السبت، ديسمبر 08، 2007

معاوية والتوريث مرة أخرى 3/3

يعتبر هذا الجزء الثالث متمما للفكرة وموضحا لها ، ومجيبا عن بعض الملاحظات التي تلقيتها ردا على الموضوع من بدايته .

وليسمح لي القارئ بأن أخبره ببداية الموضوع :

منذ سنوات ويلوح في الأفق نية توريث مصر لجمال مبارك من بعد مبارك الأب .. لم يكن صعبا أن يتوقع أي أحد دفاع المنافقين وكلاب الحكومة وحشرات الإعلام الرسمي عن هذا التوريث ، وسيتحدثون عن مصلحة الوطن والمرحلة الحرجة والحساسة ، ولربما انكشفت وجوه طالما تغطت بالمعارضة مثل مصطفى بكري مثلا الذي دافع من قبل عن توريث سوريا لبشار الأسد وتحدث أيضا عن مصلحة البلد وأنها موزعة بين عرقيات وطوائف ولم يكن بد من التوريث ، والناصريين - إلا قليل منهم - أدعياء شرف .. ومصطفى بكري يعتبر مثالا واضحا للحالة التي تندفع في الهجوم والمعارضة ولكنها ترحب بأن تتلقى الدعم من القذافي أو ممن يدفع حتى لو كان زين العابدين بن علي .. وانتظروا يوم توريث القذافي لابنه سيف الإسلام .

لم يكن ذلك يمثل خطرا .. ليس في مصر أحد - تقريبا - إلا ويعرف فعل المنافقين ، وما كان المنافقون يوما يستحقون بذل جهد لبيان نفاقهم وكذبهم ، والمصريون - رغم كل شئ - شعب جيد الفهم وهو يعبر عن فهمه هذا بالسخرية اللاذعة والنكتة القبيحة - أحيانا - .

الخطر ظهر في شئ جديد ، في صوت جديد من المعارضة انطلق قويا صارخا هادرا ، تمثله جريدة الدستور بقيادة إبراهيم عيسى ، مثل ظهور هذا الصوت متنفسا جديدا رفع من سقف النقد وحدة المعارضة في كل مصر ، وإبراهيم عيسى وأمثاله أشخاص حتى الآن لا يُشك في حرصهم وإخلاصهم ووطنيتهم قيد شعرة .. رغم كثير من علامات استفهام تتقافز كل حين .

مع استمرار إبراهيم عيسى في الكتابة بنفس الحدة والجرأة والقوة صار رمزا ، وبدأ يظهر نَفَسه الشيعي الواضح ، أنا هنا لا أتهم ولا أشكك ، لكن الحقيقة بوضوح أن إبراهيم عيسى يميل إلى الشيعة وإن لم يصرح بهذا وإن لم يبدر منه نحو أبي بكر وعمر أية إساءة صريحة - هناك بعض التلميحات الضمنية لكن دعنا نحسن الظن ونقول إنه سبق قلم أو زلة لسان أو حتى أشياء غير مقصودة ويمكن أن تؤول على محمل حسن - لكن هجومه على معاوية وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ، وهجومه على صحيح البخاري والتشكيك فيه ، وأسلوب مقالاته عن الحسين وكربلاء ، ثم كتابه رجال بعد الرسول وحلقاته التلفزيونية على دريم ( رجال بعد الرسول - وفاطمة وعائشة - والفهرس ) .. كل هذا لا يدع مجالا للشك أبدا في انحيازه إلى الفهم الشيعي .

يمكن أن يفسر كل هذا في إطار المؤامرة بصناعة رمز شيعي .. وهو تفسير يجيب فعلا عن علامات استفهام كثيرة أهمها مثلا : كيف تصدر وتستمر جريدة بمثل درجة المعارضة هذه في مصر مبارك ؟ ولماذا ارتفع الآن في مصر السنية أصوات شيعية وأصبحت تحظى بظهور إعلامي يثير الريبة ؟ وكتب الشيعة التي تزيد وتنتشر .. إلخ .

ولا يمكن أن يتم هذا في مصر بدون رعاية من أمريكا ، فمصر التي تسيطر عليها المخابرات الأمريكية من الرأس وحتى القدم - كما قال بوبو وود وارد نقلا عن مصادر في CIA - لا يمكن أن تتم فيها حركة بمثل هذا الوضوح بدون أن يكون اللاعب الأساسي صاحب التخطيط هو الأمريكان .

