الجمعة، أبريل 12، 2013

ردّ أذى المجرمين عن صلاح الدين





قال الشاعر:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا عليّ لئامُها

والسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي يحبه المسلمون -لا سيما المجاهدون- كما يحبه كل إنسان عرف معنى الأخلاق الرفيعة، فيما يكرهه الصليبيون إذ طردهم من بيت المقدس بعد تسعين سنة وقد ظنوا أنهم سيخلدون فيه، والشيعة الذين أنهى دولتهم بعد قرنين وقد ظنوها تمتد إلى يوم القيامة، والباطنية الذين كانوا طوال عمرهم سيفا في يد أعداء الدين وبابا إلى الكفر بالله وتحريف آياته..

فلئن رأيت هجوما على صلاح الدين فإنه موصول بأحد هذه الثلاثة: صليبية، شيعية، صوفية باطنية!

ولقد كان هؤلاء الثلاثة من خسة المنزلة بحيث فجروا في الخصومة بما لم يفعله أعداء صلاح الدين في زمنه، ففي ذلك الزمن أسلم كثيرون من الصليبيين لما رأوه من أخلاق صلاح الدين، ومن لم يسلم منهم شهد له بالفضل والسمو والمقام الرفيع، ولقد كان أكثرهم تعصبا من ألف تاريخا يحاول فيه إلصاق صلاح الدين بالمسيحية فيختلق قصة حول أمه المسيحية أو حول اعتناقه المسيحية وهو على فراش الموت، وهي المحاولات التي أثارت سخرية المؤرخين الغربيين أنفسهم! ولكنهم أبصروا فيها مدى ما بلغه سحر صلاح الدين في النفوس.

يقول المثل المصري عن الجاهل المفسد "هبلة ومسكت طبلة"، ولكن مصر هذه الأيام أمسك فيها الطبال لا بطبلة بل بقناة فضائية صاحبها صليبي معروف بعدائه للإسلام وعلاقته بإسرائيل وتهربه من ضرائب بالمليارات.. ومعه في هذا صوفي باطني يردد كلما سئل عن دينه مقالة ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلا  كل صورة .. فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف .. وألواح توراة ومصحف قرآن

وإن حالهما يغني عن محاولة الرد عليهما، فالأمر كما قيل:

كم عالم متفضل قد سَبَّه .. من لا يساوي غرزة في نعله

ولكن اتخذناها فرصة للتذكير بمناقب صلاح الدين، وقد آثرنا أن نسكت لندع الحقيقة تتكلم، فنقلنا مناقب صلاح الدين عن مؤرخين غربيين شهدوا بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء، ليعلم قومنا أن الذين تسلطوا على إعلامنا أشد علينا فجورا وخسة من أعدائنا.

***

"في عهد صلاح الدين الأيوبي في مصر تمتع المسيحيون بالسعادة إلى حد كبير في ظل ذلك الحاكم، الذي عرف بالتسامح الديني، فقد خففت الضرائب التي كانت فرضت عليهم، وزال بعضها جملة، وملئوا الوظائف العامة؛ كوزراء، وكتاب، وصيارفة. وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية قرابة قرن من الزمان، ولم يكن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد والانحطاط، فقد فشت السيمونية بينهم، فبيعت مناصب القسيسين الذين اتصفوا بالجهل والرذيلة، على حين حيل بين الذين طلبوا التعيين وبين هذا المنصب المقدس؛ بعجزهم عن أداء الأموال المطلوبة في احتقار وازدراء، مع أنهم كانوا الجديرين بشغل هذا المنصب" [توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص128، 129]

"يظهر أن أخلاق صلاح الدين الأيوبي وحياته التي انطوت على البطولة، قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيرا سحريا خاصا، حتى إن نفرا من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين" [توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص111]

