الأربعاء، أبريل 26، 2017

ألا أدلكم على مسلسل.. أحلى من أرطغرل

لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال الذي تلوح وتلح فكرته في رأسي منذ زمن، وذلك أني لا أخوض في نقد شيء أرى أن خيره يغلب شره، إذ ليس من شيء إلا وله عيوب فتلك طبيعة البشر، وطالما يغلب الخير على الشر في شيء فإن التعرض له بالنقد والهجوم هو عادة من عمل المتفلسفة والمُتنخوبة (من النخبة) وهو عادة عمل من يتكسب رزقه من تلقط عيوب الناس. ولست أحب لنفسي ولا لأحد أن يكون بهذه المنزلة.

ثم بدا لي أن جمهور قراء "مدونات الجزيرة" هو في عمومه من الشباب المثقف، وهؤلاء قادرون بسهولة على التمييز بين مراتب النقد ودرجاته، ثم إن هؤلاء من يُعوَّل عليهم في شأن الأمة اليوم وغدا، ومثلهم ينبغي أن يفرق بوضوح بين تاريخ يُقدم في صورة عاطفية شعبية نحرص بشدة أن يسمعها جمهور الناس بينما نتخوف بشدة أن يعتنقها شباب الأمة المكلفون بصناعة نهضتها، وبين تاريخ يقدم في صورته الحقيقة العملية الواقعية الذي يتوجب عليهم أن يستوعبوه بعقولهم قبل عواطفهم.

(1)

بداية فإني لم أشاهد مسلسل أرطغرل إلا بضعة مشاهد، لكني محاط بمن شغف به، وأولهم زوجي الغالية التي تتابعه بنهم، واستطعت من كثرة الحديث مع من شاهده ومن كتب عنه ومن نقاشات أراها على مواقع التواصل أن أكوِّن عنه صورة اختبرتها مع كل واحد منهم على حدة فثبت لي أن تصوري عنه صحيح! لكني أتابع مسلسل "السلطان عبد الحميد الثاني"، والذي هو في نهجه العام لا يختلف عن أرطغرل.

هذا النهج هو حديثنا في هذه السطور..

أعظم ما في المسلسلين هو هذه الصورة البصرية المبهرة المتقنة، وتلك الرسائل السياسية والحضارية والقيمية التي يحفل بها النص المكتوب، ولست أشك أن الذي يكتب هذه النصوص على وعي قوي بأحوال السياسة وقيم الإسلام فضلا عن التاريخ طبعا، فبعض الكلام يستحق أن يكون نصا موضوعا أمام المتحدث الرسمي السياسي للدولة العثمانية. ولا شك أن النص بطبيعته يخدم أهدافا بعينها، ومن ثَمَّ فليس من نص أعظم ولا أجل من نص يستهدف الدفاع عن الإسلام وتاريخه وترسيخ قيمه ومبادئه وتحبيب الناس فيها ونشرها بينهم.

لكن الذي يعيب هذا النهج هو التركيز التام على شخصية البطل وكأنه محور الأحداث وصانعها مع تهميش لكل من عاداه، ونحن لن ندخل الآن في نقاش مدى صدق المسلسل في نقل التاريخ، ولكن نريد أن نقول بوضوح أن الأمور لا تجري هكذا، فمع ما للبطل من أهمية كبرى في سياق الحدث التاريخي إلا أنه لا ينفرد به مهما بلغ من شأن، ولو كان هذا لأحد لكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل البشر قاطبة وأكرمهم على الله، إلا أن الله قال له (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، وقال له (فبِما رحمة من الله لِنْتَ لهم، ولو كنتَ فظَّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك)، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم القائل "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون.. الحديث".

بل إن من سوء القيادة ألا يكون الذين حول القائد قادة، بل وهي علامة انهيار (وأخطر ما يؤرق الحريصين على التجربة التركية الآن هو ما بعد أردوغان)، وبغض النظر تماما عن تقييم شخصية عبد الحميد الثاني تاريخيا إلا أن المسلسل يقدم شخصية تفهم في كل شئ وتقوم بكل شيء وسائر من حوله منفذون منبهرون به.

كذلك يعيب هذه المسلسلات نهج المؤامرة، ويقال فيها ما يقال في تعظيم البطل أيضا، فالمؤامرة حقيقة قائمة وهي من بديهيات الحياة عامة ومن بديهيات السياسة خاصة، لكن الأعداء لم يُؤتوا قدرات خارقة تجعلهم قادرين على تدبير المؤامرات المركبة التي لا فكاك منها بحيث لا تفشل واحدة إلا وتكون الثانية في الانتظار ثم بينما تبدأ الثانية تكون الثالثة قد بدأت تتهيأ لمن يفلت من الثانية. واقع الحياة لا يجري هكذا، ليس ثمة أحد بيده كل خيوط الأحداث، وإنما هي عقول تجتهد وتدبر وتخطط، ثم تنجح الخطط أو تفسد أو تنجح جزئيا.. ولولا أن ثمة ثغرات داخل الصف فإنها لا تنجح، ووجود الثغرات في صفنا طبيعي كما أن الثغرات موجودة في صفهم كذلك، وكان في جيش النبي منافقون كما كان فيه من ضعف وانسحب أو تخابر مع العدو متأولا أو غير ذلك.

ربما يكون التبسيط الذي تؤديه هذه المسلسلات مفيدا لعموم الجماهير، لكنه سيكون خطيرا إذا فهم شباب الأمة وطليعتها حركة التاريخ منه.

(2)

أما المسلسل الذي هو أحلى من أرطغرل ومن عبد الحميد.. فليس واحدا، وإنما هم خمسة..

هي تلك الخماسية التي كتبها المبدع الموهوب العجيب بحق د. وليد سيف، وهو أديب شاعر له حظ من فهم التاريخ يفوق به كثيرا من المؤرخين، تلك هي مسلسلات: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، عمر.

وهي –ما عدا الأخير- إنتاج سوري، وأخرجها حاتم علي، ولا تملك الإبهار البصري الموجود في المسلسلات التركية، لكنها تقدم التاريخ كما ينبغي أن يكون.

