ومن خسروا الانتخابات فأرادوا نسف المسار!

ألم أقل لك: عند كل طرف صورته الواضحة! لذا فهي الحرب!

ولئن كان فيها مخلصون أو مخدوعون، فسيجزيهم الله أعمالهم يوم القيامة، وهو المطلع على القلوب والسرائر!