الثلاثاء، مارس 17، 2009

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ5

اقرأ:
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ1
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ2
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ3
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ4

(6)
المخرج حاتم علي
يُحسب للمخرج حاتم علي أنه يحافظ على السيناريو ولا يتدخل فيه، هذا ما صرح به الدكتور وليد سيف، وما صرحت به كذلك الدكتورة لميس الحديدي مؤلفة مسلسل (الملك فاروق)، ويشهد من تابع هذه المسلسلات أن نصها قوي ومحبوك من الجانب التأريخي.

وشخصيًّا لا يعجبني إخراج حاتم علي، ولست كذلك ناقدًا فنيًّا، وإنما مجرد متذوق، وكنت أود لو توفر لمسلسلات وليد سيف مخرج مصري متمكن، فكثيرًا كثيرًا من المشاهد المؤثرة لم يستطع الإخراج أن يخدمها كما ينبغي.

لكن هذا يظل في إطار المقبول أو ما يسعنا فيه الخلاف، أما الكارثة الحقيقية فهي في هذا الكم الهائل من العري والرقص في المسلسلات التاريخية، وهو عري أقطع بأنه لم يكن موجودًا لا على هذا النحو ولا بهذه الكثرة في تلك الأيام، ولا أعرف تحديدًا مدى موافقة الدكتور وليد سيف على هذا الإخراج لهذه المشاهد.

مئات المشاهد تحفل بعري لا حاجة له مطلقًا، ولا دخل له في خدمة النص ولا الصورة، إلا أن يكون البعض ما يزال يعتقد أن الجمهور العربي ما زال متشوقًا لرؤية العري حتى في الأعمال الدينية والتاريخية، وهي مشاهد تمثل صدمة بالغة للمشاهد الملتزم، وخصوصًا أنها تعرض في رمضان فيتضاعف الحرج ويكون ترك المسلسل هو الحل الأفضل بالنسبة لشريحة الملتزمين، فما بالك وهذه الشريحة هي التي تهتم بهذه النوعية من الأعمال وتحرص عليها، أي أن هذه الشريحة هي الجمهور الأثير لهذه النوعية من المسلسلات.

وطالب المشاهد العارية لم يعد يجلس أمام التلفاز، وإن جلس فهو لن يذهب إلى مسلسل ناطق باللغة العربية الفصحى انتظارًا لبغيته. فلماذا هذا الإكثار العجيب وغير المبرر من هذا التعري والرقص؟

إن كفاءة النص الذي كتبه وليد سيف، وكذلك كفاءة الإخراج الذي لم يتدخل في النص جعلت الإسلاميين يحرصون على هذه المسلسلات ونشرها للناس، لكن هذا العري المتناثر كان عقبة شديدة القسوة.

من يصدق أن السلفيين الذي لا يعتبرون أساسًا بجانب الفن كانوا ممن حرص على نشر هذه المسلسلات، وهذا شيء لم يحدث لعمل فني -على حد علمي- منذ فيلم عمر المختار، لكنهم –كالعادة- حذفوا كل مشاهد النساء من هذه المسلسلات.

والحق أنه وإن كان يجوز نقدهم في تشويش صور النساء في فيلم عمر المختار، فإنه لا بد من التماس العذر لهم فيما حذفوا من مشاهد من مسلسلات وليد سيف. برغم أهمية وحيوية هذه المشاهد.

وقد شاهدت نسخًا كثيرة من هذه المسلسلات أول الأمر، فصعقت حين شاهدت النسخ الأصلية؛ لأن المشاهد التي حذفت مهمة في غاية الأهمية في السياق التاريخي، بل فيها أحداث تاريخية أو تفسيرات لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن كيف يمكن أن تلومهم؟ لقد أعطاهم المخرج سببًا قويًّا لأن يحذفوا دون أي اعتبار لأهمية المشهد.

