الأحد، نوفمبر 08، 2015

جذور الخلاف الحضاري بين الإسلام والغرب

إن كل محاولة للتهوين من الخلاف بين الإسلام والغرب هي، فضلا عن تكلفها وتعنتها، غارقة في السذاجة، ذلك أنها تريد أن تتجاوز التاريخ الطويل الممتد بينهما، ليس فقط تاريخ الصراع السياسي والعسكري، بل حتى تاريخ الصراع الفكري والفلسفي.. ووراء كل ذلك وفي عمقه تلك الأصول الراسخة في الأفكار والمعتقدات.

تلك الأصول الراسخة منها ما لا يمكن حذفه ولا حذف آثاره، مثل: قصة الدين!

ذلك أن قصة الإسلام في الشرق تختلف وبشكل جوهري عن قصة المسيحية في الغرب، ولهذا الخلاف نتائج مؤثرة على كلا الحضارتين، على هذا النحو:

(1)
حضارة قبل الدين، وحضارة صنعها الدين

ثمة إجماع بين المؤرخين على أن الحضارة الغربية لها ثلاثة جذور: الفلسفة اليونانية، الأنظمة الرومانية، الديانة المسيحية[1]، ولا تزال المسيحية تمثل ركنا ركينا في الروح الغربية، وهي الحقيقة الملموسة تصريحا وتلميحا في الكتب التي ألفت عن الغرب[2].

وثمة إجماع آخر بين المؤرخين على أن العرب لم يكونوا ذوي حضارة قبل الإسلام[3]، وإنما جاء الإسلام فكأنما أنشأهم من العدم وبعثهم من القبور وأخرجهم إلى الحياة، ليس هذا فقط، بل نقلهم هذه النقلة الهائلة المدهشة من التشرذم إلى الوحدة ومن رعي الغنم إلى تسيد الأمم، ولهذا قال عمر بن الخطاب "كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله"[4].

وإذن، فقد حمل الفصل الأول من هذه القصة هذا الفارق الذي أدى بدوره إلى بعض النتائج:

أ. أن المسيحية "جزء" من التكوين الغربي، وقد ساعد خلو المسيحية من النظم والشرائع على بقاء واستمرار النظم الرومانية المستفادة والمنبثقة عن الفلسفة اليونانية. بينما الإسلام هو المكون الأساسي والوحيد للمسلمين، فالعرب لا يعرفون سوى الإسلام دينا وفلسفة ونظاما وشرائع، وغير العرب إنما يلزمهم بحكم إسلامهم أن يتخلوا ويتبرأوا بل وأن يكرهوا ما يناقض الإسلام من ميراثهم الحضاري، فظل الإسلام دائما حاكما لا محكوما، وهاضما لما قبله من النظم والشرائع لا متأثرا بها كما هو الحال في المسيحية التي تأثرت كثيرا بالتراث اليوناني والروماني.

ب. لقد تأثرت المسيحية بالتراث اليوناني والروماني تأثرا كبيرا، حتى إن ثمة أفكارا دينية رئيسية تسللت إلى المسيحية، واضطر الدعاة المسيحيون منذ بولس أن يصيغوا المعاني المسيحية في عبارات وصياغات يونانية[5]، ومن أبرز الأدلة على هذا دخول الصور والتماثيل كمعبودات برغم النهي الصريح في الوارد في الإنجيل عن ذلك، حتى قيل بحق "النصارى ترومت ولم تتنصر الروم"[6]. بينما عاش الإسلام حياته في صراع مع الجاهلية التي بُعِث فيها، حتى انتصر عليها وكسر أصنامها وأزال رسومها وتقاليدها، ولم يبحث عن تقارب معها أبدا، بل اقتضى التزام الصراط المستقيم "مخالفة أصحاب الجحيم".