إن هذا التفسير - الذي أطرحه الآن كنوع من التفكير بصوت عال ولا أتبناه إلى هذه اللحظة - هو ما يفسر وجود واستمرار جريدة الدستور ، ووجود واستمرار إبراهيم عيسى .

لم يكن صعبا - في تلك الأجواء - أن تتخيل شخصا كإبراهيم عيسى ( وأعيد التكرار أني لا أشك في إخلاصه أو وطنيته ولا أعتبر بالضرورة أنه يعلم بأنه جزء من لعبة ) وهو الصوت القوي المسموع ماذا يمكن - بهذا الفكر - أن يقول في لحظة التوريث .. سيقول ولاشك في معاوية مالم يقله مالك في الخمر .

وجدت بداية لهذا الكلام في مقاله بالدستور الأسبوعي بتاريخ 11/10/2006 إذ كان هدف المقال هو سب المغيرة بن شعبة على اعتبار أنه صاحب فكرة التوريث وهو من أوحى بها إلى معاوية ويزيد رغبة في أن يبقيه معاوية واليا على الكوفة ، وفي إطار هذا الهجوم حكى القصة المعروفة عن اتهام المغيرة بالزنا وهي القصة التي تحكي كتب التاريخ تفاصيلها بما يبرئ المغيرة ويخلي ساحته .. لكنه رواها بما يوحي أن الصحابي المغيرة بن شعبة كان يزني في الطريق العام ويراه الناس حال الزنا ، وطال هجومه - بالتبعية - سيدنا عمر لأنه ، في رأي عيسيى ، ظل يحاصر شهود الزنا حتى أربكهم وتراجع أحدهم عن شهادته فتمت براءة المغيرة .. وادعى - كذبا وزورا - أنه ينقل عن الطبري وابن كثير .. وهو ما دفعني لأوضح كذبه المتعمد في مقال إبراهيم عيسى ينتحر ، ثم كان لابد من بيان أنه لا علاقة أبدا بين فكرة التوريث وبين المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في مقال هل كان المغيرة صاحب فكرة التوريث ؟ .

ولكن بما أن الموضوع طرح فعلا ولو قبل وقته فكان من الواجب حتما أن تكتب القراءة الموضوعية لحدث التوريث نفسه ، بما يحقق نزاهة المؤرخ المحايد وسيثبت - وقتها - أن معاوية رضي الله عنه لم يكن يورث الخلافة طمعا في شهوة الحكم له ولأولاده بل لأن ذلك ما تفرضه اللحظة فعلا وما يحقق مصلحة الأمة .. ولست أدعي بالطبع أني صاحب أي سبق في هذا اللهم إلا البحث في الوقائع والاستنباط من بعضها ومحاولة قراءة بعض حوادث التاريخ من هذه الزاوية ، وأنا في كل هذا طفل أتقلب على ما تركه الشوامخ من كتابات .

انظر : هل كان معاوية مجرما حين ورث الخلافة ليزيد ؟

وهذا المقال هو الذي تلقيت عليه ردودا وملاحظات وتعليقات وجدت نفسي مضطرا إزاءها لإعادة بيان وتوضيح بعض الأفكار .. فكان الجزء الأول لخصت فيه ماسبق ، ثم الجزء الثاني لبيان بعض الوقائع التاريخية المنفصلة تماما عن معاوية والأمويين سواء بالزمان أو بالنسب التي تثبت كذلك أن قانون العصبية كان هو قانون هذه الأيام .. وهذا الجزء الثالث وألأخير بإذن الله .

****

1- مالهدف من هذه المقالات ؟

* هذه المقالات لها هدفان :

الأول : هو إظهار فضل سيدنا معاوية - رضي الله عنه - ونفي الهمة عنه وشرح الظروف والملابسات التي حكمت لحظة التوريث .. وهذه قضية تاريخية يمكن الحديث عنها في أي وقت وبمناسبة أو بدون .

