الجمعة، أغسطس 12، 2011

الإسلاميون.. ينتظرون!!

ما هو الوطن الذي يريده الإسلاميون؟!

يبدو السؤال ساذجا، وتبدو الإجابة واضحة: الوطن الذي تطبق فيه شريعة الله، أوبعبارة أخرى: الوطن الذي يملك أبناءه حقهم وحريتهم وإرادتهم ويعبرون عن آرائهم دون خوف أو رعب أو سجون أو تعذيب.

حسنا، فماذا يفعلون من أجل الوصول إلى هذا الوطن؟

لست أرى شيئا غير أنهم.. ينتظرون، ينتظرون، ينتظرون..

ما الذي غَرَّهم يا ترى؟

أهي الثقة في أناس هم في أحسن الأحوال كان الشيطان الأخرس طوال العقود الماضية؟ أم هي الخطوات التي تحققت على طريق التحول الديمقراطي؟ لو أن ثمة خطوة واحدة عملية قد حدثت لكنا أكثر اطمئنانا وأقل خوفا، ولكنهم لا يفعلون غير أن يطالبوننا بثقة لا يستحقونها وبانتظار قد يكلفنا نصف قرن آخر في أقل تقدير!!

ما الذي فعله المجلس العسكري حتى الآن يثير الاطمئنان؟ وأقصد الاطمئنان على مسار التحول الديمقراطي لا على مسار التخلي عن رجال العهد السابق، الحقيقة لا شيء: لا جدول زمني واضح، ولا أحد يعرف ما الذي يقال للخارج ولا ما الذي يدبر للداخل، وفي كل يوم أخبار عن تعذيب المقبوض عليهم، وهو أمر لو سُكت عليه فسيشمل الجميع.. الجميع.. الجميع.. وأولهم أولئك الذين ليس لهم سند من شرق أو غرب!

ثم يخرج علينا نائب رئيس الحكومة ليؤكد المضي في وضع المبادئ فوق الدستورية، والله ما كان يجرؤ أن يفعلها لو كان الأقباط قد حشدوا ضدها أربعة ملايين! ولكنهم ذهبوا بيحيى الجمل وأتوا بشبيهه في ذات مكانه!.. فكرر ذات الإهانات!

***

إذا لم يكن شيء مطمئن يجري أمامنا، فمن أين استقى الإسلاميون منهج الانتظار هذا؟ من القرآن أم من السنة؟

إن القرآن الذي بين أيدينا، والسنة التي نقرأها في كتب الصحاح، والسيرة التي نعرفها، كل هذا يدفع بالمؤمن لكي يكون في موقع الفعل دائما لا في رد الفعل، وسيرة النبي كلها شاهدة على أنه لم يكن أبدا في موقع المنتظر بل هو الفاعل الذي يسير في طريقه، وقد ناقشت هذا تفصيلا في مقالات سابقة (انظر مثلا: الهجرة ومنهج البحث عن حل)

فإذا لم يكن في ديننا منهج الانتظار والانتظار ثم الانتظار المنتظر، والأمل المأمول، والرجاء المرجوّ.. فما الذي يقعدهم؟

خوفا على الدماء والفوضى؟!

أحب في هذا السبيل أن أبشركم أنكم إن لم تتحركوا وتدافعوا عن الثورة فإن دماءكم ستكون أول الدماء المسالة ولكن في السجون والمعتقلات، وأرواحكم ورواح أهلكم ومعها ما تيسر من أرواح الشعب ولكن على المشانق وفي المقابر الجماعية، كذلك فإن الوطن الذي تخشون عليه من الفوضى سيصير تحت الاستبداد الجديد إلى فوضى أكثر من التي كان فيها.. ومن رأى هذا تشاؤما فليأت على تفاؤله بسلطان مبين! فإن لم يجد ولن يجد، فلعله يعود إلى عقله فيقرأ كيف انحدرت البلاد من سيئ إلى أسوأ بعد كل ثورة..

***

بعدما كان المصريون أهل مقاومة ولهم زعماء ووجهاء وأعيان يمثلونهم لدى الوالي العثماني، بل لقد قاموا بثورة طردوا فيها الوالي العثماني، سُرقت منهم ثورتهم ثم أُذِلّ زعماؤهم وأعيانهم حتى صاروا عبيدا في حضرة "ولي النعم"! وعاد توريث الحكم فيهم بعد انقطاع ستمائة سنة، ليستمر قرنا ونصف القرن مرة أخرى!

وبعدما كانت البلاد نهبا للمماليك الذين –مهما بلغ فسادهم- لا يعرفون غير أرض الإسلام وأمة الإسلام أولياء، جاء إليهم من باع ثروات بلادها للأجانب حتى استصفاها، ثم خلفه من باع البلاد كلها إليهم حتى احتلوها.

فإلى هذا انتهت ثورة عمر مكرم بعد ثلاثة أرباع قرن من اشتعالها!

لقد استطاع محمد علي وخلفاؤه تدجين المصريين الذين عذبوا الفرنسيس حتى أسلموهم مسالمين طيبين إلى الإنجليز فظلوا في بلادهم سبعين عاما أخرى!!..

هل كان يخطر ببال أحد من أعيان المصريين في أول القرن التاسع عشر أن هذه هي نتائج ثورتهم؟ ألم يكن خطأهم الأكبر أن فشلوا في حراسة الثورة ووثقوا بمحمد علي، حتى صار الجندي باشا وليا للنعم؟!!

فمن لم يعجبه الحديث عن ثورة المصريين على خورشيد باشا، فلينظر في ثورتهم بعدها بأكثر من مائة عام، وهي الثورة التي استطاع فيها الإنجليز تصنيع قيادة شعبية متمثلة في سعد زغلول، ثم أدخلوها في نفق المفاوضات والاتفاقيات والمعاهدات حتى سرقت الثورة وأعطي المصريون استقلالا اسميا، بل سميت معاهدة الاحتلال بمعاهدة "الشرف والاستقلال"!!

واستمرت القضية المصرية في أورقة المنظمات الدولية والحكومات المعنية، ترفعها الأحوال الداخلية وتضعها الأحداث العالمية، والاحتلال موجود ومتحكم ومسيطر، والأحزاب يفرحون بديمقراطية شكلية بلهاء يتنافسون فيها على الكراسي والألقاب والتشريفات.. وكلهم داخل حظيرة الاحتلال لا يستطيع أن يرد له قولا!

حتى انبعثت صحوة إسلامية جديدة، غيرت وجه الحياة في مصر والعالم العربي، وكادت تتمخض عن ثورة شعبية هائلة، أدركتها عيون المخابرات الأمريكية فصنعت لها قائدا يسحبها إلى تياره كما صنع الإنجليز من قبل سعد زغلول الذي امتص ثورة 1919 فأدخلها في نفق المفاوضات حتى ماتت!

كان بطل المرحلة هو جمال عبد الناصر، غير أن جمال عبد الناصر لم يكن ليستطيع شيئا لولا أن وفرت له سذاجة القيادات الإسلامية وقتها الفرصة الكاملة الهائنة لسحقها، وهو الأمر الذي يطول فيه الحديث ويمتلئ بعلامات الاستفهام، غير أن الذي يهمنا في هذا السياق هو أن الثورة الشعبية الهادرة تم اختطافها على يد مجموعة العسكر التي لعبت بذكاء الخارج في ضرب الحركة الإسلامية التي ساعدتهم بدورها بما امتلأت به من سذاجة وتخبط وارتباك.. فسرقت ثورة الشعب لتصبح انقلابا عسكريا ثم عادت فأكلت الشعب وزرعت فيه الجبن والرعب والخوف ستين سنة!!!

***

ليس وقت اجترار الأحزان.. إنما هو وقت التعلم!

في كل مرة تم الوثوق بمن أبدت الأيام أنه ليس أهلا لهذه الثقة، وتم السكوت في موضع الكلام والبيان والاحتجاج، وكان الانتظار هو السائد في مواقف الفعل والحركة والتقدم!

فإلى متى يا قومي نثق بأمثالهم، ونسكت عن أمثالهم، وننتظر أن نُعطى حرية نعرف أنها تنتزع ولا توهب!

متى ننشد "أول الغيث"؟

متى نقول:

يا أمة الإسلام فَجْرك نَوَّرا ... والروض في ساحات مجدك أزهرا

سُحُب المعالي في سمائك أمطرت ... غيثا، وأجرت في رحابك أنهرا

نشرت رياحك في جوانب كوننا ... أمنا، وإيمانا، وفكرا نيرا

لبست بها الأشجار ثوبا مورقا ... وغدت بها الصحراء روضا أخضرا

***

قبل أن يخرج هذا المقال إلى النشر قرأه أخ كريم فاضل فنصحني بألا أكتفي برصد السلبيات، بل ينبغي تقديم مسارات للحل، لا سيما وقد يُفهم من المقال أنها دعوة للعنف مثلا، واستجابة له أضيف ما سبق أن ذكرته في مقالات سابقة:

إن أضعف الإيمان أن تتكون جبهة إسلامية واحدة تجمع الحركات الإسلامية الفاعلة والشخصيات الإسلامية المستقلة التي تمثل رموزا للمدارس الفقهية والحركية الإسلامية، هذه الجبهة ستكون النواة التي يتجمع حولها الشباب الإسلامي بشتى توجهاته التفصيلية سواء كان منتميا لحركة أو جماعة أو لم يكن، وهي التي تقرر بعد تداول الرأي كيف ينبغي أن نتصرف حيال المواقف المطروحة، ومتى يكون التصعيد وكيف يكون!

وينبغي أن تعلم هذه الجبهة أن الله قد أناط بها دورا تاريخيا في لحظة حاسمة من التاريخ الإنساني، فإن نجاح الثورات العربية يعني تغير المعادلة العالمية لقرون، ويعني عودة الأمة العربية الإسلامية قوة عظمى كما كانت.

ولتعلم هذه الجبهة أنها تمتلك طاقات هائلة من الشباب والعاملين للإسلام لا ينتظرون منها إلا أن تعطيهم الثقة في أنها على مستوى المرحلة، ثم تشير إليهم بإشارة لتجد سيلا من البشر مستعدا لبذل كل ما أمكنه في سبيل نهضة هذا الوطن وعزة هذه الأمة.. فهل هذا أمر عسير؟!!