جـ. وإذا أخذنا المسألة القومية كمثال على ما سبق، نرى كيف "احتوى الإسلام الباكر على عناصر من القومية العربية، لكن محمدًا (r) وأتباعه رفضوا النهج اليهودي للانعزال القومي وابتكروا بدلا من ذلك مجتمعا دوليا جديدا، وتبنت البلاطات الملكية ثقافة راقية متعددة القوميات، وكان الدين في أيدي جماعة من العلماء متعددي القوميات على نحو واعٍ ذاتيا، وكانت بعض الدول الإسلامية تحكمها سلالة تتكون من مجموعة أقلية عرقية (مثل البويهيين والسلاجقة)، وكانت الإمبراطورية العثمانية مأهولة بمزيج من المجموعات العرقية، وهكذا تجاوزت وحدة الأمة (الإسلامية) الاختلافات العرقية أكثر بكثير مما فعلت الكنيسة؛ سواء في العالم المسيحي الشرقي أو الغربي، قبل الإصلاح أو بعده، ولم تكن توجد دولة قومية في العالم الإسلامي حتى القرن العشرين"[7].

(2)
تحقيق الحضارة على الأرض

ثم يأتي الفصل الثاني من القصة فنرى المسيح عليه السلام، كما هو في التصور الغربي، يُصلب ويُقتل، دون أن يحقق نصرا لا على المستوى الديني ولا على المستوى الدنيوي، ثم يكون أبرز تلاميذه وناشري دعوته ممن مات عنهم وهم كافرون به، وظل أتباعه يزيدون ببطء وينزل بهم كل صنوف العذاب، حتى يتولى قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية، ويدخل في المسيحية، فتأخذ المسيحية في الانتشار الواسع.

بينما نرى محمدا r يموت وقد أسس دولة شملت الجزيرة العربية، ودخل حربين مع الروم، وأرسل رسائله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، ونشر الدين ووحد العرب، واكتمل نزول الكتاب عليه، وظل صحابته الذين عايشوه طويلا يحكمون بعده بأنفسهم لستين سنة، وظل صحابته ينشرون الدين بأنفسهم بعده لقرن من الزمان.

وهذا الفارق في الفصل الثاني من القصة كانت له نتائج مؤثرة منها:

أ. أن الإسلام –كما يقول هاملتون جِب- "ليس مجرد نظام من العقائد والعبادات، إنه أعظم من ذلك كثيرا، هو مدنية كاملة، ولو بحثنا عن لفظ مقابل له لقلنا: العالم المسيحي ولم نقل المسيحية، ولقلنا الصين بدل أن نقول ديانة كونفوشيوس"[8].

ب. أن الغرب يملك -ولو نظريا، أو مرحليا- التخلي عن المسيحية، إذ له في التراث اليوناني والروماني ما يقيم صلبه، أو على الأقل يؤمن الغربي بقدرته على النهوض بمعزل عن المسيحية كما نهض بدونها أول مرة. بينما لا يملك المسلمون التخلي عن الإسلام -ولو أرادوا- لأنه يمثل كل تراثهم، وليس لهم سواه من تراث، فهو سرهم وجوهرهم وسبب تميزهم كأمة ومبرر وجودهم كأصحاب رسالة، وهذا تفكير منطقي وضعي حتى ولو لم يتفق مع قول الإمام مالك "لا يُصْلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"[9].

ولذلك نرى التراث الفلسفي الغربي على ثلاث شعب: فلسفة سبقت المسيحية كفلسفة اليونان، وفلسفة حاولت التوفيق بينها وبين العلم كأوائل فلاسفة العصور الوُسطى وأبرزهم توما الإكويني، وفلسفة هاجمت المسيحية ابتغاء تصحيحها أو إقصائها كفلاسفة ما قبل وبعد الثورة الفرنسية ومنظري الإلحاد والمادية والعلمانية. بينما "الفلسفة الإسلامية" كانت دائما تقدم نفسها باعتبارها "الفهم الصحيح للإسلام" ولم تزعم فرقة من الفرق التي نشأت في التاريخ الإسلامي -على اختلافها- أنَّ مذهبها "خارج عن الإسلام".

