الثلاثاء، نوفمبر 22، 2005

الفن الإسلامى والإعلام

مازلت منذ فترة أنتقد الفن الإسلامى بشدة ، واراه حاصرا نفسه فى قضايا فلسطين ، او أناشيد الرقائق عن الموت والقيامة وخشية الله وعظم الذنوب .... إلخ .

وادعو لاستخدام الموسيقى ، التى تعطى للحن مساحات واسعة من الإبداع والتحسين والتنويع ، بدلا من الآهات وأصوات الأمواج أو زقزقة العصافير التى يستخدمها الإسلاميون فى أنا شيدهم .

كان هذا رأيى قبل ثلاث سنوات ، أما الآن فإن متغيرات كثيرة طرأت على الظروف .

فقد اكتشفت من خلال الملاحظة والتفكير ، أن جمال الأنشودة أو الأغنية واستقرارها فى أسماع الناس لايعود بالضرورة إلى كفاءتها الفعلية ، بل إلى وجود إعلام لايتوقف عن سكبها ليلا ونهارا فى آذان الناس ، وكثيرا ما كنت اسمع الأنشودة أو الأغنية لأول مرة فلاتعجبنى بل قد أنفر منها ، فإذا تكررت على سمعى أكثر من مرة بدأت أتقبلها ، فإذا استمر التكرار أحببتها وتعلقت بها .

وصدق المثل المصرى القائل ( الزن على الودان اقوى من السحر ) .

وفى هذه الفترة الأخيرة التى شهدت خروج كمية كبيرة – نسبيا – من الأناشيد الإسلامية الجميلة بل الرائعة صوتا ولحنا وأداءا ، لكنها لم تخرج أيضا خارج دائرة الإسلاميين أنفسهم .

هى ذات الفترة التى شهدت خروج كمية مهولة من الأغانى الردئية ( لا أقصد المعانى والقيم ، فهى ردئية منذ بدأت ) فى اللحن والأداء ، لكن استمرار وجودها فى حياة الناس ، وظهور القنوات الغنائية التى لاتقدم على مدار الساعة سوى أغان فقط ، كل هذا جعل لها شعبية وانتشارا وتعلق بها الشباب والكبار وغيرهم .

إذن .. لايرجع انحسار الفن الإسلامى فى إمكانيات الأغنية ، بقدر ما يرجع إلى عدم وجود القوة التى تبلغه إلى آذان الناس .

بل طرأ على هذا متغير آخر أكثر أهمية فى الوقت الحالى : وهو تغير الأغنية وانتقالها من دائرة الصوت إلى دائرة الصورة ، والفيديو كليب ، حتى كاد هذا الوضع يلغى تماما فكرة استعمال شرائط الكاسيت ، والتى تبدو ذاهبة إلى الانقراض بخطى ثابتة فى ظل الانتشار الغير معقول لأعداد الذين يمارسون الغناء ، والزيادة الرهيبة فى عدد الأغانى التى تنتج فى السنة الواحدة ، والتى تتبعها زيادات فى شركات الإنتاج والوسائط المختلفة .

هذه الزيادات التى تزامنت مع وجود الانترنت والقنوات الفضائية ، أتاحت للناس مواقع غنائية متخصصة ، يستطيع أى إنسان أن يحتفظ بأى أغنية شاء على جهازه الخاص ، بمبلغ مجانى تقريبا ، بدلا من شراء شريط الكاسيت الذى لايريده فى الغالب إلا لأجل أغنية واحدة .

ومع انتشار أجهزة المحمول التى يمكنها عرض الفيديو ، واجهزة التسجيل الصوتى مثل الـ MP3 ، فإن المستقبل سيشهد تراجعا كبيرا ، لا ابالغ ان قلت انقراضا تاما لسوق الكاسيت ، فى ظل الفوضى القانونية المتصلة بحقوق الملكية الفكرية فى العالم العربى ، وحقوق النشر على الانترنت .

لعله السبب الرئيسى بنظرى فى انحسار الفن الإسلامى فى دائرة الإسلاميين – على روعته وقوتة التى انتقل لها فى الفترة الأخيرة – هو ان هذا الفن لم يتم تصويره كفيديو ، ولم يعرض على الناس التى بدأت تنتقل إلى دائرة الصورة المتحركة .

لعل الفارق بين تجربة سامى يوسف ، ومصطفى محمود توضح ما أريد .

ظلت أناشيد مصطفى محمود وهو الشاب الذى كان يهوى الغناء ، ثم تاب الله عليه ، فبدأ يغنى للإسلام بخبرته التى لم تتكون فى ظل النشيد الإسلامى القديم الذى كان يقدمه ابو مازن وابو عابد وأبو راتب .. فبدا بخبرته وحده من الصفر فى إنتاج أغانى إسلامية ، وبالفعل خرجت أناشيد مصطفى محمود تحمل نهكة جديدة لم يتعود عليها غالبية الإسلامييين ، فمنهم من رفضها ، لكن الأغلب كان مرحبا بها ، وكان فريق الوعد الذى كونه مصطفى محمود أحد ابرز الفرق الإسلامية التى تحييى الأفراح ، وأغلاها سعرا .

مع كل هذا ، ظلت دائرة مصطفى محمود هى الإسلاميين فقط ، مع استثناءات طبيعية خارج هذا النطاق .
لكن ، تم تقديمه للجمهور العام ، فى حفل ختام المرحلة الأولى من برنامج – مشروع ( صناع الحياة ) الذى يقدمه الداعية الأشهر والأكثر تأثيرا : عمرو خالد ، وغنى مصطفى محمود أغنية ( قلب كبير ) التى يحمل ألبومها نفس الاسم .