بعض النسخ حذفت كل النساء، حتى ما كان من نساء يلبسن الحجاب، وهذا تشدد مرفوض قطعًا، ولكن لا مجال للحوار مع هؤلاء وأنت تعرف أن مشاهد النساء في أغلبها عارية مستفزة.

ومقارنة بين مسلسل (ملوك الطوائف) ومسلسل (المرابطون والأندلس) تكشف بجلاء أن هذا العري غير مبرر أبدًا، فهذان المسلسلان ناقشا نفس الفترة التاريخية (عن غير قصد فلقد أنتجا في عام واحد) فلا تجد مقارنة بين العري هنا وهناك، واعتماد الرميكية التي قامت بدورها سلاف فواخرجي في ملوك الطوائف فَتَعَرَّت بشكل بشع، قامت بدورها مرح جبر في المرابطون والأندلس فلم يؤثر هذا على الدور ولم يظن أحد من الناس أنها صعلوكة؛ لأنها لا تلبس العاري المكشوف.

قد خسرت هذه المسلسلات جمهور الإسلاميين في جانب الدعاية، وإن كسبتهم في جانب الإعجاب، والإسلاميون كما يعرف الجميع جمهور يتطوع بالدعاية والنشر والدعم لكل ما يحبه وكأنه ينشر عملاً له هو، ويدعمه كأن ربحه عائد عليه هو. وما أخشى من شيء في مسلسل (سقوط غرناطة) إلا أن تزيد فيه هذه الجرعة "الإباحية" (وأسميها الإباحية عامدًا)، خصوصًا وهي تناقش فترة انهيار وضياع الأندلس.

فإني أناشد كل صانعي الأعمال التاريخية أن يحرصوا على جمهور سيكون أقوى من شركات الإنتاج قطعًا، جمهور متطوع لا يطلب إلا أن تُرَاعَى أخلاقه، ثم سيكون جنديًّا مخلصًا في نشر هذه الأعمال، وخيرها عائد على صانعيها في المقام الأول، ولن يطلب جزاء ولا شكورًا.

إن هذه المسلسلات بهذا الشكل لا تجرؤ الفضائيات الإسلامية على عرضها، وقد اضطرت قناتي اقرأ والرسالة إلى حذف كثير من المشاهد حين عرضت صلاح الدين وصقر قريش، ولم تستطع اقرأ أن تواصل عرضها لصلاح الدين لكثرة ما اضطرت أن تحذف مشاهد مستبدلة إياها بمنظر ساكن.

وهذه قنوات لا تعرض الأعمال الأخرى، أي أنها ساحة خالية من المنافسة لعرض الأعمال التاريخية، بينما القنوات الأخرى ساحات تتصارع على أوقات البث فيها كلُّ أنواع الأعمال الدرامية، فلماذا يضحي صانعو المسلسل التاريخي بهذه المساحة الخالية وبهذا الجمهور العريض؟! خصوصًا إذا كان لحساب مشاهد تتنافس عليه مسلسلات خليعة أخرى على باقي القنوات؟

لعلهم يستيقظون.. آمين.

(7)
بقي في هذا الموضوع شكر لأبطال العمل من الممثلين..

فتيم حسن موهبة تجلت واضحة من أول أدوراه (العاضد خليفة مصر الفاطمي) في مسلسل صلاح الدين، وهو بهذا الدور أجبر كل متابع على الإعجاب به، وهو حقًّّا موهبة لا محدودة، وإن كان الآن لا يحتاج ثنائي فهو ملء السمع والبصر عن حق وجدارة.

فأدواره في كل مسلسلات وليد سيف تستحق ثناء بلا حد، فهو الخليفة الذكي المغلوب على أمره في صلاح الدين، وهو الخليفة العابث الماجن المستهتر في صقر قريش، ثم هو البطل العظيم الملك المنصور ابن أبي عامر في ربيع قرطبة، ثم هو الملك الذي يجمع بين البطولة والخيانة في ملوك الطواف.

