السبت، ديسمبر 08، 2007

معاوية والتوريث مرة أخرى 1/3

منذ كتبت موضوع “ هل كان معاوية مجرما حين عهد بالخلافة ليزيد ” وأنا أتلقى عليه ردودا وملاحظات منها ما كُتب على المدونة ومنها ما وصلني على البريد الإلكتروني ومنها ما قيل لي مشافهة .. وهو موضوع ، وإن لم يتيسر له النشر - كما توقعت - على ما أعلم ، إلا أن الله كتب له الانتقال على مواقع ومنتديات ومدونات أخرى أكثرها غيّر العنوان اتساقا مع رؤيته .

حتى كان الأمس الذي وجدت فيه قَدَرا رد من أخي الحبيب ورفيق الدراسة والسكن المهندس وليد الشاذلي على منتدى موقع قصة الإسلام ، فأثار هذا الرد كتابة “ذيل” للموضوع ، والذيل تسمية يعرفها المشتغلون بالتاريخ وهي ترادف كلمة ” ملحق ” بتعبيرات العصر الحديث ، ثم كان أن رفض الموقع تسجيل دخولي - لخلل فيه - وكذلك سيتناول ردي مالم يتناوله أخي وليد .. فقلت : أضعه في المدونة .

1)

كان ملخص فكرة المقال الأصلي كالآتي :

1- محاولة فهم تاريخ الصحابة تختلف عن غيرها في أننا نعرف أن الصحابة هم خير الناس عند الله - بعد الأنبياء - وبالتالي فإن تفسيرنا لتاريخهم يجب أن يحمل الحد الأقصى من حسن الظن ، دون أن يحول هذا من أن نناقش تاريخهم ونعرف من الذي أصاب ومن الذي أخطأ فهم بشر يتناولهم الحطأ ولا عصمة إلا للأنبياء .

2- من واجب الباحث في قضية التوريث - تحديدا - أن يفكك الحوادث لينظر إلى ” التوريث ” بتجرد ونزاهة ، وهذا لا يتأتى لو أن الباحث استصحب معه حين النظر في مسألة التوريث ماكان من فتنة بين عليّ ومعاوية قبل عشرين سنة من التوريث ، أو ما حدث بعد التوريث من استشهاد الحسين رضي الله عنه وموقعة الحرة .

3- شهادة التاريخ تقول بأن كل البشر إلى ما قبل مائتي سنة لم يتوصلوا إلى نظام حكم أفضل من ” التوريث ” حيث كانت تتولى الكم عائلة أو قبيلة ويطرد الملك فيها بالوراثة .. ولم تنشأ حضارة إلا في ظل هذا النظام ، بل ولم تنشأ امبراطورية على مر التاريخ إلا تحت هذا النوع من الحكم .. والفترات التي لم يوجد فيها هذا الحكم الوراثي كانت أحد نوعين : إما ديمقراطية على رقعة محدودة من الأرض مثلما كان في مدن اليونان القديمة وفي عصر الخلافة الراشدة ، وهذا النوع يختفي حين تتسع الامبراطورية ، وإما فترات اضطراب ينتج عنها ضعف الدولة وتمزقها مثلما كان عصر المماليك إذ لم يكن هناك حاكم إلا الذي يستطيع قتل الحاكم ثم يحكم مكانه .. وتتوالى متسلسلة قتل الحاكم ليصعد التابع فيصير حاكما فيقتله تابع له .. وهكذا .

4- شهادة التاريخ هذه تثبت أن فترة الخلافة الراشدة كانت استثناءا في مسار التاريخ البشري ، وهي تصلح لأن تكون دائما أفقا ترنو إليه الشعوب وتحاول تحقيقه بما يستجد في يدها من وسائل ، وهذا الاستثناء هو ما يسميه حكيم التاريخ ابن خلدون بقوله : كانوا - أي الراشدين - حين لم تحدث طبيعة المُلك وكان الوازع دينيا .. ويستنتج ببراعة عز نظيرها قوله هذا من كلمة علّ رضي الله عنها لما سأله واحد من الناس : لم تحدث الفتن على عهدك ولم تكن على عهد أبي بكر وعمر ، قال علىّ : لأنهما كانا واليين على مثلي وأنا وال على مثلك . يقول ابن خلدون ” يشير إلى وازع الدين ” .

5- وليس نظام التوريث سببا للتخلف والتراجع الذي حدث للأمة فالواقع أن الأمة بنت حضارتها في ظل هذا النظام واتسعت - كما لم تفعل أمة من قبل - تحت هذا الحكم الوراثي ، ولسنا بدعا من الأمم في هذا ، فالواقع أن الأمم التي احتلتنا وقهرتنا وهزمتنا كان يحكمها أيضا النظام الملكي وقت أن هزمتنا واحتلت بلادنا .