أما الثاني : وهو الذي فرض التوقيت فهو إثبات أنه لا علاقة أبدا بين التوريث الذي يراد له أن يتم في مصر في القرن الخامس عشر الهجري ، وبين ما تم من توريث في عام 60 هجرية .. لا الزمان هو الزمان ، ولا الظروف هي الظروف ، ولا الدوافع هي الدواقع ، ولا مقارنة بين صحابي وملك عظيم وبين ديكتاتور مشكوك أصلا في ولائه للوطن والأمة ، ومقطوع - لا مشكوك - بأنه مصلحة البلاد لا تمثل عنده أولوية .

وبإثبات عدم العلاقة نفهم التاريخ أولا ، ثم ينتفي مبرر المنافقين ، ويتنفي كذلك - وهو الأهم - مُستند المعارضين سواء كانوا شيعة أو سنة أو علمانيين أو لادينيين .. ولكل منهم في سب معاوية غرض ، فإن اختلفت أغراضهم فقد اجتمعوا في تلك النقطة .

وإني لأدري أن ما أكتبه ليس مشهورا أو منتشرا أو له جمهور عريض ليحقق تلك الأهداف ، ولكن حسبي أن هذا ما أستطيعه ، وهو الذي سأسأل عنه أمام الله .

2- كلامك هذا يؤكد نظرة بعض العلمانيين بأن عصر الخلافة الراشدة فلتة لن تتكرر .

لا يمكنني ولا يمكن لأي مسلم الادعاء بأن عصر الخلافة لن يتكرر ، كيف ولدينا الحديث الصحيح ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على مناهج نبوة ” .

الذي قلته صريحا في كلامي أن عصر الخلافة الراشدة كان عصر استثنائيا بالنسبة لهذا الوقت من التاريخ ، وهو لهذا يصلح لأن يكون أفقا ترنو إليه كل العصور اللاحقة ، وحيث أنه ثبت بالوقائع التاريخية أن مسألة العصبية هذه كانت قانونا يحكم العلاقة بين الجميع ، وثبت بالواقع كذلك أن هذا لم يعد موجودا في عصرنا الحديث - ولللإنصاف : ما عدا بعض المناطق والدول - فإن تحقيق الشورى وتداول السلطة السلمي وتولية الأكفأ هو ما يجب أن يكون وما يجب أن نجاهد لأجله .

بل يمكنني أن أتقدم خطوة للأمام فأقول :

إن عصر الخلافة الراشدة لظروف زمانه ومكانه لم يستطع أن يُشرك كل الدولة الإسلامية في اختيار الخليفة ، واقتصر هذا الاختيار على العاصمة والتي كانت المدينة المنورة ، وهذا كان أفضل المتاح وقتها ، ولم يكن من الممكن أبدا استطلاع رأي الجيوش الإسلامية والتي تبعد عن مقر الخلافة شهورا ولا حتى الولاة الذين يحكمون الأمصار .

إنه لا عاقل يقول استنادا لهذا الواقع التاريخي بحرمان الناس في المحافظات والأقاليم الآن من المشاركة في الانتخابات لأن الخلافة الراشدة لم تفعل هذا ، فالخلافة الراشدة أقرت مبدأ الشورى والاختيار السلمي وتولية الأمر للأكفأ ولم تستطع أن تحقق انتخابا يشمل كل الدولة الإسلامية ، ومجنون من يطلب منها ذلك وأشد منه جنونا من بنتقدها لظرف خارج عن إمكانيات العصر .

لقد وصل إلى خالد بن الوليد قائد جيش الشام خبر وفاة أبي بكر وتولية عمر وعزله هو عن قيادة الجيش في رسالة واحدة ومع رسول واحد هو أبو عبيدة بن الجراح القائد الجديد .. فهل لم يكن خالد بن الوليد مثلا أهل لكي يُستشار وينتخب ويدلي برأيه فيمن يكون الخليفة الجديد ؟؟ بالطبع لا .. ولكن واقع الأمر أدى إلى هذا .. أدى إلى أن تكون الشورى محصورة في أهل العاصمة ، ولا يجوز الآن في عصرنا الحديث أن نقف عند هذا ونوقف التطور والتاريخ .

عصر الخلافة الراشدة أثبت وقرر مبادئ الشورى وتولية الأمر للأكفأ .. والوسائل متروكة لأهل كل عصر .

3- بدا من كلامك أن الإسلام يقر التوريث .

دعونا الآن من كلامي فلست أهلا للفتوى بحال ، ولكن في ظل ما أفهمه وما قلته أنفي أن أكون قلت هذا .

