الثلاثاء، مارس 17، 2009

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ4

اقرأ:
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ1
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ2
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ3


(5)
الحب في مسلسلات وليد سيف
ما نراه في مسلسلات وليد سيف يؤكد أن لهذا الرجل تجربة في الحب، ففي مشاهده ما لا يمكن أن يعرفه إلا عاشق قديم، أو عاشق قديم مقيم.

والحب أمر عجيب، وهو لغزٌ وسيظل هكذا، وهو من أدلة إعجاز الله في خلقه، فهو شيء لا يوصف ولا يفسر ولا يُعرف كيف يبدأ وكيف يثور ثم كيف يذبل وينتهي، ومن حاول أن يفسر الحب فليعلم أنه سيفشل حتمًا، وما من نظرية في الحب إلا ونستطيع أن نسوق قصصًا تؤكد فشلها وعجزها عن التفسير.

وأرى أن لا يتكلم في الحب من لم يعرفه، ولو كان عالمًا أو داعية، فإن كلامه يؤخذ منه على أنه كلام الله وحكمه، ومن قال لا أدري فقد أفتى.

وإنك لتجد في مسلسلات وليد سيف الحب الذي لا يخدش العفة، فلن تبتئس كثيرًا من حب صلاح الدين لعصمت الدين خاتون أرملة الملك العادل نور الدين، ولن تبتئس أيضًا من حب الملك المنصور محمد بن أبي عامر لصبح جارية الحكم وأم الخليفة هشام، ولن تعتبر حب المعتمد بن عباد لزوجته اعتماد الرميكية ضعفًا في شخصيته.

وهذه الأمثلة وغيرها ليس للتاريخ فيها رأي قاطع أكيد، فنحن لا نعرف على سبيل اليقين إن كان جرى حب بين صلاح الدين وعصمت الدين خاتون أو بين الملك المنصور والسيدة صبح، فإن أحداث التاريخ تجعل هذا احتمالاً واردًا ويمكن أن يكون قويًّا، ولكن يمكن أن نفسر كل الأحداث كذلك من منظور آخر غير الحب.

إنما الإبداع يكمن في أن وليد سيف حين يقدم رواية الحب هذه فإنه يقدمها في إطار العفاف والأخلاق، في إطار أنه قد حدث فعلاً حب عظيم وعميق، لكن هذا ليس مظنة السوء أبدًا ولا يمكن أن يكون موضع ريبة، وهو في ثنايا المسلسل يهاجم بشدة من يعتبر هذا الحب ريبة ودنسًا، ويظن فيه السوء ويجعله تهمة.

وما يؤكد اهتمامه بهذا اللغز المسمى بالحب هو أنه أحيانًا يصنع قصة حب قد لا يحتاجها المسلسل، صحيح أنه يستعملها في بيان معان أخرى في صلب المسلسل، لكن تلك المعاني كان يمكن أن تؤدى بغير قصة الحب، وذلك أسهل على كاتب محترف مثل وليد سيف.

سترى في مسلسلات وليد سيف أعاجيب المحبين:

- زواج سياسة ينقلب إلى حب عميق (نور الدين وعصمت الدين خاتون - مسلسل صلاح الدين).

- حب وكفاءة يتحولان زواجًا (صلاح الدين وعصمت الدين خاتون - مسلسل صلاح الدين).

- حب رغم العذاب والإيذاء (الوليد بن يزيد وجاريته وَرْد - مسلسل صقر قريش).

- حب الصعاليك (بدر خادم عبد الرحمن الداخل وزوجته زينب - مسلسل صقر قريش).

- حب الملك لجاريته (عبد الرحمن الداخل و جاريته حَلَل - مسلسل صقر قريش - والحكم المستنصر لجاريته صبح - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب من لا يملكون ولا يستطيعون ولا يملون (المنصور بن أبي عامر وصبح - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب الزوجة التي تعلم أن قلب زوجها لغيرها فتفضل حبه على نفسها رغم ألمها (المنصور بن أبي عامر وزوجته عائشة - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب النظرة الأولى (المعتمد بن عباد واعتماد الرميكية - مسلسل ملوك الطوائف).

- حب المستبد الطاغية الذي بقوته استطاع أن يتزوج من لا تطيقه (الوزير ابن عمار ولبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- المصالح التي تطرد الحب القديم الملتهب (زيد ولبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- الكره العميق الذي ينقلب حبًّا عميقًا (الوزير ابن عمار وزوجته لبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- الحب الملتهب الذي يذبل وينتهي عند تغير الحال (ابنة المعتمد وزوجها - مسلسل ملوك الطوائف).

وكل هذه المشاهد واقعية جدًّا، ونراها في حياتنا المعاصرة، وإن كنت أكرر أنها كلها ليس مقطوعًا بها على سبيل اليقين التاريخي -ما عدا حب المعتمد للرميكية وحب الحكم لصبح وحب الداخل لحلل-، وأكثرها مؤلَّف لخدمة الدراما.

وأراني مضطرًّا هنا لذكر انتقادين في هذا الجانب، وما كنت أحب أن انتقد في هذا المقال أبدًا لعلمي أنها اجتهادات سنختلف حولها، وقد أختلف معه في بعض الوقائع والروايات التي يقويها بينما أراها ضعيفة، أو بعض التفسيرات لبعض الأحداث، وكذلك بعض التركيز على أمور وإغفال أخرى، فكل هذا هو في نطاق الاجتهاد الذي يسع كل الناس الاختلاف فيه دون أن يؤثر هذا على الإجلال والتقدير لهذا الإبداع الكبير.

لكن جانب الحب هذا لا بد من قول كلمتين فيه:

1- أن كثيرًا من المشاهد بين المحبين، خصوصًا في مسلسل ربيع قرطبة، فيما بين ابن أبي عامر وصبح لا يمكن أن تكون حدثت، فهي غنية بكلام الحب الذي لا يتصور أن يقال بين جارية بل وأم ولد الخليفة وبين عامل لها. وقد كان يمكن أن يستعيض عن هذا الكلام الصريح بكثير من المشاهد الصامتة التي تعبر عن المعنى، والتي ستصاحبها موسيقى تصويرية مناسبة. فإنه لا يمكن أن تكون قد حدثت خلوة بينه وبينها أبدًا، حتى ولو كانت جارية تبرز للناس ولا يحوطها ما يحوط الزوجة الحرة من تقاليد، فهذه ستخدش نطاق الأمانة التاريخية التي عودنا الكاتب على احترامها.. هذه نقطة ضعف في السيناريو كنت أتمنى ألا تحدث.

2- الكارثة العظمى هي التي أحدثها الإخراج، أو ربما المسئول عن الملابس، (لست خبيرًا في فنون الكواليس) فلقد كانت تظهر الجواري عاريات تقريبًا، بل ويمشين عرايا هكذا في طرقات القصر وبين العمال والوزراء، بل سيدات القصر أنفسهن تظهرن عرايا وأمام غير المحارم مثل دور صبح في ربيع قرطبة ودور اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف. ولئن كنا لا نقبل أبدًا تلك الملابس التي أُلبست لصبح في ربيع قرطبة وهي جارية، فلا مكان أبدًا لقبول ملابس اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف.. ومن كان لديه دليل من التاريخ يقول غير هذا فليخرجه لنا. وإن كان أغلب الظن عندي أنها من صنع المخرج الذي أفسد كثيرًا -بتلك المشاهد- الصورة التاريخية التي يعبر عنها السيناريو أفضل تعبير. وسنتكلم عن هذا بعد قليل بمزيد تفصيل.

اقرأ: وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ5