الثلاثاء، مارس 17، 2009

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ1

اقرأ: خاطرة سابقة كتبتها عنه "وليد سيف كاتب الدراما التاريخية الأعظم"

لـو كـان يخلد قـوم بمجدهمـو *** أو ما تقدم من أيـامهم خلـدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قـوم بأولهـم أو مجـدهم قعدوا

(1)

كنت على أحر الشوق في رمضان الماضي (1429هـ) لأن أشاهد مسلسل "سقوط غرناطة"، وهو المسلسل الأخير في سلسلة تاريخ الأندلس التي كتبها المبدع الموهوب، نادرة الزمان بحق الدكتور وليد سيف، وهي تبدأ بمسلسل (صقر قريش) ثم مسلسل (ربيع قرطبة) ثم مسلسل (ملوك الطوائف).. غير أن المسلسل لم يعرض، وتضاربت حوله الأخبار على الإنترنت برغم أن المسلسل بحسب كثير من الأخبار كان جاهزًا للعرض منذ رمضان (1428هـ)، ولكن خريطة الإنتاج لم تسمح بعرضه في تلك الفترة، ثم اختفت حتى الأخبار الأكيدة حول مصير المسلسل في رمضان (1429هـ).

ترى هل انتبه الرقيب العربي أخيرًا إلى خطورة ما يكتبه وليد سيف من دراما، خصوصًا بعد مسلسل (ملوك الطوائف)؟ لعل هذا ما قد حدث، فإن الذي لا شك فيه أن (ملوك الطوائف) وإن كان عرض لتلك الفترة البائسة من تاريخ الأندلس -وهي تشبه إلى حد كبير حاضر دولنا العربية المتفرقة- فإن (سقوط غرناطة) سيكون أبلغ في المأساة، إذ لن يفوت الكاتب الكبير أن يحكي فيه سقوط بغداد وكابول وإن كان يتحدث عن غرناطة.. إنها النتيجة التي يخبرنا بها التاريخ، والتي لا أشك لحظة أن عقل وقلم الدكتور وليد سيف لن يمسك بها فيبدعها.

في أمر الكتابة عن الدكتور وليد سيف، لا بد من الإمساك بعدة محاور رئيسية، ثم التفرع فيها إلى فرعيات كثيرة.. ودائمًا حَيَّر الجمالُ الأدباءَ والشعراءَ، فقد يكتب الشاعر بيتًا جميلاً لكن حين يثني أديب أو شاعر على هذا البيت فقد يستغرق الوصفُ صفحات وصفحات.. الجمال بطبيعته مُكْتَنِز، كشعاع النور مثلاً، مهما بدا لك واضحًا وجليًّا فإن جماله محير، ووصف جماله محير أكثر، ومعجز أكثر وأكثر.. ومحاولة تحليل جماله وتعديد مظاهره أمر عسير بل ومحال.

ومن المذهل المثير للدهشة حقًّا أن اسم الدكتور وليد سيف ما يزال مغمورًا في بحر الإعلام، والبحث على الإنترنت لا يعطيك عنه إلا مواد قليلة برغم أنه يعد بحق أعظم كاتب للدراما التاريخية بإطلاق، وبلا منافس، وإذا حاولنا أن نضعه في المرتبة الأولى لأرهقنا البحث عمن يمكن وضعه في المرتبة الثانية.. إن الفارق بين نصه التاريخي لا يكاد يقارن بالمرة مع أي نص آخر، وأحسب أن هذا من الوضوح بحيث يعترف به كل أحد.. فلا أدري هل تلك الغفلة الإعلامية عنه محض صدفة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وإن كنت أميل إلى أن علاقة الإعلام بالفن بتوجهات رأس المال هي التي توجه التيار نحو الفن الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

اشتَعَلَت في رمضان (1429هـ) معاركُ فنية بين المصريين والسوريين؛ المصريون يصرون على أنهم الأعظم والأقدر والأقدم، وأنه وإن وافقنا جدلاً على تراجع مستوى الدراما المصرية فإنها استراحة المقاتل وكبوة الجواد ونبوة السيف لا أكثر ولا أقل، السوريون يرون أن زمان التفوق المصري قد انتهى وأن الريادة الآن في دمشق، وعلى المصريين إن أرادوا استرجاع مكانتهم أن يتركوا الطنطنة بتاريخهم وأمجادهم وليتواضعوا ويقبلوا بمقاعد التلاميذ لأساتذة هذه الأيام (السوريين)، فلربما إن أحسنوا التعلم استعادوا مجد الماضي في مستقبل الأيام.

لست في معرض المساهمة في هذه المعركة الآن، ولكني لا أجيز أن تكون مسلسلات وليد سيف من عوامل تفوق الجانب السوري، وذلك لأن النص هو بطلها الأكبر والأول، وهذا النص كاتبه أردني من أصل فلسطيني -طالما يحب البعض أن يفرق بين العرب حتى فيما يجمعهم-.. والدليل المتين أن المسلسلات التاريخية السورية التي لم يكتبها وليد سيف تحفل بفضائح علمية، ورداءة فنية لا تخطئها العين.

(2)

تحمل المسلسلات التاريخية طابعًا خاصًّا، فهي ليست قصة من الخيال، بل ولا لها "مجرد علاقة" بالواقع، إنما هي قصة حدثت بالفعل، ويصير نقلها إلى الدراما والحكاية المصورة تلفزيونيًّا أمرًا يتطلب -فوق صنعة الفن والسيناريو- أمانة علمية ومجهودًا بحثيًّا.