وليست هذه المرة الأولى التي أكتب فيها عن هذه المسلسلات وأوصي بمشاهدتها، بل لعل بعض الأصدقاء قد ملَّ من كثرة حديثي عنها، ولكني هنا أختصر القول فأشير إلى أمور محددة:

1. قدمت هذه المسلسلات التاريخ بأمانة علمية وانضباط ممتاز لم أره من قبل ولا من بعد في أي عمل فني، حيث لم تلجئ ما يسمونه "الضرورة الدرامية" (في زعمهم) مؤلفها إلى تزوير شيء أو اختراع شيء، بل كافة إضافاته لحبك التاريخ في رواية منسجم مع ما نقله المؤرخون مع اجتهادات سائغة مقبولة في ترجيح رواية أو رؤية على غيرها.. وهذا مع فهم عميق لتاريخ تلك الفترة، وهو فهم لا يتوفر إلا لمن عايش التاريخ بدأب، إذ في هذا الباب تفصيلات دقيقة تسقط في كتابات سائر المؤلفين الآخرين، ما يعني أنك ستشاهد صورة حقيقية ليس فقط لأحداث تلك الفترة بل ستتسرب إليك كثير من تفاصيلها عبر الصورة وأساليب النداء والخطاب وطبيعة العلاقات وحياة المجتمع حينذاك.

2. لم تقع المسلسلات في فخ تقديم صورة الخير والشر بالنقاء المعهود في الأعمال الفنية التي يغلب عليها السطحية، بل قدَّمت صورة الشخصية الإنسانية المركبة والعميقة، التي يختلط فيها خير وشر، فحتى الخيانة لها منطقها ومبرراتها عند أهلها، كذلك القسوة لها مبرراتها، كما للرحمة عيوبها ومخاطرها، والخصوم بشر فيهم البطل الباسل المخلص لعقيدته وأمته كما عندنا الجبان الخوار. في الواقع أنت تشاهد حياة حقيقية، وربما يختلف المشاهدون في تقييم المشهد والواقعة التاريخية، وما إن كان هذا هو التصرف الصحيح أم أنه كان خطأ؟ هل كان معذورا في قسوته أم لا؟ هل كان مخطئا في عفوه ورحمته أم لا؟.. وهكذا!

لم تعظم شأن البطل ليغلب على من حوله، كما لم تنفِ عنه ما هو من عيوبه ووجوه تقصيره، بل ربما كاد كل مسلسل أن يكشف شخصية كانت تعبر عليها الرواية التاريخية كشخصية هامشية، وهذا إنجاز في البحث والتدقيق التاريخي قبل أن يكون إنجازا فنيا.

3. ثم صيغ كل هذا الإبداع الروائي والسرد التاريخي في لغة ولا أروع، لغة عربية فخمة فاخرة جذلة، لغة ساحرة بليغة فصيحة، مع قليل من شعر وأدب وطرائف، وتلك متعة سمعية ونفسية، ويمكن أن تكون بداية الطريق نحو فهم اللغة العربية وإتقانها ومطالعة كنوز الأدب العربي والتراث الإسلامي.

انتهت مساحة المقال ولم ينته ما أحب أن أقول.. فمن أراد مزيدا فلينظر هنا وهنا وهنا..


لكن المهم الذي لا بد من التأكيد عليه، أن مشاهدة هذه المسلسلات تورث عقلا وبعد نظر في طبيعة الحياة والتاريخ، وهي مع كونها قطعة فنية أدبية ممتعة ساحرة فإنها قبل كل ذلك وبعده نظر عميق وفهم دقيق وإدراك سديد لأحوال الزمان والواقع.

الأربعاء، أبريل 19، 2017

لستَ أردوغان الذي نعرفه!

هذا المقال يتحدث عن شريحة تتصدر آلة التوجيه السياسي والفكري في الحركة الإسلامية، هي قليلة بين التيار الإسلامي وأقل منها بالنسبة للأمة، كما أن تأثيرها يزيد ضعفا مع الوقت، إلا أنها لا تزال تملك قدرا كبيرا من التوجيه، وتملك نصيب الأسد في احتكار المشهد الثقافي والإعلامي التقليدي، ونشأت لها طبقة من الشباب تحذو حذوها كذلك، وإن كانت ما تزال ضعيفة.

(1)

كان نموذج أردوغان ملهما لقطاعات من الحركة الإسلامة في العالم العربي، ولا نبعد إن قلنا إنه النموذج المطلوب الذي أحبت تلك الحركات أن تراه.. فمنذ طلَّقت هذه الحركات سبيل المواجهة مع الأنظمة الحاكمة واعتمدت سبيل الإصلاح وهي تتشوق لتجربة تثبت لها أن الإصلاح ممكن من خلال الدخول في العملية السياسية وحدها.

أحبوا أن يغفلوا عن كل الفوارق بين الأوضاع في تركيا والعالم العربي (وأهمها أن تركيا لا تزور الانتخابات، والعسكر فيها يسمحون للإسلاميين بالوصول إلى رأس السلطة قبل أن يقرروا الانقلاب. بينما العالم العربي يطارد من يحفظون القرآن ويقومون الليل في المساجد ولا يعرفون شيئا يسمى انتخابات نزيهة).

أحبوا أن يغفلوا كذلك عن الشقاق الحاصل بين أربكان وأردوغان، وفي زمن قديم لا يقرأ فيه العرب باللغة التركية أحبوا أن يتصوروا أن هذا الشبل (أردوغان) من ذلك الأسد (أربكان) وأنه امتداد له لا انشقاق عليه، وبهذا يكون نموذج تركيا هو النموذج الإسلامي المعتدل الذي قبل به النظام العالمي لأنه يحترم الديمقراطية واختيارات الشعوب، واكتُشِف لأول مرة أنه يمكن التصالح مع "النظام العالمي" إذا جاء الإسلاميون إلى السلطة عن طريق انتخابات نزيهة، وقدَّموا "نسخة إسلامية معتدلة".

وعلى جانب آخر كان النجاح المتوالي لحزب العدالة والتنمية في تركيا يُروى على وجهه الاقتصادي وحده، ويُنسب هذا النجاح لذلك المجهود الاقتصادي الضخم الذي يُكَتِّل الشعب خلف من صنعوه، ويبني دولة قوية مستقلة سياسيا بعد أن استطاعت أن تستقل اقتصاديا! وكان يُغفل تماما تناول أسلوب أردوغان من حيث السيطرة التامة على الحكومة (= لا توافق) ومهاجمته القاسية لخصومه السياسيين وللإعلام التابع لهم، وضرباته القاسية للدولة العميقة وتنظيماتها العسكرية والأمنية، وإدارة علاقاته وتوازناته الدولية وما سوى هذا من سياسات.

وهكذا، في ظل التصور السابق، ما على الحركة الإسلامية سوى تقديم هذه المعادلات لتحصل على هذه النتائج:

1.    تضغط باتجاه الانتخابات النزيهة والإصلاح السياسي في بلدانها + تقدم نسخة إسلامية "معتدلة" لا تضاد المصالح الأجنبية = قبول النظام العالمي بوصولها للسلطة
2.    تحقيق إنجاز اقتصادي كبير = تكتل شعبي + استقلال اقتصادي
3.    تكتل شعبي + استقلال اقتصادي = استقلال سياسي وبناء الدولة الإسلامية المنشودة وتحقيق النموذج الإسلامي.

