الأربعاء، أغسطس 17، 2011

قصة كتاب "بحرية" من تراثنا الجغرافي البحري

ذلك هو كتاب "بحرية" الذي يعد موسوعة جغرافية بحرية فريدة، ومؤلفه هو محيي الدين بيري ريس (أو رئيس)، قائد الأسطول العثماني في عصره، وهو في ذات الوقت علامة البحر والجغرافيا، وهو الذي رسم أقدم خريطة معروفة للأمريكتين.

ولولا أن وصلتنا هذه الأعمال من تراث بيري ريس لما كان لهذا الرجل الكبير ذكر في التاريخ، فإن صفحات التاريخ التي وصلتنا تجاهلت ذكر هذا الرجل إلا من شذرات لا تكاد تشفي أدنى درجات المعرفة. فاستدركت أعماله العلمية ما فات صفحات التاريخ وأكملت قدرًا مهمًّا من صورة الرجل.

ومن أسف فإن بيري ريس لا يزال في حكم المجهول، وكثيرًا ما تخيب ظنونك إذا طالعت التآليف التي يفترض أنها مظان الحديث عنه، فعلى سبيل المثال يختفي بيري ريس من كتاب "الجغرافيا عند المسلمين" لجمال الفندي، ومن كتاب "رواد علم الجغرافيا في الحضارة العربية والإسلامية" للدكتور علي عبد الله الدفاع مع ما هو مشهور عنه من تقصٍ وحماسة لعلوم الحضارة الإسلامية، ومن كتاب "علماء العرب وما أعطوه للحضارة" للدكتور قدري طوقان وهو من رواد الكشف عن الكنوز العلمية في التراث الإسلامي، ومن كتاب "أعلام الجغرافيين العرب ومقتطفات من آثارهم"[1] للدكتور عبد الرحمن حميدة... وهكذا.

وكتاب "بحرية" على وجه الخصوص كان الأثر الأهم في إلقاء الضوء على شخصية بيري ريس، باعتباره الأثر الأهم والأكثر تفصيلا، فهو يمثل المصدر الرئيسي للتعرف على منهجه في البحث والتأليف. ونحن عندما نبصر هذه الحقيقة نتساءل: ترى كم من المؤلفات الضائعة في تراثنا على هذا المستوى من التأثير، حجب ضياعها عنا شخصيات بهذا الحجم. ويا ترى كم تحوي بواطن الأرض وبطون الخزائن القديمة لدى عائلات مصر وتركيا والحجاز والشام والعراق واليمن والمغرب وغيرها من الكنوز التي تستطيع إذا رأت الشمس أن تعيد كتابة التاريخ من جديد؟

***

في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وهو يوافق أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وفي ذات يوم من العام (1203هـ = 1789م)، أي في بداية عهد السلطان سليم الثالث وقعت في يد المستشرق ديتس (Dieiz) مخطوطة أنيقة؛ خرائط بالألوان، ورسومات مسلية، ما يؤكد أنها –لا شك- من مملوكات سلاطين آل عثمان، ولعلها رفعت كهدية إليهم، ثم انتقلت بمرور الزمن إلى الحرملك لتسلية الجنس اللطيف لأن خارطاتها قد تم تصويرها بمهارة فائقة وفي ألوان متعددة. غير أن انتقال هذا الأثر القيّم من يد إلى أخرى لم يكن من شأنه أن يؤدي إلى الحفاظ عليه، فلما انتهت المخطوطة، التي لم تكن إلا كتاب "بحرية" لبيري ريس، إلى يد ديتس لم يكن في صورته الكاملة بل على شكل خارطات منفردة ومنزوعة، فضلاً عن أنه لم يكن معروفًا له لا اسم المؤلف ولا شكل المصنف العام. ورغما من ذلك فإن مقال ديتس الذي حلل فيه المصنف بشكل عام يمثل أهمية لا شك فيها بالنسبة لعصره، ويُلقي الضوء على دور الأتراك في ميدان الكارتوغرافيا، وهو أمر كانت المعرفة به ضئيلة آنذاك[2].

وهكذا عرفت أوروبا كتاب بحرية في القرن التاسع عشر، فمَثَّل ظهوره حادثة علمية واكتشافًا مثيرًا يُلقي الضوء على تاريخ العلم في هذه الفترة، ويعيد تصحيح بعض الظنون حول تطور الكارتوغرافيا، والإسهام العثماني في هذا المجال. غير أن الكتاب احتاج لمائة عام أخرى حتى يخرج من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، فلقد نُشِر متن كتاب البحرية لأول مرة على يد الألماني بول كاله (Paul Kale) في عام 1926م، مع ترجمة ألمانية مزودة بالتعليقات، وذلك لثمان وعشرين فصلاً منه، أي ما يعادل ربع الكتاب تقريبًا، ثم وقف الطبع عند هذا[3]. ثم احتاج إلى عشرة أعوام أخرى حتى نشرته الجمعية التاريخية التركية عام 1935م، وأرفقت معه صورة لخريطة العالم التي رسمها بيري ريس في عام 919هـ = 1513م[4].