"لما غزا الصليبيون الأرض المقدسة سنة (1099م)، خلفوا وراءهم في كل مكان الموت والدمار، بيد أنه لما رد صلاح الدين الصليبيين على أعقابهم، لم يلجأ إلى وسائل الانتقام، ولم يخرب المسلمون الأماكن التي فتحوها، كما فعل المقاتلون الدينيون السابقون لهم من الممالك الأخرى، فأينما وضعوا أرجلهم نشأ شيء جديد أسمى وأفضل مما كان قبلا" [رونالد ف بودلي: الرسول ص147]

"لم يشأ السلطان صلاح الدين أن يفعل في الصليبيين مثل ما فعله الصليبيون الأولون من ضروب التوحش، فيبيد النصارى عن بكرة أبيهم؛ فقد اكتفى بفرض جزية طفيفة عليهم مانعا سلب شيء منهم" [جوستاف لوبون: حضارة العرب ص329]

"حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرداد بيت المقدس (583هـ=1187م) -التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبل (492هـ=1099م) بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحة لا تدانيها مذبحة وحشية وقسوة- فإنه لم يسفك دم سكانها من النصارى انتقاما لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته، وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضاربا المثل في التخلق بروح الفروسية العالية، وعلى العكس من المسلمين، لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزام خلقي تجاه كلمة الشرف أو الأسرى" [زيجريد هونكه: الله ليس كذلك ص34]

"فترة الاضطراب هذه سوف تساعد على ظهور قائد مسلم، وهو رجل شديد التدين لن يتمتع بفكر مثل هارون الرشيد والمأمون، ولا الحاكم في القاهرة، أو عبد الرحمن الثالث في قرطبة، إلا أنه سيجسد نوعا من شرف الفروسية الإسلامية سيكون مثار انبهار الأوربيين، بل وسيدفعهم نبله هذا إلى العديد من المواقف المحرجة، فما كان منهم إلا التماس أن السبب وراء أخلاقه الرفيعة والكريمة ما هو إلا لأن لديه دماء أوربية تجري في عروقه، هذا الرجل هو صلاح الدين، ومثل هارون الرشيد، تجد القصص التي تحيط به لها طابع رومانسي وأسطوري، لكن رقيه الأساسي وحكمه الإنساني في الأمور المستفزة هو حقيقي ويقتدى به" [مايكل ه مورجان: تاريخ ضائع ص268]

"لقد أجمعت الآراء على أن صلاح الدين كان أنبل من اشترك في الحروب الصليبية" [ول ديورانت: قصة الحضارة 13/141]

"كان في العادة شفيقا على الضعفاء، رحيما بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي -"الخاطئ" في ظنهم- رجلا يصل في العظمة إلى هذا الحد، وكان يعامل خدمه أرق معاملة، ويستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب، ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا دينارا واحدا؛ وقد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أية فلسفة مسيحية" [ول ديورانت: قصة الحضارة 15/44، 45]

"أثار العدو الأكبر صلاح الدين إعجابا واسع الانتشار بين الغربيين؛ فقد شن الحرب بإنسانية وفروسية، برغم قلة من بادلوه هذه المواقف... ووصل الأمر إلى حد أنه ظهرت في القرن الرابع عشر قصيدة طويلة جرى العرف على تسميتها "صلاح الدين" وأعيدت فيها صياغة حوادث الأساطير القديمة، وذلك لأن فارسا من هذا الطراز الرفيع يجب بالضرورة أن يصبح منتميا إلى الأسرة المسيحية، وهكذا قيل إن أمه هي الكونتيسة بونثيو التي تحطمت سفينتها على الساحل المصري، وأنه هو نفسه اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت" [مكسيم رودنسون: الصورة الغربية والدراسات الغربية والإسلامية، منشور في "تراث الإسلام" بإشراف شاخت وبوزوروث، ص41، 42]

***

ونختم بقول المتنبي الذي قد لا يفهمه الطبال المعاصر:

وكن كيف شِئت وقل ما تشاء .. وأرعد يمينا وأبرق شمالا

نجا بك عرضك منجى الذباب .. حمته مقاذيره أن ينالا