والأهم أن هذه النتيجة النهائية ستحقق دون الدخول في مواجهة مع الأنظمة الحاكمة.

هذه المعادلات حاول الإخوان في مصر وتونس والمغرب تقديمها بعد ثورات الربيع العربي، وصار مرسي هو أردوغان مصر والغنوشي هو أردوغان تونس وبن كيران هو أردوغان تركيا.. غير أن جميع هؤلاء الثلاثة لم ينجحوا في شيء مما نجح فيه أردوغان! وحصلت الانتكاسات المعروفة في تلك البلاد بينما ظل أردوغان ينجح!!

مسالك التبرير لا تنتهي، وليس هذا موطن تعيير أحد بإخفاقه، ولا حتى هي الآن محاولة تفسير[1]، إنما القصد أن هذا التصور الذي تكون عن "أردوغان" تعرض لصدمة عنيفة في عدد من المواطن أهمها اثنان: الإجراءات الثورية القاسية التي اتخذها أردوغان بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل، والاستفتاء على تعديل النظام إلى الرئاسي.

لم تستوعب هذه "النخب" ما يحدث، لقد ظهر أردوغان حاسما صارما عنيدا وبدا مستبدا وقاسيا وعنيفا ويضرب بقوة ويعلن حالة الطوائ ويلح على الرجوع إلى حكم الإعدام. ثم لم يكفه هذا حتى أراد تحويل النظام إلى رئاسي كأنما يريد الهيمنة على النظام والاستئثار بالصلاحيات.

الواقع: لقد ظهر الوجه الآخر الذي حاولوا أن يتجنبوا رؤيته دائما من أردوغان وسياسته، وبالرغم من أن هذه "النخب" صار أغلبها مهاجرا في اسطنبول أو كثير الترداد عليها بعد فشل ثورته في بلده، إلا أن كثيرا منهم –وبجرأة عجيبة- اتخذوا موقف المفكر المنظر الديمقراطي القانوني المدافع عن الحريات وصاروا يعزفون نغمة: لستَ أردوغان الذي نعرفه!

الحقيقة: نعم. أردوغان الذي تخيلتموه هو الذي فشل في مصر وتونس والمغرب. وأردوغان الذي نجح هو الذي يضرب بعنف ويُغالب القوى داخليا وخارجيا حتى يصل إلى ما يريد، بكل إلحاح وإصرار.

(2)

أنبتت حالة الانسداد السياسي في العالم العربي حالة سياسية بائسة، لدينا العديد من أساتذة العلوم السياسية أو ممن يتحدثون في السياسة لم يعرفوا السياسة إلا من مناهجها الأكاديمية التي تدرس في الجامعات أو من متابعة الصحافة الأجنبية وإصدارات المراكز البحثية. وقد بدا واضحا –لاسيما في زمان الثورات- أن هؤلاء لم يستطيعوا التعامل مع الواقع حين أتاحت لهم الأحداث أن يكونوا صناعها أو مستشاريها!

بل إن بعضهم –وهو قانوني مؤرخ ممن يشار إليهم بالبنان- كان يشعر بالازدواج في نفسه بين القانون والتاريخ، كان يدرك أن منطق القانون هو تهدئة الأمور والسير في السبيل الإصلاحي والحفاظ على مؤسسات الدولة، بينما منطق التاريخ –وهو ممن أرَّخَ لثورات من قبل- يعني ضرب القانون وتحطيم النظام القديم وكسر مؤسسات الدولة حتى تخضع للثورة، ثم غلب القانونيُّ فيه المؤرخَ فكان من دعاة القانون حتى التقطت الدبابة أنفاسها وأعادت مؤسسات الدولة تشغيل ماكينتها الدموية فسحقت الثورة سحقا لا مكان فيه لا لقانون ولا لرحمة!

أتذكر هنا الكلمة الحكيمة لسيدي الشيخ الكبير، الأسير البصير، حازم أبو إسماعيل الذي سُئل: ماذا تقرأ؟ فقال: أحب أن أقرأ المذكرات الشخصية، ولا أحب أن أقرأ الكتب الفكرية التي تحلق في فضاء الفكر. كان أبو إسماعيل من النادرين للغاية الذين رأيتُ القانون فيهم لم يغلب على السياسي أو الزعيم!

هؤلاء "المفكرون" أو "الفلاسفة" لا يرون في مشهد السياسة إلا مسألة فكرية، ولذلك فهم يناقشون الأمور كأنهم جالسون على مقهي ثقافي أو في منتدى علمي، كمسألة معزولة عن السياق والواقع والمآلات، ويقيسون مدى اتساق المسألة المطروحة مع أصول الفكر والسياسة والديمقراطية التي نَظَّر لها الفلاسفة.

ويستطيع بند واحد أن يُلهب الفيلسوف ليتحدث عنه رفضا وتحذيرا وتنديدا (وهؤلاء عادة يرفضون لا يؤيدون.. إذ كيف لمثقف أن يؤيد ويدعم؟! فعادة المثقف أنه رافض بالطبيعة!!) دون أن يتصور قيمة هذا البند ضمن بقية البنود، أو آثار قبول أو رفض التعديلات على البيئة السياسية ومراكز القوى والمواقف الإقليمية والدولية، وأين مصلحة الأمة حين تثقل كفة هذا الطرف أو ذاك.. إلخ، وكل هذه أمور فارقة في الرؤية لا مجرد القيمة الذاتية للبند نفسه.

والواقع أن عموم الناس يملكون هذا المقياس بالفطرة، وما أحكم ابن خلدون حين أفرد فصلا في مقدمته عن أن المتشبعين بالعلوم نظريا شغوفون بتجريد المسألة وهندستها رياضيا فيختلط عليهم ما لا يختلط على العامة الذين ينتبهون لمثل هذه الفوارق.

وهم لهذا يتخذون موقفا سخيفا دائما من المتحمسين لمواقفهم، ذلك أن أولئك الغوغاء "الشعبويين الديماجوجيين" (لا بد طبعا من استعمال ألفاظ مثقلة وتبدو كأنها فخمة) لم يقرأوا التعديلات، أو لم يدرسوها، أو لم يفهموها، ولو أن الذي طرحها عليهم غير أردوغان لكان موقفهم معاكسا... إلخ!