هذا عن قصة خروج الكتاب إلى النور، أما قصته قبل دخوله في الظلام فإنه تلزمنا العودة أربعة قرون إلى الخلف.

يحكي المستشرق الروسي العلامة كراتشكوفسكي قصة تأليف الكتاب بلهجة صحفية مثيرة: "يحيط بالتاريخ الأدبي بوضع المصنف الأول تعقيد شديد لا يقتصر سببه في أنه وجدت للكتاب مسودتان كما اتضح في الآونة الأخيرة، بل لأن المؤلف نفسه قد أحاط ببعض الغموض. فهو يذكر أن الدافع إلى تأليف الأطلس كان مناسبة اعتلاء السلطان سليمان [القانوني] للعرش عندما حاول أهل كل مهنة أن يقدموا إليه هدية من مجال فَنِّهم، لهذا فقد بدأ المؤلف عمله في 927هـ (ابتداء من ديسمبر 1520م) ورفع الأطلس كاملا إلى السلطان سليمان في عام 930هـ = 1523م. غير أنه يبدو من أقسام معينة في المقدمة أن بيري ريس قد بدأ عمله في الأطلس قبل ذلك بمدة طويلة أي في عهد السلطان سليم وكان يريد رفعه إليه، ولكن لما وافته منيته رفعه إلى السلطان سليمان القانوني"[5].

على أن الأمر لا يحتاج لإثارة الغموض، فالواقع أن بيري ريس نفسه ذكر في كتابه بحرية أنه أعاد الكتاب مرتين؛ ففي المرة الأولى خرج الكتاب في عهد السلطان سليم.

في ذلك الوقت قاد السلطان سليم الأول موجة كبيرة من التوسع للدولة العثمانية، فكان مما دخل في سلطانه الأراضي المصرية عام 923هـ = 1517م. وقد تناوب حكم الديار المصرية عدد من الولاة، ثم تسببت اضطرابات في القسطنطينية في عزل الصدر الأعظم أحمد باشا الوزير وإرساله إلى مصر واليًا عليها (شعبان 929هـ = يونيو 1523م)، وتولى الصدارة العظمى إبراهيم باشا، ثم وقعت اضطرابات في مصر بين الأمراء المصريين وبين العثمانيين استدعت نزول الصدر الأعظم بنفسه إلى مصر فوصلها في 29 جمادى الأولى سنة 931هـ = 24 مارس 1525م، وهنا.. وبعد ثمانية أعوام من دخول مصر في سلطان العثمانيين نقرأ للمرة الأولى مدحًا من مؤرخ مصري للسياسة العثمانية، فهذا الصدر الأعظم الذي نزل القاهرة أمضى فيها ثلاثة أشهر "كان له في يوم حسنة جديدة يسطرها التاريخ ويشكرها الناس من حيث نشر العدل بين الأنام، ومن حيث إسداء الخيرات واصطناع المعروف"[6].

لكن الذي يهمنا في هذا السياق هو ما حدث قبل الوصول إلى السواحل المصرية، إذ كان بيري ريس من الفريق المصاحب لإبراهيم باشا في هذه الرحلة، فالتقى الصدر الأعظم بكتاب بحرية في نسخته الأولى، قد يكون رجل بكفاءة وإخلاص إبراهيم باشا قد لمحت عينه الفاحصة موهوبًا كصاحبنا البَحَّار وعالم الجغرافيا بيري ريس. أو لعل بيري ريس سعى نحو الصدر الأعظم بكتابه "بحرية" ليعرفه بنفسه أو ليُعمّم هذا الكتاب كدليل معتمد للبحرية العثمانية والفائدة المتحققة للدولة من كتاب يحوي فوق التفاصيل الجغرافية تفاصيل أخرى سياسية وإدارية.