ولا أوضح ذكاء وإمتاعًا من جمال سليمان في كل أدواره: صلاح الدين، عبد الرحمن الداخل، الحكم المستنصر، الشاعر ابن زيدون.. ولا أقل منه تألقًا النجم الموهوب الفلتة محمد مفتاح في أسد الدين شيركوه، وبدر خادم الداخل، وإبراهيم عريف الحدادين، والوزير ابن عمار.

ونجم آخر يتألق بشكل فريد، ويظل له طعمه الخاص دائمًا، هو نجاح سفكوني في دور نجم الدين أيوب، وفي دور غالب الناصري، وفي دور باديس ملك غرناطة.. ومثله باسم ياخور الذي لا ينسى دوره في صقر قريش وهو شخصية أبو مسلم الخراساني، فضلاً عن دوره في شخصية نور الدين وجعفر بن حمدون.

ورجل أحب أن أسمع منه اللغة العربية وإن لم يكن من نجوم الصف الأول ذلك هو ناصر وردياني، فهو عز الدين كمشتكين، وسليمان بن كثير، وأبو يحيى التجيبي، ويحيى بن عمر اللمتوني. ومثله في إجادة العربية عبد الرحمن آل راشي، فهو عماد الدين زنكي في مسلسل صلاح الدين، وهو إسماعيل بن عباد قاضي الجماعة في إشبيلية ومتولي أمرها وقت الفتنة.

وثمة دور تأثرت به بشكل خاص، وبما أنني الذي أكتب فلي حق أن أعبر عن مشاعري الخاصة، ذلك هو دور زينب الذي قامت به أمل عرفة فأبدعت بما لا يوصف في مسلسل صقر قريش، حتى صار أصدقاؤنا الشباب يتمنون زوجة كهذه الزوجة.

***
لا شك أن الدكتور وليد سيف يمثل نقطة فارقة في الكتابة الدرامية التاريخية، وهو فاصل بين مرحلة قبله ومرحلة بعده. وأعلام أمتنا كثير ولكنهم كالعادة لا يأخذون حقهم، وهم كاللؤلؤة يحبسها قشرة صلدة صدأة غبية فيمنعونها من التوهج، وذلك -دائمًا- حال لآلئ عصور "ملوك الطوائف".

ما زال في الصدر كلام كثير، وهو كلام يثقلني الآن رغم أني أعرف أنه ما كان بالوسع الحديث عن الجمال المكتنز حديثًا مُحيطًا، ثمة مشاهد تستحق وحدها أن توصف لما فيها من علم بالتاريخ وبالأدب وبالشعر، ثم هو منسوج في ثوب من لغة ممتعة ومتمتعًا بتطور درامي مثير، ثم هو مشهد يمثل حلقة وصل محكمة بين المشهد الذي قبله والمشهد الذي بعده.

حقًّا إن المهارة لا توصف، وكما أنك لا تستطيع أن تصف جمال الصورة -ولو كانت مهارة لاعب كرة- فلن تستطيع وصف هذه الأعمال الفنية، وهي كائنات حية.

إنها دعوة للاهتمام بهذا الرجل ولو بسماع مسلسلاته وقراءة مقالاته، فهو أيضًا كاتب في هموم السياسة لا سيما الفلسطينية، وهذا واجب من لا يملك أن يفعل إلا هذا، أما من يملك فوق هذا فليؤد أمانة ما أعطاه الله من قدرة.

***
كثيرًا ما تخيلت الدكتور وليد سيف وهو يقف وحيدًا في ساحة الدراما، فيقفز إلى الذهن شخص المتنبي وهو يقول:
فؤاد ما تسليه المدام *** وعمر مثل ما تهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغار *** وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهمو بالعيش فيهم *** ولكن معدن الذهب الرغام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ *** تجنب عنق صيقله الحسام
وشبه الشيء منجذب إليه *** وأشبهما بدنيانا الطغام
ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍ *** تعالى الجيش وانحط القتام
ولو لم يرع إلا مستحق *** لرتبته أسامهم المسام
ولم أر مثل جيراني ومثلي *** لمثلي عند مثلهم مقام