هم لا يسألون عادة: ما آثار قبول أو رفض التعديلات الدستورية على مستوى الواقع السياسي الآن، بل على مستوى المستقبل: ماذا لو جاء رئيس غير أردوغان بعد عشر سنوات؟ ماذا لو انتخب الأتراك يساريا أو علمانيا فيما بعد؟ ألم يمكن تأجيل الاستفتاء، هل هذا هو التوقيت المناسب؟ (مسألة التوقيت المناسب هذه تصيبني شخصيا بالحساسية، إذ لم أر محللا يستطيع تحديد الوقت المناسب لأي شيء قبل أن ينجح.. فإذا نجح أسهب في الحديث عن أن هذا الإجراء جاء في الوقت المناسب تماما!!)

لقد أفاض هؤلاء في التحذير من الهيمنة وحكم الفرد، مع أن خصوم أردوغان في هذا الاستفتاء هم الذين لا زالوا يعبدون أتاتورك!! فلئن كان الأمر حقا ضد عبادة الفرد فتثقيل كفة أردوغان هو الأولى!!

ولهذا فإن السياسيين لا يتعاطون الفلسفة لأن الشعوب –ببساطة- ليسوا فلاسفة!

ألا ليتنا في بلادنا أنجبنا أردوغان المستبد –بميزان المتفلسفة- ولم ننجب مرسي التوافقي ولا الغنوشي المتنازل ولا بن كيران الذي رضي أن يكون زخرفا حتى أزيح ليأتي من هو أطوع منه!





[1] وهذا التفسير بالمناسبة لا أقوله هنا للمرة الأولى، بل سبق أن كتبته كثيرا، وفي أوقات لم يكن يبدو فيها فشل مرسي أو الغنوشي أو بن كيران، بل كانت تلك التجارب تبدو كأنها تكرر تجربة أردوغان. انظر مثلا مع ملاحظة تاريخ الكتابة (هنا، هنا، هنا).

الأربعاء، أبريل 05، 2017

ما الذي ينقص الحركات الإسلامية لتنجح؟

ذكرت في المقال السابق "من الموصل إلى الرباط.. هل انهارت الأحلام الإسلامية" أن خمسة أسباب هي التي تتسبب في فشل المحاولات الإسلامية؛ أولها: أن يُعترف بالخطأ والفشل إذا حصل لأن الاستكبار عن هذا يحرف اتجاه الحركة الإسلامية عن أهدافها وغاياتها ويضيع طاقات أتباعها والأجيال التي تحبها فليس الاعتراف بفشل جولة أو بفشل بعض القادة بأكبر أو أعز من صناعة انحراف في فكر الحركة وغايتها. وثانيها: أن ما تعانيه الأمة من استبداد واحتلال إنما هو حصيلة زمن طويل منذ أكثر من قرنين في بعض البلاد ولا يقل عن قرن في بلاد أخرى، ومن الطبيعي أن يكون رفع هذا الثقل عملية ضخمة تشهد تعثرات وإخفاقات، وقد ظلت أوروبا ثمانية قرون قبل أن تتمكن من انتزاع أرض من يد المسلمين في الأندلس، وواصلت الحرب خمسة قرون أخرى حتى تمكنت من إسقاط الخلافة. وثالثها: أنه لا بد من مزج القوة والسياسة معا، فلا يمكن النجاح بواحدة منها بغير الأخرى، فلقد كان أقوى ملوك التاريخ يستعمل السياسة والرسالة والسفارة والحرب النفسية ويصل إلى غايته بغير حرب وهو قادر عليها، وفي ذات الوقت اضطر النبي –وهو أكمل الناس وأذكاهم وأعقلهم ومعه الحق الخالص من السماء- أن يحمل السيف ويجاهد، فالحق لا يخضع له المبطلون مهما كان مقنعا والمعارك لا تحسم بمجرد الإقناع والتفاوض.

وبقي أمران من الخمسة نناقشهما في هذه السطور:

(4) التقاط فرصة الثورة

لا يوجد نظام عربي سمح لحركة إسلامية بالمشاركة في السلطة أو بدخول انتخابات شبه نزيهة إلا وهو يريد بذلك أن يمتص حالة الغضب ويستبق ثورة وشيكة. المأساة الدائمة أن الحركة الإسلامية تقع دائما في هذا الفخ، وما كان لها أن تقع فيه لولا هذا الانحراف في التصور والرؤية الذي طرأ عليها حين تحولت من حركة ثورية تغييرية إلى حركة إصلاحية دعوية، وهو التغير الذي كان ثمرة عدم الاعتراف بالفشل ومحاسبة القيادت المخطئة في تجارب الخمسينات. فما إن تزول حاجة السلطة إلى الحركة الإسلامية بعد قيامها بدور المخدر إلا وتتكشف الأنياب المستبدة من جديد.

منذ اللحظة التي صرف فيها عبد القادر عودة الجماهير في 1954 وحتى تجربة بن كيران في المغرب تستطيع أن ترى هذه اللحظة متكررة في سوريا والأردن والجزائر واليمن والعراق وتونس ومصر. لقد صرفت الحركة الإسلامية الجماهير قبل الثورة أو عملت كمبرد ومخدر للثورة ثم أعيدت في الغالب إلى السجون والمشانق أو إلى موقع المعارضة المفلسة التي لا تملك شيئا!

هذا التكرار يعبر عن خلل واضح في العقل الجمعي للحركة الإسلامية ككل، وأغلب الظن عندي أن السبب الرئيسي في هذا هو غفلة الحركة الإسلامية عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، على الأخص منها: التاريخ والسياسة والإعلام والقيادة وعلم نفس الجماهير فضلا عن العلوم الأمنية والعسكرية. في اللحظة التي انحرف فيها المسار من الهدف الثوري التغييري إلى التيار الدعوي الإصلاحي كانت الحركة تختار أن تظل مفعولا به في ظل وضع الدولة الحديثة والحرب الباردة والنظام العالمي.

أعتقد أن العلوم الإنسانية لا يستفيد منها إلا من كانت لديه بذور الموهبة أصلا، ومجرد الدراسة الأكاديمية لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد رأينا في زمن الثورة أن أداء الأكاديميين السياسيين من الإسلاميين كان سيئا وغير مناسب للحظة بحال. يشبه الأمر من ليست لديه موهبة التجارة فهو مهما درسها أكاديميا حتى لو حصَّل الدكتوراة فلا يكون رجل أعمال ناجحا بحال! كما أعتقد أن السياسة لا تؤخذ من الكتب الأكاديمية بقدر ما تؤخذ من الممارسة أو من مذكرات الساسة وصناع القرار، هناك يبدو الأمر أوضح وأسهل وأكثر عملية، تماما كالفارق بين دراسة القانون ودراسة ألاعيب المحامين، أو بين دراسة الفقه وهضم الفتاوى فمجرد دراسة الفقه بغير استيعاب عملية صناعة الفتوى وطرق تصرف المجتهدين لا تُخَرِّج فقهيا مفتيا يفهم أحوال الناس ويستطيع أن يستخرج لهم علاج أحوالهم من القرآن والسنة.