جـ. أن النصرانية –كما يقول ولفرد كانتول سميث- "أرجأت تحقيق ملكوت الرب إلى الآخرة، على اعتبار أنه مستحيل التحقيق في الحياة الدنيا، لأن الإنسان خاطئ بطبعه، قاصر بطبعه، معوج بطبعه، فلا يمكن أن يستقيم. أما الإسلام فقد اعتبر تحقيق ملكوت الله هو مهمة الإنسان في الحياة الدنيا لا في الآخرة، ولذلك يسعى المسلمون دائما إلى محاولة تطبيقه، وإلى تقويم عجلة التاريخ كلما انحرفت عن الطريق ولو ضحوا بأنفسهم في سبيل ذلك، ومن ثم فإن التضحية في الإسلام له حصيلة إيجابية في واقع الأرض هي محاولة تقويم هذا الواقع وإصلاح ما اعوج منه، بينما التضحية في النصرانية ذات مفهوم سلبي، مؤداه أن يقف النصراني أمام عجلة التاريخ المنحرفة لا ليقومها ولكن لتدوسه وهو واقف مكانه، فهو يفضل أن تدوسه العجلة وتقتله على أن يسمح لها أن تتجاوزه وهي منحرفة، ولكنه لا يبذل جهدا لتصحيح مسارها وردها إلى الصراط المستقيم"[10].

د. ومن ثَمَّ كانت عصور ازدهار المسيحية عصورَ تخلف وركود، وكان الخروج إلى تغيير العالم مرتبطا بالانحراف عن المسيحية أو بالانقلاب عليها وعزلها عن الحياة، وكانت معركة العلم معركة ضد الدين في ذات اللحظة. بينما الحال في الإسلام على النقيض من هذا، فعصور ازدهار الإسلام هي عصور الازدهار العلمي والحضاري، وعصور التخلي عن الإسلام هي عصور الضعف والانحطاط.

وبينما يتقبل الغربيُّ ببساطة كون عصور ازدهار المسيحية هي "العصور المظلمة" ترى عقلية المسلم تستغرب من ازدهار الحضارة في وجود الكُفْر، وهذا ما عبَّر عنه رفاعة الطهطاوي -حين زار باريس شابا- في بيتْن من الشعر يقول فيهما:

أيوجد مثل باريس ديار؟! .. شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح .. أما هذا –وحقكمُ- عجيب!!.

فخلاصة القصة أن الفارق بين المسيحية بالنسبة للغرب وبين الإسلام بالنسبة للمسلمين ليس مجرد فارق بين دينين، ولا بين نظامين، بل هو فارق تأسيسي خطير؛ فالمسيحية جزء من الروح الغربية والإسلام هو كل الروح الإسلامية، والمسيحية تركز على عالم الملكوت وكل تغيير يتم في هذا العالم يُعدّ خصما من رصيد الآخرة، بينما الإسلام يرى أن النجاح في الآخرة مبني على النجاح في الدنيا ومرتبط به، وأن بذل المجهود في إقامة مملكة الله في الدنيا هو الطريق لنيل ملكوت الله في الآخرة.






[1] Gustave E. Grunebaum: Modern Islam; The Search for Cultural Identity, p. 147.
وانظر: برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية 1/16، 17.
[2] ريتشارد كوك وكريس سميث: انتحار الغرب ص55 وما بعدها، باتريك بوكانان: موت الغرب ص339 وما بعدها.
[3] هذا إذا غضضنا الطرف عن محاولات بعض المؤرخين القوميين في الحقبة القومية لاختلاق حضارة للعرب قبل الإسلام، وهي محاولة أيديولجية أكثر منها علمية، وليس هنا مقام الرد عليها، ولكن نقول بإيجاز: الحضارات العربية التي يتحدثون عنها شهدت انقطاعا طويلا حتى لم يعد لها أثر في المجتمع الذي أرسل فيه النبي، وهو مجتمع لم تتحقق فيه أي مظهر من مظاهر الحضارة، والعرب أنفسهم بعد أن جاءهم الإسلام رأوا أنفسهم في حقبة جديدة تماما وليست امتدادا ولا تجديدا ولا بعثا لحضارات قديمة.
[4]  رواه الحاكم في المستدرك (207) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة (33847، 34444).
[5] ريتشارد كوك وكريس سميث: انتحار الغرب ص10، 71.
[6] القاضي عبد الجبار المعتزلي: تثبيت دلائل النبوة ص173.
[7] أنتوتي بلاك: الغرب والإسلام ص122. (باختصار)
[8] جب: وجهة العالم الإسلامي ص9.
[9] القاضي عياض: الشفا 2/205.
[10] ولفرد كانتول سميث: الإسلام في التاريخ الحديث ص9، نقلا عن: محمد قطب: كيف نكتب التاريخ الإسلامي ص102.