وبعد الأمانة العلمية والمجهود البحثي ستوجد عدة ثغرات تاريخية، فالكتابة عن أحداث وقعت قبل ألف سنة ليس كالكتابة عن أشخاص ماتوا قبل سنين، فالذي سيكتب فيلمًا أو مسلسلاً عن عبد الناصر أو السادات أو قاسم أمين أو أسمهان أو أم كلثوم يجد أيضًا ثغرات وفجوات تاريخية، ولكنه لن يعاني كمن يكتب عن القديم، فإن لكل الشخصيات الحديثة حواريين ومعجبين اجتهدوا بحثيًّا فملئوا تلك الثغرات بمجهود بحثي وأكاديمي، فصار على الكاتب مهمة نقل هذا التاريخ -المكتمل والمتناسق إلى حد كبير- إلى ساحة الدراما.. ثم أضف إلى هذا قرب الزمان، ووجود المواد المصورة والفيلمية.

ليس هذا متيسرًا في حال الكتابة عن تاريخ قديم، ففضلاً عن أن كثيرًا من كنوز التراث الإسلامي أغرقت أو أحرقت أو أتلفت على يد همج ليس لهم في الحضارة نصيب، في اجتياحات التتار أو حروب الصليبيين في المشرق، وخصوصًا حين طرد المسلمون من الأندلس.. وهذا بدوره أضاع كتبًا كثيرة تحمل لا شك تفاصيل تاريخية مهمة عن التاريخ الإسلامي عمومًا، وتاريخ الأندلس خصوصًا. فضلاً عن هذا، فإن القدامى لم يكونوا مولعين بالتأريخ اليومي للحوادث، الذي بدأه -على حد علمي- الجبرتي في تاريخه، بل كانوا يؤرخون بالسنين.. فطبيعة العصر وقتها لم تكن بالسرعة التي نعرفها الآن، ووصول الأخبار نفسها كان يستغرق أيامًا وربما شهورًا. قد تمسك بالكتاب القديم فلا تجد في بعض السنين من الحوادث المهمة شيئًا، أو قد يكون فيها حدثًا أو اثنين فقط يراهما المؤرخ مستحقين للتأريخ.. وكان البعض من المؤرخين يؤرخون بـ"التراجم"، حيث يجعل الشخصية التاريخية هي المحور، فيؤرخ لها ويروي التاريخ من خلالها.

وكلما أردنا صناعة تاريخ متماسك ومتقصٍّ للتفاصيل كانت حاجتنا إلى مجهود بحثي أكبر وأعظم، وقد قام بهذا كثير من المؤرخين المسلمين المُحْدَثين؛ فيمكننا أن نجد تاريخًا مفصّلاً للحروب الصليبية مثلاً في موسوعة الدكتور سهيل زكار (موسوعة الحروب الصليبية - طبعت في خمسين مجلدًا)، وكذلك نجد أفضل تأريخ لمرحلة الأندلس في موسوعة الدكتور محمد عبد الله عنان (دولة الإسلام في الأندلس). وهذه مجهودات بحثية ضخمة جمعت أشتات التاريخ المتفرق من المصادر العربية والأجنبية وجعلتها في كتاب واحد.

ولكنها -وحدها- لا تغني في رصد كل جوانب الحياة التاريخية، ومنها الجانب الأدبي مثلاً، وهو جانب لا يستغني عنه كاتب الدراما المجتهد، بل هي أيضًا لا تجيب عن كل الأسئلة إذا نظرنا إليها من منظور من سيحكي قصة مصورة، ففي التاريخ قد تختفي شخصيات فاعلة في خضم الأحداث ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت تلك النهاية، وكذلك تولد شخصيات فاعلة ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت البداية.

إذن.. رصد التاريخ القديم بشكل متماسك هو مجهود بحثي وحده.

ثم محاولات رصد الجوانب الأخرى التي لا علاقة لها -بشكل ما- بالتاريخ السياسي مجهود آخر، ويتطلب دون شك الرجوع إلى المصادر القديمة أو الدراسات الحديثة المتخصصة في هذه الجوانب.

ثم الإجابة على هذه الأسئلة التي لا بد ستثار إذا انتقلت الحكاية إلى الصورة، ومن ثم لا بد من الإجابة عليها مجهود ضخم آخر.. وهو هنا مجهود يتحمله كاتب القصة بالكامل -إن لم يكن في التاريخ إجابة واضحة- ويتحمل مجهودًا أكبر إن اختلفت الروايات التاريخية في بعض الإجابات، أو اختلفت تحليلات المؤرخين وإجاباتهم.. هنا يوضع الكاتب على محك كبير.

فإما أن يهرب من الحادثة أساسًا، وهذا كالذي خرج من الدنيا لا له ولا عليه، وإما أن يبذل مجهودًا عقليًّا وبحثيًّا في اختيار وتفسير أقرب الروايات إلى رؤيته لتلك الفترة، وهنا يصير مجهوده هو الحاكم عليه فسيرضى عن اجتهاده بعض الناس وسيغضب آخرون، وهذا طالما التزم بالصحيح من التاريخ وتحركت تفسيراته في إطار ما هو ثابت يكون أفضل الحالات، وإما أن يدع كل هذا جميعًا ويبحث عن "حبكة" درامية ولو خرجت عن إطار "التأريخ" إلى إطار "التأليف" (وهو في الحقيقة تزوير وتزييف).. وهذا أسوأ الجميع، وغالبًا ما تكون هذه المسلسلات فضيحة علمية. وشخصيًّا أرى أنه لا يجب أن يسمح بعرضها، لا من قبيل تقييد الإبداع بل من قبيل احترام المنهج العلمي.

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ2
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ3
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ4
وليد سيف ساحر الفن والتاريخ جـ5