الحركة الإسلامية ليست بديلا عن الأمة، والجماعات ليس بديلا عن الشعب، وأي محاولة لمواجهة الواقع بغير حماية الأمة والشعب محكوم عليها بالفشل، فإذا وصلنا إلى هذه القناعة فلا بد من أن تجيد الحركة وسائل مخاطبة الناس وقيادتهم وتثويرهم واستثمار غضبهم وثورتهم (لا تبريدها وتخديرها) وتطوير حركتهم، وليس يمكن هذا بغير فهم شأن السياسة والتاريخ والاجتماع وعلم نفس الجماهير.

وليس هذا كلاما جديدا بل هو قديم في أدبيات الحركة الإسلامية لكنه لم يوضع موضع التنفيذ، فقديما قال حسن البنا "نحتاج تغييرا نقود الأمة إليه ولا ننوب عنها فيه"، وحديثا قال أبو مصعب السوري بعد مراجعة طويلة للتاريخ إن سبب الفشل المعاصر للحركة الإسلامية هو أن الأمة لم تكن جزءا من معادلة المواجهة.

الشعوب ليست تحت الطلب ولا توجد ثورات "ديليفري"، ولا يمكن تثوير الناس إذا خمدوا مهما عضتهم يد الظلم والجوع والخوف، وإنما هي لحظة فارقة تطير إن لم تُدرك، وفك الله أسر شيخنا البصير حازم أبو إسماعيل صاحب شعار "أدركوا اللحظة الفارقة".

(5) الجهاز الأمني للحركة الإسلامية

كتب الدكتور إبراهيم الزعفراني في مذكراته أن الدولة وضعت للإخوان خمس خطوط حمر هي: ألا يكون لها أعضاء في الجيش والشرطة، وألا يمتلك أعضاؤها سلاحا، وألا يستعمل أحدهم أي نوع من العنف ولو اليدوي الخالي من السلاح: فقط الاحتجاج السلمي، وألا يزيد مرشحوها للبرلمان عن الثلث، والخط الخامس: ألا يكون لديهم جهاز جمع معلومات من أي نوع ولا حتى لجمع المعلومات عن الأحزاب السياسية الأخرى أو منظمات المجتمع المدني. ويذكر د. إبراهيم أن الجماعة التزمت بهذا بجدية.

مختصر هذه الشروط أن تكون الجماعة عمياء شلّاء منزوعة القدرة على مستوى الإمكانيات، ومنزوعة الرغبة والنخوة على مستوى التفكير والإرادة.

ما لا يعرفه كثير من الناس أن الجهاز الأمني الصهيوني تأسس قبل إسرائيل بثلاثين سنة، ولولا عمله الهائل طوال هذه الثلاثين ما كان بالإمكان أن تقوم إسرائيل (انظر هنا) إذ قدم هذا الجهاز معلومات لا تقدر بثمن بُنيت عليها خطط مواجهة الفلسطينيين واغتيال قادة المقاومة واحتلال القرى واختراق الانتفاضات المتعددة.

وقد كان النظام الخاص الذي أنشأه البنا (انظر مختصر تاريخه هنا) جهازا أمنيا لا مجرد جهاز عسكري، كما تكشف مذكرات قادته المنشورة: محمود الصباغ وأحمد عادل كمال، وبدأ أحمد ياسين عمله في تأسيس حماس بالشق الأمني الذي يجمع المعلومات ويتتبع العملاء (انظر مختصر تجربته هنا)، وما من ثورة نجحت إلا كان لها قبل أن تنجح أو تأسس في لحظات نجاحها الأولى الجهاز الذي يحميها. والتاريخ طويل وشاهد، (وهذا نداء قديم!)

الجهاز الأمني للحركة كالعين للإنسان، وكنت أتصور أن مهمة العين هي الإبصار حتى اللحظة التي وضعوا الغمامة على رأسي في جهاز أمن الدولة المصري، ساعتها عرفت أن العين ليست بصرا فقط وإنما هي أمان كذلك. ويستطيع المصارع النحيف الضعيف أن يغلب المصارع الضخم القوي إن وُضِعت على عين الأخير غمامة، فكيف إذا كان الضخم المفتول العضلات هو المبصر وكان النحيف الضعيف هو الأعمى؟!


إن العلوم الخطيرة في قيادة الناس والمجتمعات لا تدرس في بلادنا إلا في الكليات الأمنية، بل في النادر من تلك الكليات، وأخبرني عدد من المتخصصين في علم النفس والاجتماع أن ثمة مواضيع يُحظر فيها البحث بأمر من أجهزة الأمن والمخابرات، وهي تلك المواضيع التي تكشف خريطة المجتمع النفسية والاجتماعية والاقتصادية ومراكز القوى فيه. فيعيش المجتمع كله أعمى عن نفسه مكشوفا أمام السلطة، كالطفل الصغير في يد أمه، إلا أن السلطة ليست أما له، فكيف تتوقع من طفل صغير عاجز بيد أمرأة تكن له العداوة فتفرسه وتسومه سوء العذاب؟!

الجمعة، مارس 31، 2017

اجتماع الموتى في البحر الميت!

ترى لماذا استطاع العرب أن يجتمعوا اليوم عند البحر الميت، وهم أنفسهم من عجزوا أن يجتمعوا العام الماضي في الرباط؟ لماذا كانت الأحوال العربية العام الماضي –كما جاء في بيان المغرب- لا تسمح بعقد القمة، بينما اجتمعوا لها الآن؟

(1) موسم الهجرة إلى إسرائيل

لا أحسب إلا أن هذه القمة إنما هدفت إلى تغطية الانفتاح العربي على إسرائيل، وهو أمر أشبه بقص الشريط أو وضع "الختم العربي" على الملف الذي اكتمل بالفعل. إن عددا من الدول على رأسها السعودية ستفتح صفحة جديدة مع إسرائيل، وتريد من هذه القمة أن تكون تدشينا! وبعد السعودية ستهرول إلى "إعلان العلاقة" (لا إلى فتح العلاقة) دولٌ أخرى تريد أن يكفيها غيرها شعور الحرج الشعبي.