لا سيما وقد هبت عاصفة بحرية قوية "كطوفان نوح" منعتهم من متابعة الرحلة إلى مصر وألجأتهم إلى جزيرة رودس[7]، وهي العملية التي قادها بيري ريس معتمدا في هذا على دليله البحربي الأثير "كتاب بحرية"، وحينئذ يكون قد أثبت نفسه وقيمة كتابه بالتجربة العملية أمام واحد من أكفأ رجال السلطة العثمانية وأكثرهم نفوذًا، الذي لم يكن له أن يُفَوِّت على الدولة كفاءة كبيري ريس، فما كان من إبراهيم باشا إلا أن قال له: "أنت إنسان تعلم كل شيء عن البحر، وهذه موجودة في جوفك، فأخرجها إلى النور لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، ورتب الكتاب بصورة جيدة لينتفع منها كل إنسان، وأنجز ذلك بأسرع وقت لأقدمه إلى السلطان"[8].

فأعاد بيري ترتيب الكتاب الذي كانت نسخته الأولى في عام 923هـ[9]. ونسخه مرة أخرى ثم قدمه للسلطان سليمان القانوني بوساطة إبراهيم باشا عام (931-932هـ = 1526-1527م)[10]، وبهذا أضيفت للكتاب خبرة سنين إضافية، وخرج في نسخته الثانية أفضل وأغزر فائدة بكثير منه في نسخته الأولى.

ومن الطبيعي أن يظل هذا الكتاب مُؤَلَّفًا رئيسًا -إن لم يكن المؤلف الرئيسي- للبحرية العثمانية في حياة بيري ريس ومَنْ بعده، وأن يكون مطروحًا في الساحة العلمية فيذكره أصحاب التراجم والفهارس؛ كما فعل حاجي خليفة وغيره. أما كيف ضاع هذا الكتاب واختفى، وما هي رحلته حتى وصل ممزقًا متناثرًا إلى يد ديتس بعد أربعة قرون من تأليفه، فهذا هو المجهول في قصة هذا الكتاب.

وهي القصة التي تنتهي عند عدد من النسخ المخطوطة من الكتاب الموجودة في عدة أماكن حول العالم؛ فالكتاب في نسخته الأولى موجود في تركيا في قصر توبكابي، ومكتبة [نورووسمني]، ومكتبة السليمانية في إسطنبول، وفي بولونيا تحتفظ مكتبة جامعة بولونيا بنسخة من الكتاب، وفي النمسا في المكتبة الوطنية في فيينا، وفي ألمانيا بمكتبة الدولة في درسدن، وفي فرنسا بالمكتبة الوطنية في باريس، وفي المتحف البريطاني في لندن، ومكتبة بودليايان في أكسفورد، ومتحف والترز للفنون في بالتيمور[11]. وأما النسخة الثانية الموسعة من الكتاب، فثمة نسخة في قصر توبكابي، وفي مكتبة فاضل أحمد باشا كوبريل زاد، ومكتبة السليمانية، والمكتبة الوطنية في فرنسا[12]. كما توجد مخطوطة أخرى في الكويت ضمن مجموعة الصباح[13].

وفي المقال القادم بإذن الله سنحاول الدخول إلى عمق الكتاب لنرى كيف يمثل كتاب "بحرية" عملا فارقا في التاريخ العلمي الإسلامي.

نشر في: المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] وهذا الكتاب لم يقتصر على العرب فقط كما يدل عنوانه، بل يشمل غير العرب من جغرافيي الحضارة الإسلامية.

[2] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي، نقله إلى العربية صلاح الدين عثمان هاشم، لجنة التأليف والترجمة والنشر، جامعة الدول العربية، بدون رقم طبعة وبدون تاريخ. 2/593، 594. (الكتاب صادر في موسكو 1957م).

[3] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي 2/594.

[4] د. فيصل الكندري: الملاح والجغرافي بيري ريس، سلسلة رسائل جغرافية، الجمعية الجغرافية الكويتية، الطبعة الأولى، شعبان 1420 هـ = 1999 م. ص19.

[5] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي 2/589.

[6] أمين سامي باشا: تقويم النيل، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 2009م. 2/ 15 - 17.

[7] د. عفت إينان: أمير البحر العثماني بيري رئيس: حياته وأعماله ج1، د. فيصل الكندري: الملاح والجغرافي بيري ريس ص22.

[8] د. فيصل الكندري: الملاح والجغرافي بيري ريس ص22.

[10] د. محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص469.

[11] وهو المتحف الذي أتاح صورًا من الكتاب على الانترنت، في ملف فلاشي على هذا الرابط (http://art.thewalters.org/viewwoa.aspx?id=19195).

[12] الموسوعة الحرة الإنجليزية (ويكيبديا) (http://en.wikipedia.org/wiki/Piri_Reis)

[13] د. فيصل الكندري: الملاح والجغرافي بيري ريس ص23.