ما أفهمه أن الإسلام يقر مصلحة الأمة ، فإذا لم تكن هذه المصلحة متحققة إلا بالتوريث في لحظة معينة وظروف معينة فأستطيع القول أن الإسلام يقر هذا التصرف في هذه اللحظة ، لأن الإسلام منهج واقعي وليس مثاليا وهو منهج نعرف من أحكامه وقواعده ” دفع المضار مقدم على جلب المنافع ” و ” رتكاب أهون الضررين ” ونعرف منه ” مقاصد الشريعة ” و ” اعتبار المآلات في الحكم على الأعمال ” .. إلخ

ولذلك فإن المسلم ليس مطالبا بغباء أن يفعل المثالي ولو أهلك نفسه وأهله دونه ، بل توازنات الواقع معتبرة في الأحكام فيجوز له أكل الميتة ولحم الخنزير إن لم يجد غيرهما مثلا .. وهذه واقعية الإسلام ومرونة أحكامه .. ثم إن كل هذا يجوز أن نختلف فيه ونتناقش حوله ، لكن الدليل الأوضح والأظهر والقاطع لكل حجة هو سكوت الصحابة وكبار التابعين عن هذا - فيما عدا اثنين - وهم خير القرون كما قال رسول الله فيهم ، ولا يُظن فيهم إلا الخير ، ولا يتوقع أنهم سكتوا على “منكر” كانوا يستطيعون تغييره ، أو سكتوا على “خير” كان يمكنهم فعل ما هو أفضل منه .

إن في هذا لدليل على أن ما تم كان أفضل حل متاح وقتها ، ولا يمكن أن نسير خلف روايات مكذوبة توحي بأن الساكتين سكتوا خوفا من السيف والقتل ، فتلك تهمة ننزه عنها صحابة رسول الله وكبار التابعين ، وهم الذين ما بخلوا يوما بقطرة دم واحدة لصالح عزة الإسلام والمسلمين .

4- بدا من كلامك أنه لم يكن هناك حل آخر .

نعم ، قصدت أن اقول إنه لم يكن هناك حل آخر ” أفضل ” ، ومن رأى حلا أفضل فليخبرنا به ، ثم ليجب عن تفسير كل ماذكرناه حول قوة العصبية وكيف كان يمكن معالجة هذا الوضع .

ثم عليه وهو يفكر أن يحترم التاريخ ويحترم العمالقة أطراف الحدث - وهم الصحابة والتابعين - ، ليعلم أن الأمر لم يكن سهلا بسيطا كشأن حل مسألة رياضية .

إن إنسان كل عصر يأتي بعد بضعة أيام ليراجع قرارا اتخذه قبل أيام ، أو كما قال الثعالبي - فيما معناه - : ” لا يكتب كاتب شيئا في يومه إلا أحب في غده أن يغير منه فيقول لو قدمت هذا لكان أحسن ، ولو أخرت هذا لكان أفضل … ” ، فهل إنسان كهذا يستطيع أن يفكر في حل لمشكلة قبل 15 قرنا ، كان أطرافها أفذاذ الأمة وخير قرونها ؟؟

5- فعل الصحابي معرض للصواب والخطأ فهو ليس بمعصوم .

وما قلت غير هذا .. لكن الغباء كله والظلم كله والتجني كله أن نرفع هذا الشعار لنصم كل تصرف لم يعجبنا أو لم نرتح له بأنه خطأ .

الصحابي ليس بمعصوم ، هذا حق ، ولكن ليس معنى هذا أنه مخطئ على طول الخط لا يعرف له الصواب طريقا .. إذا قلنا إن معاوية ليس بمعصوم فلا يجرنا هذا إلى أن حياته كانت مجموعة من الأخطاء ، ولا تفسر كل أفعاله تحت راية ” عدم العصمة ” .

كل تصرف يحلل وحده ، ويوزن وحده ، ويفسر في سياقه التاريخي والمكاني ، وفي حالة الصحابي يظلل بحسن الظن .. ثم يكون الحكم على التصرف بالصحة أو الخطأ .. فإن كنا نناقش موضوع ” التوريث تحديدا ” فإن تخطئتنا لفعل ” التوريث ” نفسه يجرنا لرمي كل الجيل بالخطأ ، وهذا في حقهم جميعا محال .

انتهى بحمد الله .