لم يكن الأمر جديدا على مستوى الواقع العملي وإنما هو خروج من حالة الإسرار والخفاء إلى حالة الإعلان مع التدثر بالمبادرة السعودية –التي سميت عربية- والتي وُلِدت ميتة قبل خمسة عشر عاما في قمة بيروت، وحينئذ كان عرفات محاصرا وكانت إسرائيل تجتاح جنين. صحيح أن المبادرة غطاء مهترئ كما يعرف الجميع لكن لا بأس به كلافتة تجعل الأمر يبدو طبيعيا لا جديد فيه.

لا يخفى على الجميع أن بيع جزيرتي تيران وصنافير معناه دخول السعودية إلى اتفاقية كامب ديفيد وتعداتها الأمنية، وهو ما تمّ وانتهى بالفعل، وما كان يُقال بالتحليل صار يقينا لا يدخله شك بعد التسريب الصوتي للمكالمة الهاتفية لوزير الخارجية المصري وهو يراجع بنود الاتفاقية مع المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلي، وهذا فضلا عن اللقاءات المعلنة لشخصيات غير رسمية سعودية إسرائيلية، أو اللقاءات غير الرسمية لمسؤولين على هامش اجتماعات أخرى.

هنا تلح على الذاكرة قصيدة العبقري أحمد مطر التي أنشأها قديما:

الثور فرّ من حظيرة البقر، الثور فرّ،
فثارت العجول في الحظيرة،
تبكي فرار قائد المسيرة،
وشكلت على الأثر،
محكمة ومؤتمر،
فقائل قال: قضاء وقدر،
وقائل: لقد كفر
وقائل: إلى سقـر،
وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة،
لعله يعود للحظيرة؛
وفي ختام المؤتمر،
تقاسموا مربطه، وجمدوا شعيره
وبعد عام وقعت حادثة مثيرة
لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة..

(2) الإرهاب الإسلامي

يعتبر كارل شميت أن وظيفة السياسي هي "صناعة العدو"، وذلك أن النظام السياسي حين يتخذ له عدوًّا فإنه يبرر سائر المشكلات بتحميل مسؤوليتها له، فالعدو يعمل كمهدئ، ويصرف المسؤولية عن مستحقيها إلى نفسه، ويزيد من ارتباط الشعب والأواصر الاجتماعية! بعبارة أخرى يقول عالم الاجتماع الفرنسي الشهير: "حين يعاني المجتمع يشعر بالحاجة لأن يجد أحدا يمكنه أن يعزو إليه ألمه ويستطيع أن ينتقم لخيبات أمله"[1].

هكذا عاش الحكام العرب زمنا على عداوة إسرائيل، وهي عداوة معلنة، بينما الواقع أن سائر هذه الأنظمة إنما اكتسبت "شرعيتها الدولية" من قيامها بواجب حماية ودعم إسرائيل، وليس سرًّا أن إسرائيل كانت باب العديد منهم إلى الأمريكان. إلا أن العداوة المعلنة كانت المبرر للبقاء في الحكم على جثث الملايين وعلى حساب موارد الشعوب والأجيال القادمة.

وحيث سيتحول العداء إلى غير إسرائيل، فقد شهدت كلمات القمة تدشينا للحرب على العدو الجديد: "الإرهاب الإسلامي"، حيث حفلت كلمات القمة بالتحذير من خطر "الإرهاب" و"الإرهابيين"، فمن لم يكن يقتل بيده  أو بيد حلفائه الأجانب كما في العراق ومصر وسوريا وليبيا واليمن فإنه يدعم من قريب ومن بعيد بالمال والإعلام.

وهكذا يتخلص النظام العربي من ازدواجيته بين العمل والشعار، ليصير العدو عدوا معلنا والصديق صديقا معلنا كذلك. ومن المثير أن أول من أعلن هذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه الذي قال ولم يُخف دهشته: "لأول مرة في حياتي وفي حياة إسرائيل، لا تنظر الدول العربية إلينا كعدو، بل ترى فينا حليفا ضد عدو مشترك". ولما سُئل في نفس هذه الزيارة: مَن مِن العرب الذين يعنيهم، أجاب قائلا: السؤال الأصح: من من العرب ليسوا كذلك!

(3) مفارقات القمة

صنعت مفارقة انعقاد القمة العربية في مدينة "البحر الميت" مادة ممتازة للسخرية الشعبية، لقد اعتاد الساخرون الحديث عن أن القمة مجرد "اجتماع سنوي لدار العجزة"، وأنها مؤتمر مبتكر لمرضى الشيخوخة حيث جرى انتقاء أبرز أنواع المرضى كي يتابعه الأطباء عبر الشاشات بدلا من انعقاد مؤتمر للأطباء أنفسهم، ولم يحدث مرة أن حرمتنا القمة العربية من مشهد كوميدي كرئيس ينام، وآخر يتعثر، وثالث يخطئ خطئا غريبا، ورابع يتشاجر مع خامس. في هذه المرة "اجتمع الموتى في البحر الميت"!

من آثار الشيخوخة العامة كذلك أن لا أحد منهم يكاد يُبين، تسقط الكلمات من لسانه، تتوه من بين أسنانه، تهرب مع اضطراب شفتيه. ثم إنه لا يكاد أحد منهم يجيد الكلام باللغة العربية، بما فيهم الأمين العام العربي العَيِيّ اللسان الركيك البيان!

ولم يغب عن المفارقات رسالة شاردة، خارج الزمن، كأنها كتبت قبل زمن الثورات العربية، بعث بها مكتب الإخوان المسلمين في لندن، ينادي فيها أولئك "أصحابَ الفخامة والجلالة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية"، ثم احتوت الرسالة لأول مرة على كلمة "دولة إسرائيل"، توقع كثيرون لأول وهلة أن الرسالة مكذوبة حتى ثبتت صحتها. هنا يبدو المشهد مثيرا للشفقة فوق كونه إثارة للسخرية، فعلى المسرح يعرف الممثلون أنهم يقومون بدور مكتوب لهم، ويتعامل جميع المشاهدين على هذا الأساس. بدت رسالة مكتب الإخوان في لندن كأن مشاهدا صدَّق المسرحية وهب من مقعده محاولا تقديم نصيحة للممثلين على المسرح! ضحك الجميع من فرط الدهشة، لكنه ظل مندهشا من دهشتهم، لا يدري لم ضحكوا، فقد أراد لهم الخير!! ما أشبه عواجيز الحركات المعارضة المدجنة بعواجيز القمة العربية.

(4) متى تكون القمة العربية حلا؟!

