الثلاثاء، سبتمبر 04، 2012

تغيير المنكر.. صناعة مناعة المجتمع

جاء حيي بن أخطب اليهودي إلى بني قريظة في إطار خطته المحكمة للقضاء على النبي (صلى الله عليه وسلم) بتحريض الأحزاب، إلا أن بني قريظة كانوا في موقف حرج: فلئن فشلت الغزوة فسينفرد بهم المسلمون ولن ينجيهم أحد، وهنا وعدهم حيي بن أخطب بأنه لو حدث ذلك فسيدخل معهم في حصنهم لينزل به ما نزل بهم، وقد كان، وقُتِل معهم وهو رابط الجأش!

وقبل هذه الواقعة بأعوام كلَّف النبي (صلى الله عليه وسلم) فريقا من الصحابة بقتل اليهودي كعب بن الأشرف الذي نقض عهده مع المسلمين وكان يهجو النبي ويحرض عليه ويرثى قتلى المشركين، فذهب هذا الفريق –وهو المكون من محمد بن مسلمة وأبو نائلة وآخريْن- إلى كعب بن الأشرف، وبعد تحضير وتدبير نادوا عليه، فخافت زوجته وحاولت منعه من النزول قائلة: "أسمع صوتا يقطر منه الدم" فكان من ضمن ما قاله لها "إن الكريم إذا دُعِي إلى طعنة بليل أجاب"، وقد كان في هذا مقتله.

***

هذان مثالان من يهود عاشوا بين العرب فاكتسبوا منهم صفات العرب التي تخالف طبائعهم الأصلية (أحرص الناس على حياة، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، هذا مع أن اليهود هم أقل الناس تأثرا بالآخرين بما عاقبهم الله من تقطيعهم في الأرض (أسباطا أمما) فكانوا منعزلين، وبما يعتقدون في أنفسهم من علو يجعل منهم شعب الله المختار!

والمراد من هذين المثال تبيين أثر المجتمعات في تشكيل طبائع الأفراد وإن خالفت طبائعهم وصفاتهم الأولى.. ثم هاهو مثال يهودي ثالث فيه أيضا عبرة!

حين قطعهم الله أسباطا أمما جعل اليهود في حاراتهم ومناطقهم يحيون مجتمعهم القديم فحافظوا بذلك على وجودهم من الذوبان، وكانت هذه المجتمعات هي نواة تجددهم وإعادة انبعاثهم في دولة، فحتى "الحديث اليومي بين اليهود في المجتمع لم يكن يتمُّ بلغة البلاد، وإنما برطانة يهودية خاصة تُسَمَّى باليديش، وحين كان يهودي الجيتو يتعلَّم لغة جديدة، فإنه كان يتعلَّم "لشون هاقدوش"؛ أي: اللسان المقدس أو اللغة العبرية، لأن مجرَّد النظر إلى أبجدية الأغيار كان يُعَدُّ كفرًا ما بعده كفر، يستحقُّ اليهودي عليه حرق عينيه"[1].

حاصل هذه الوقائع التاريخية الثلاثة يؤدي بنا إلى قيمة "مناعة المجتمع".. حيث لكل مجتمع منظومة فكرية قيمية حاكمة لسلوكيات أفراده، وبقدر تأصل هذه المنظومة بقدر احتفاظ المجتمعات بقوتها وخصوصيتها، وكلما ضعفت كلما انهار المجتمع وكان عرضة للذوبان في غيره أو ليكون ساحة صراع بين المجتمعات المتماسكة!

***

في النظام الإسلامي يكون الإسلام –عقيدة وشريعة- هو هذه المنظومة الفكرية والقيمية الحاكمة، وجعل الإسلام حماية هذه المنظومة عملا تقوم به الأمة ولا تنفرد به السلطة لضمان أن يدافع المجتمع عن نفسه بأقوى وأفعل وسائل الدفاع.. فالكل جنود لهذه المنظومة! فلئن قامت السلطة بدورها في "حراسة الدين وسياسة الدنيا" فبها ونعمت، ولئن قصرت فلن يكون ضعفها أو انهيارها هو انهيار المجتمع بل على العكس.. يستطيع المجتمع أن يعيد تقويم السلطة لأن "الدين النصيحة... لأئمة المسلمين وعامتهم"، ولأن "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" .. فإن لم تقم الأمة بدورها فهذا هو الانهيار الكبير "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُوُدِّع منهم"!