وفى نفس الحلقة ، خرج إلى الوجود لأول مرة ، بدون أى سابقة غنائية معروفة المنشد سامى يوسف ، وغنى أغنيته الشهيرة ( المعلم ) فى نفس هذا الحفل .
ما كاد فيديو المعلم ينتشر على الفضائيات إلا وانقلبت الدنيا تجرى وراء سامى يوسف ، الذى تحول فى هذا العام إلى أفضل مطرب أجنبى فى استطلاع أجرته مجلة الشباب المصرية ، وانتشرت أغنيته على الفضائيات بشكل مذهل ، وبشكل أكثر إثارة للذهول على نغمات المحمول ، وصارت من اكثر الأغانى المطلوبة على كل المواقع الغنائية تقريبا ، واحيا سامى يوسف بعدها بشهور حفلات فى وسط القاهرة وفى أفخم فنادقها وكانت أسعار التذاكر عالية جدا بالنسبة لدخل الفرد فى مصر ، وبدأ سامى يوسف ينتشر حتى على قنوات التليفزيون المصرى ، واستضيف فى أشهر برنامج على التليفزيون المصرى فى أول أيام رمضان ( البيت بيتك – رمضان 1425 ) ... فى ظاهرة لفتت نظر كل المتابعين للغناء ، وبدأ جميع الغنائيين – تقريبا – يفكرون فى إنتاج أغانى إسلامية ، وقد كان بالفعل .

وصار سامى يوسف لفترة كبيرة من الوقت حديث الصحافة المصرية ، وصارت الجماهير تترقب ألبوماته ، وتتلقفها كلما خرجت إلى النور .

فى حين ... نسى الجمهور تقريبا مصطفى محمود ، واغنيته الرائعة ( قلب كبير ) رغم أنها الأقرب إلى النغم الشرقى ، كما أنها باللغة العربية التى يفهمها كل الشعب المصرى .

الفارق الوحيد تقريبا : أن مصطفى محمود لم يسجل أى من اغانيه فيديو كليب .

ومازال مصطفى محمود ينتشر فى داخل أوساط الإسلاميين .

لكن ايضا : هناك بالفعل بعض الأناشيد التى تم تصويرها بالفيديو كليب – رغم قلتها – ولكنها لم تنل كل هذه الشهرة ولا نال أصحابها كل هذا القبول لدى الجمهور العادى .. لماذا ؟
وهو سؤال لا شك فى وجاهته ، لكن إذا كانت هذه الأغانى القليلة ، لاتذاع إلا على قنوات محددة وامام بحر متراكم الأمواج من الأغانى الساقطة ن فاحتمالية الوجود والتأثير مازالت ضعيفة ... لكنها بغير شك قابلة للتطور والزيادة .

وإذا كنا مازلنا لم نخرج إلى مرحلة تصوير الفيديو كليب فى عامة الأناشيد الإسلامية ، فإن أمامنا بالتالى فترة أطول حتى نثبت الوجود أولا على ساحة الغناء ، ثم نبحث حبنها فى مسألة الترتيب والتنسيق بين الفن الإسلامى ، وكيف نخطط حينها لمواجهة منظمة مع الفن الساقط .

ثم إن لدينا تراثا عريقا من اناشيد الجهاد والتضحية وقضايا المسلمين ، وهذه الأناشيد برغم اختلاف أسلوبها ، وضعف إمكانياتها ، إلا أنه لو تبناها إعلام قوى ، استطاع تبليغها للناس ، فسيكون لها جمهور عريض ، كما تربى عليها بالفعل جمهور عريض من الإسلاميين مازالوا يعشقون غناء أبى مازن وابى عابد وأبى راتب وابى زياد ... وغيرهم وغيرهم .

من هنا ، فإنه يجب أن نسأل : ماهى المعوقات الحقيقية والقوية التى تعوق دون تصوير الأناشيد الإسلامية كفيديو كليب ؟؟؟؟

او يمكننا أن نفكر بطريقة أخرى ، لكى نثير الجميع لتصوير أغانيهم ، وهى إنشاء فضائية للإنشاد الإسلامى ، ومعلوماتى المتواضعة تقول إن هذا ليس بالأمر العسير تقنيا ولا فنيا ، لكنها لاشك ستصنع الثورة الفنية الإسلامية .. وإذا كنا نعانى فى أول الأمر من قلة الأناشيد المصورة ( وهى بالمناسبة ليست قليلة ابدا .. فلدينا كمية قوية جدا كبداية تستطيع ملء اسبوع من البث دون تكرار ) ، فلامانع من ملء باقى الوقت بالبرامج التى تناقش الفن الإسلامى ومشاكله وقضاياه ، وتستضيف المنشدين الإسلاميين ، وتعرف بتاريخ الفن افسلامى وأبرز رواده ... وكل هذه أمور بسيطة لن نعدم صحفيين ومعدين ومنتجين لها .. لأن تكلفتها قليلة .

ويمكننا كذلك – بل أراه واجبا علينا .. لكن حتى لو اختلفنا فلنؤجل هذه النقطة – أن نستعين بالأغانى التى غناها أى احد مادامت لاتحمل حرمة ، مثل الأغانى الوطنية والدينية لكثير من المطربين العاديين .

وبذلك يستطيع الفن الإسلامى أن ينهض نهوضا كبيرا وسريعا ومؤثرا ، ويجذب قطاعا عريضا من شباب تائه عن نفسه وعن مصيره وعن قضايا بلاده .

20/3/2005