بينما القمة العربية منعقدة، كانت رصاصة إسرائيلية تحيل حياة امرأة فلسطينية إلى شهيدة على بُعد كيلومترات معدودة من موقع القمة، فلا القمة بلغها حال المرأة ولا المرأة انتفعت بانعقاد القمة. وكما لاحظ صديق بحق: ترى لو كانت إسرائيل تعلم أن لدى هؤلاء نية حقيقة لحل القضية الفلسطينية، ألم تكن لتخرج طائرة فتقصفهم في مكانهم؟!
ثمة حالة وحيدة يمكن أن تكون القمة العربية فيها حلا حقيقيا للوضع العربي، تلك الحالة صاغها أحمد مطر عندما قال:

أنا لو كنت رئيسا عربيا، لحللت المشكلة..
وأرحت الشعب مما أثقله..
أنا لو كنت رئيسا.. لدعوتُ الرؤساء..
ولألقيت خطابا موجزا عما يعاني شعبنا منه..
وعن سر العناء..
ولقاطعتُ جميع الأسئلة..
وقرأت البسملة..
وعليهم وعلى نفسي قذفت القنبلة..




[1] انظر: بيار كونيسا، صنع العدو: أو كيف تقتل بضمير مرتاح، ترجمة: نبيل عجان، ط1 (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مايو 2015)، ص29 وما بعدها، 36.

الأربعاء، مارس 29، 2017

من الموصل إلى الرباط.. هل انهارت الأحلام الإسلامية؟

بينما يُحاصر تنظيم الدولة الإسلامية في عاصمته "الموصل" بعد انهيار سائر المدن التي سيطر عليها في العراق، يتلقى عبد الإله بن كيران إقالة مهينة من الملك المغربي بعد فشله في تشكيل الحكومة، وهو الفشل الذي يعلم الجميع أنه إنما كان بسببٍ من الملك نفسه عبر الأحزاب المرتبطة به.

وما بين التجربتين أطياف أخرى من التجارب المتعثرة تبدأ من أقصى اليمين عند التيار الجهادي الذي ذروته تنظيم الدولة الإسلامية، ومرورا بأطياف التيار الإخواني الذي ينتهي عند الغنوشي وبن كيران، وفي الخلفية تيارات سلفية اعتزلت السياسة أو مدخلية جعلت من نفسها عملاء بلا أجر للأنظمة الحاكمة.

وهنا يبدأ السؤال المتكرر عند كل تجربة فاشلة: أين يكون الحل؟ فلا حمل السلاح أفضى إلى المطلوب كما في العراق وسوريا وليبيا، ولا الثورات السلمية كما في مصر واليمن، ولا التماهي مع الأنظمة الحاكمة كما في الأردن وتونس والجزائر والمغرب.

وأصعب من الإجابة عن سؤال كهذا أن نتفق على بعض الأمور التي يمكن أن نجعلها معيارا نقيس به هذه التجارب، هذه السطور ليست إلا محاولة للإشارة إلى بعض هذه النقاط، وقد وصل بي اجتهادي إلى أنها خمسة نقاط:

(1) قيمة الاعتراف بالفشل

أقصى وأقسى ضربة يمكن أن تضيع بها دروس أي تجربة أن يصر أصحابها أنهم لم يفشلوا، يفعل هذا المتعصبون لجماعتهم وحزبهم تماما مثلما يفعلها القادة الذين فشلوا. صحيح أن شعور الفشل مرير لا يحب أي إنسان أن يذوقه، لكن اللحظة التي لا نعترف فيها بالفشل هي ذاته اللحظة التي يبدأ فيها تزوير المعاني وإفساد الحقائق، فالحركة التغييرية الثورية إذا فشلت في التغيير فسوَّقت لنفسها وأنصارها أنها لم تفشل فإنما تبدأ في هذه اللحظة كجماعة علمية أو دعوية فقط، هنا تتغير وجهتها وهدفها ونمط حركتها وتطمس ما في أدبياتها من ثورية وتغيير وتعيد صناعة جلدها الجديد، فمن هنا تبدأ رحلة طويلة من تزوير المعاني والحقائق والتاريخ فقط لتنجو من الاعتراف بالفشل، ولربما عاشت أجيال بل ماتت وهلكت أجيال جرَّاء هذا التزييف.

لا يعجز أحد عن صناعة المبررات، وحتى الخونة لديهم منطقهم في ارتكابهم للخيانة، واللحظة التي تختل فيها معايير القياس فيُسَوَّق الفشل على أنه نجاح هي لحظة الضلال الكبير، وفي مثل هذه اللحظة تكثر الحاجة إلى المثقفين والفلاسفة وأصحاب القلم، أولئك الذين لديهم القدرة على قلب الحق باطلا. كان عبد الناصر يحتاج إلى هيكل لتحويل لحظة النكبة الكبرى إلى مجرد "نكسة"، وفي حاجة إلى أحمد سعيد لتحويل "النكسة" إلى انتصار باعتبار أن إسرائيل لم تستطع إسقاط الزعيم، وطالما بقي الزعيم فقد انتصرنا.

في الحركات الإسلامية أيضا أمثال هيكل وأحمد سعيد، أولئك الذين يسوِّقون عودة تونس للنظام القديم على أنه حكمة غنوشية، ويسوقون امتصاص ملك المغرب لإرهاصات الثورة واحتوائها بالإسلاميين على أنه حكمة بنكيرانية، تماما مثلما سوَّقوا قديما لحكمة محفوظ نحناح الذي كان إلى جانب الانقلاب العسكري في الجزائر على جبهة الإنقاذ الإسلامية، وسارت الأيام تحكي تجربة مغاربية مختلفة ومتفردة ومتميزة عن تجربة المشرق، ولم يكن الأمر سوى أن الحركات الإسلامية ألقت بنفسها في حضن الأنظمة العلمانية، واتخذتها تلك الأنظمة زخرفا وزينة لا أكثر، فخسر الإسلاميون رسالتهم ووجهتهم وثوريتهم وكسبت الأنظمة كل الأوراق.

ما إن يسمع أصدقائي المغاربيين مثل هذا مني حتى يقولون: كسبنا حقن الدماء، وكنا أفضل من مصر. وأرد مكررا: في مصر كان صمود مرسي هو السبب في بقاء الانقلاب انقلابا مجرما وبقائه رئيسا شرعيا، ومجرد وضوح الحق من الباطل مكسب عظيم، أما أنتم فسلَّمتم الثورة إلى الأنظمة ففازت الأنظمة نفسها بالبلاد بشرعية كاملة. لا يزال السيسي حتى الآن يخطب ويحاول تبرئة نفسه من الخيانة والانقلاب، بينما لا يرى السبسي أنه ناقص الشرعية ولا بقلامة ظفر.