ومن الإعجاز الإلهي في إخراج الأمة المسلمة أنه جعل أمر "تغيير المنكر" من صميم الإيمان، فالمسلم يسمع قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وفي رواية أخرى "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".. فذلك يجعل المسلم مدفوعا إلى تغيير المنكر دفاعا عن إيمانه! فإن لم يفعل ذلك دفاعا عن إيمانه فهو يفعله دفاعا عن وجوده ومصالحه.. ذلك أنه يسمع من النبي حديث السفينة، حيث لو ترك الصالحون المفسدين ليفعلوا ما أرادوا "هلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"!

ولكي يتعلم المسلمون من التجربة التاريخية لغيرهم قص الله عليهم قصة انهيار بني إسرائيل الذين لعنهم الله لأنهم "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه".. وحذرهم النبي من ذات المصير: "إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل الخطيئة نهاه الناهي منهم تعذيراً حتى إذا كان من الغد وانسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله -عز وجل- ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله -عز وجل- قلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم".

لهذا كانت الأمة خير أمة أخرجت للناس، لأن الحفاظ على قيمها وثوابتها عمل شعبي عام يقوم به كل الناس دفاعا عن إيمانهم وعن وجودهم ومصالحهم، ولهذا تظل الأمة هي الأقوى تماسكا بين الأمم جميعا، وكان ضعف السلطة فيها لا يعني انهيارها الحضاري، بل لقد تفوق علينا الصليبيون والمغول عسكريا ثم وقعوا جميعا أسرى ثقافتنا وحضارتنا في الشام وصقلية والأندلس ووسط آسيا، وربما اختفى الإسلام من الأندلس وصقلية سياسيا وعسكريا ولكن إشعاعه الحضاري ظل طوال قرون يؤثر في تلك الأنحاء.

***

يمكننا أن نرى في ظهور "الدولة المركزية" نقطة نكبة في تاريخ الأمة، فمنذ تلك اللحظة حاولت السلطة السيطرة على حركة الأمة ومنعها من الفعل إلا بإذن من السلطة، وفي مصر على سبيل المثال انزعجت السلطة من بلاغات ضد ترويج الكفر في المؤلفات فأصدرت قانونا يمنع أحدا من رفع قضية في مثل هذه الأمور العامة[2] بل غاية ما يفعله أن يقدم بلاغا للنائب العام الذي تحول إلى كهف لمثل هذه البلاغات يقبرها جميعا، فينتشر الكفر –باسم الحرية- وتُمنع مقاومته –باسم القانون- ليزيد المجتمع انهيارا فتزيد السلطة فيه تحكما واستبدادا!

وهذا التطور الأخير هو حلقة في سلسلة بدأت قديما بتجريد الأمة من أموالها –الأوقاف الخيرية- ومن مجهودها الطوعي –الجمعيات الأهلية والخيرية- بل حتى من وسائل إعلامها الخاصة –المساجد والزوايا- ومن مدارسها المحلية –الكتاتيب والتكايا- فصار كل هذا في يد السلطة تحركه أو تمنعه أو تحتكره!

لهذا كله نزلت النكبات بالأمة تترى منذ مائتي عام، منذ ظهور "الدولة المركزية" حيث صارت الأمة كالأسير عند السلطة، هذه السلطة التي سلمتها للاحتلال الأجنبي العسكري والثقافي، احتلال الأذواق والقيم والأفكار، مما جعل الانهيارات أسرع وأكبر وأوسع من جميع ما تم فيما قبل هذا التاريخ!

***

ولا علاج لكل هذه الانهيارات إلا أن تعود الأمة إلى ساحة الفعل، وأن تكون الأمة أقوى من السلطة، ولا يمكن تحقق هذا إلا بنشر ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبها وحدها يشعر المسلم ضرورة القيام بها دفاعا عن إيمانه وعن وجوده.

لقد انهارت أمم وممالك وحضارات كثيرة بالظلم والطغيان منذ قوم نوح الذين كانوا (أظلم وأطغى) وحتى عصرنا الحاضر، وإلى يوم القيامة، بينما سيظل الروم أكثر الناس بنص حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) "تقوم الساعة والروم أكثر الناس" وهو ما فسره الخبير بهم عمرو بن العاص (رضي الله عنه) فذكر أن لهم خمس خصال جميلة "إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف (الأمر بالمعروف) وأمنعهم من ظُلْم الملوك (النهي عن المنكر)"!

وهذه كلها صفات يقوم بها الناس، العامة، الشعب، الرعية.. لا الملوك والحكام، ولهذا –وبهذا- تخلد الأمم!

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] عبد الوهاب المسيري: الأيديولوجية الصهيونية 1/ 31، 32.

[2] وذلك في أوائل التسعينات في قضية نصر حامد أبو زيد.