6- وضربنا على هذا أمثلة من التاريخ كثيرة ، بطول التاريخ وبعرضه .. أي بالسرد ثم بالوقوف والتأمل في لحظة التوريث نفسها ..

7- فسرد التاريخ يقول بأن العصبية كانت عاملا قويا بل الأقوى في تلك الفترة إلى الحد الذي فسّر به الصديق أبو بكر حديث النبي ” الخلافة في قريش ” بأن قريشا ” هم أوسط العرب نسباً وداراً ” ، وكانت العصبية نفسها هي التي وضعها الأنصار في بالهم حين خافوا أن يتولى الأمر قرشي ينتقم من الأنصار لما كان منهم من قتل القرشيين في غزوات النبي .

8- وتعصب بنو سعد لمجرم منهم وكانوا على استعداد لمحاربة أم المؤمنين وزوجة النبي واثنان من العشرة المبشرين بالجنة وتجمعوا في 6 آلاف رجل ، واستعدوا لهذه الحرب ، فانظر كيف كان الوازع العصبي قويا حتى على الوازع الديني .

9- واستنتجنا من الاختلاف بين موقف عمر - رضي الله عنه - لما رفض تماما أن يتولى الخلافة أحد من قومه ، وبين موقف علي - رضي الله عنه - الذي لم يجد غضاضة في أن يتولى الخلافة من بعده ابنه الحسن ، وبين الموقفين سبعة عشر عاما حافلة بما جرى للناس من نقص الوازع الديني - بتعبير ابن خلدون - وباتساع الامبراطورية الإسلامية .

10- وقلنا إن عصبية معاوية كانت أقوى وأنفع له مع أنه كان يطلب القصاص لدم عثمان ولم يكن يطلب الخلافة ، على عكس عصبية عليّ التي كان يزداد تفرقها عنه يوما بعد يوم مع أنها كانت تحمل عبء الخلافة .

11- لقد كانت عصبة بني أمية هي الأقوى وهي الأقدر على تولي الخلافة والحفاظ عليها ، وثبت هذا عبر تاريخها كله واستطاعت تلك العصبة أن تستعيد الخلافة من يد ابن الزبير الذي دانت له كل الأمصار - ما عدا قطعة من الشام - فما استطاع أن يحافظ عليها بل ظلت تتساقط على يد بني أمية حتى قُتل ، وقد تخلى عنه بعض بنوه !.. ثم فيما تلا هذا من ثورات ضد الأمويين .

12- وقد كانت العصبية في ذلك الزمان من القوة بحيث لم يستطع سليمان بن عبد الملك تغيير نظام الحكم وإعطائه لعمر بن عبد العزيز إلا بالحيلة ، ثم ما استطاع عمر بن عبد العزيز أن يغير نظام العهد بالحكم وصرح بهذا فعلا فقال : ” لو كان لي من الامر شيء ما عدوت بها القاسم بن محمد ” .

13- وما أدل ولا أوضح ولا أسطع على قوة العصبية من تمكن عبد الرحمن بن معاوية من إقامة دولة أموية بالأندلس ولم يكن يملك إلا نسبه للبيت الأموي ، هذا النسب هو الذي استطاع به أن يجمع به العصبيات ثم يحكم الأندلس .

14 - وإذا لم يعارض فكرة التوريث هذه إلا اثنين فقط : الحسين وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - فإن الأولى أن نفهم أنها كانت حلا أمثلا لتجنب الفتن بين المسلمين .

هذا ملخص ما كان في المقال السابق ، وقد كان التذكير به ضروريا لندخل إلى الجديد في الموضوع والذي أثاره عندي الردود والملاحظات .


اقرأ:

معاوية والتوريث مرة أخرى 2/3

معاوية والتوريث مرة أخرى 3/3

———————–

** أعتذر لكل إخواني الكرام والزوار عن التوقف - مؤقتا بإذن الله - عن كتابة ” تبسيط أصول الفقه ” وذلك حيث أني في سفر وليس بيدي المراجع والمصادر .. ولا الوقت .. وهذا السفر هو من متطلبات عنوان المرحلة ، وعسى من يسامحني في التوقف أن يسامحني كذلك في عدم التفاعل مع الردود .. بارك الله بكل من استوقف من عمره لحظات ليمنحني فيها ردا ، وذلك والله عندي كبير .. وبارك الله بكل من قرأ وضن بلحيظات عمره أن يضيعها في الرد فذلك ما أرضى به ولا أحزن له .. إنما مالا أرضى به ويحزنني أن ينساني أيهما ولو بدعاء لا يزيد عن كلمة .

** ذلك الموضوع بدأت في كتابته منذ ثلاثة أسابيع وانتهيت من جزئه الأول اليوم .. وفي تلك الأسابيع كنت أتذكر الحديث : ” اغتنم خمسا قبل خمس : … وفراغك قبل شغلك “