يستطيع الجميع أن يحقن الدماء، الانسحاب خيار يملكه الجميع، وقد قيل بحق: أسرع وسيلة لإنهاء الحرب الانسحاب منها. ولو كان حقن الدماء مكسبا يُراعى في الصراعات الحضارية لكان أولى الناس بالإدانة المجاهدون في كل مكان وعلى رأسهم أحمد ياسين وعمر المختار والبشير الإبراهيمي وعبد الكريم الخطابي وغيرهم. ولو كان الخلاف بين الشعوب والأنظمة خلافا بسيطا لما استحق أن تندلع له ثورات ينزل فيها من يبذل دمه راضيا ولا استحق أن تستخدم الأنظمة كافة ما لديها من آلة عسكرية لسحق الثورة ولو بهدم البلاد وقتل ملايين العباد.

نحتاج قبل كل شيء أن نعترف إذا فشلنا، فإن المكابرة ضلال وتضييع للأجيال. وقد تعلمنا في الكتاتيب قديما أن صاحب المعصية خير من صاحب البدعة، فالأول معترف بخطئه، وأما الثاني فيرى خطأه تجديدا في الدين!

(2) المرض في حالة متأخرة

إننا أمة مستضعفة، نرزح منذ قرن على الأقل تحت الاحتلال وعملاء الاحتلال، لا يكاد يوجد في عالمنا المعاصر من وصل إلى الحكم بغير ترتيب أو إذن المحتلين. نحن تحت احتلال متعدد الطبقات، الطبقة الأولى منه أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، يدعمهم المحتل لإطالة بقائهم فوق رؤوسنا وذلك لكفاءتهم في تعبيدنا له ولمصالحه. وقد أثمر طول هذا الوقت شبكات من المصالح والنظم والعائلات ممن انتفع بهذا الوضع، فصارت محاولات تغييره تصطدم بمصالح الكثيرين ممن يلتصقون بالأنظمة الحاكمة. وقد أنتج كل هذا فارقا هائلا في القوى لا يزال يتسع باضطراد بين قوة الأمة وقوة عدوها.

وفي ظل هذا الوضع يُعدُّ من الطبيعي أن نجرب كثيرا من محاولات الفشل قبل الوصول إلى النجاح، إن المعركة بطبيعتها طويلة ومرهقة، وما من محاولة فاشلة إلا وهي لبنة في طريق النجاح شرط أن نتعلم منها، فإن لم نتعلم فلسنا من أهل الإيمان الذين وصفهم قائدهم بقوله "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين".

ونعم! إن الفارق بيننا وبين العدو هائل كبير، ولكن كل تجربة فاشلة كان سبب فشلها الرئيسي من أنفسنا (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).. لكن يجب أن نعلم في النهاية أن معركة الأمة مع الاستبداد والاحتلال هي معركة طويلة لن تخلو أبدا من هزائم وعثرات ومحاولات فاشلة أو غير مكتملة.

(3) القوة والسياسة معًا

لا تحسم المعارك الحضارية بمجرد السياسة ومهارات التفاوض، تلك سيرة الدنيا وقصة التاريخ، ليس ثمة أمة أو حضارة قبلت الاستسلام والذوبان والخضوع لأمة أو حضارة أخرى بمجرد التفاوض والإقناع، ولو كان الأمر هكذا لكان أولى الناس بالنجاح الأنبياء، فهم أكمل البشر نفسا وعقلا وروحا، ومعهم الحق الخالص من السماء، ومع هذا احتاج الأنبياء لحمل السيف والجهاد في سبيل الحق، فمنهم من قُتِل ومنهم من أصيب، ولقد أصيب نبينا وسال دمه الشريف وهو يجاهد، ثم جاهد صحابته من بعده حتى بلغ الدنيا أقصى الشرق والغرب. ومن هنا يبدو بائسا مثيرا للشفقة والسخرية ذلك المنهج الذي يحصر نفسه في الدعوة والتربية والتعليم والإصلاح متوهما أنه يبلغ بذلك غايته في التغيير.

وفي نفس الوقت لا تحسم المعارك أيضا بمجرد القوة والسيف والسلاح، بل لقد احتاج أقوى حكام التاريخ إلى السياسة والتفاوض والسفارة وتحييد الأعداء، ولقد امتن الله على سليمان –أقوى ملك في التاريخ- أنه كان يُفهِّمه {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}، فانظر كيف لمن سخر الله له الريح والجن والطير يكون له سفارة ويبدأ بالرسائل ويستعمل الحرب النفسية والإقناع حتى يصل إلى غايته بغير حرب، ولقد امتن الله على يوسف وهو الذي تحت يده أموال خزائن الأرض بأنه {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، وكذلك امتن على يوسف المضروب به مثل في القوة والهيبة بأنه {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}. ولقد سمَّى الله اتفاقية صلح الحديبية بـ "الفتح المبين" وليس فيها من مكسب –بالاصطلاح السياسي المعاصر- إلا أنها اعتراف إقليمي بالدولة الإسلامية.

لقد كانت التجارب الفاشلة واحدا من اثنتين: قوة تهمل السياسة أو سياسة تهمل القوة.

فهذا تنظيم الدولة كنموذج القوة التي تهمل السياسة، يُفترض أن يشعل المعركة مع نظام بغداد، فإذا به يتمدد إلى سوريا ويشعل معركته مع الأكراد والأتراك والمقاتلين بل والإسلاميين والجهاديين، فضلا عن التمدد إلى أوروبا والسعودية وأفغانستان. فهيَّج عليه الهائج والساكن، وصاحب العداوة الأصيلة ومن يدفعه عن نفسه، وها هو الآن يُقاتَل في عاصمته من بعد انسحابات متكررة من المدن والقرى والأنحاء.

وهذا تنظيم الإخوان في مصر، وإن أردت في أي بلد آخر فالخلاف ليس بعيدا، يسعى بالسياسة ويسحب الذرائع ويفوت الفرص ولا يُقدِم نحو المصلحة "كي لا يُقال كذا"، حتى بلغ حالا مريعا، فإذا به أضعف ما يكون أمام أي نظام، فإما احتواه وقبل به زخرفا وزينة في منظومة حكم بلا صلاحيات، وإما انقلب عليه وسفك دمه وحاكمه بتهمة الإرهاب! وإما تركه ضمن المساحة المحصورة المحدودة لا يخرج منها إلا بإذن ولا يملك لنفسه حتى ضمان استمرار هذه المساحة!

ولا يزال النموذجان اللذان يمكن ضرب المثل بنجاحهما حتى الآن هما نموذج أردوغان في تركيا وحماس في غزة، وكلاهما يبدو واضحا فيهما المزاوجة بين القوة والسياسة.


بقيت نقطتان أخريان، نرجئهما بإذن الله إلى المقال القادم.. فالله المستعان.