الخميس، نوفمبر 05، 2015

في العطاء الحضاري الإسلامي للإنسانية بأقلام المستشرقين

ذكرنا في مقالات سابقة كيف أخرج الإسلام خير أمة للناس، وحاولنا استقراء هذا في بناء الإسلام للفرد والمجتمع والسلطة، ثم أردنا أن نثبت بأن الإنجاز الإسلامي لم يكن فقط على مستوى البناء والنظرية التي تفوقت على الفلسفات والمناهج البشرية الوضعية، بل كان في تحويله هذا البناء النظري إلى واقع عملي، وقد قدَّمنا في المقال السابق ما يثبت أن الإسلام كان أنجح حركة في تاريخ البشرية، واستشهدنا على ذلك بأقوال المستشرقين ليكون ذلك أوضع في الحجة وأبلغ في الدليل.

لكن التأثير الإسلامي لم يكن فحسب فيما أنجزه للعرب، بل ثمة تأثير شامل فاض به الإسلام على العالمين، وقد شمل هذا التأثير كافة الميادين الإنسانية:

ففي ميدان العلوم تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه: "لقد طوَّر العرب بتجاربهم وأبحاثهم العملية ما أخذوه من مادَّة خام عن الإغريق، وشكَّلوه تشكيلاً جديدًا، فالعرب -في الواقع- هم الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحقَّ القائم على التجربة... إن العرب لم يُنْقِذُوا الحضارة الإغريقية من الزوال ونَظَّمُوها ورتَّبُوهَا ثم أَهْدَوْهَا إلى الغرب فحسب؛ إنهم مُؤَسِّسُو الطُّرُقَ التجريبية في الكيمياء، والطبيعة، والحساب، والجبر، والجيولوجيا، وحساب المثلثات، وعلم الاجتماع، وبالإضافة إلى عددٍ لا يُحْصَى من الاكتشافات والاختراعات الفردية في مخْتَلَفِ فروع العلوم -والتي سُرق أغلبها ونُسب لآخرين- قدَّم العرب أثمن هدية؛ وهي طريقة البحث العلمي الصحيح، التي مَهَّدَتْ أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتَسَلُّطِهِ عليها اليوم"([1]). ويشهد المستشرق الفرنسي كارا دي فو بأن "العرب ارتفعوا بالحياة العقلية والدراسة العلمية إلى المقام الأسمى"([2]).

وفي ميدان التشريع يقول القانوني والمستشرق الإيطالي دافيد دي سانتيلانا: "إننا لو ضربنا صفحًا عن كل ما تقدَّم (من ذِكْرِه مزايا الشريعة الإسلامية)، فلا شك وأن المستوى الأخلاقي الرفيع الذي يسم الجانب الأكبر من شريعة العرب قد عمل على تطوير وترقية مفاهيمنا العصرية، وهنا يكمن فضل هذه الشريعة الباقي على مر الدهور"([3]).

وفي ميدان الاجتماع يقول المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون: "العرب يتصفون بروح المساواة المطلقة وفقًا لنُظمهم السياسية، وأن مبدأ المساواة الذي أعلن في أوروبا -قولاً لا فعلاً- راسخٌ في طبائع الشرع رسوخًا تامًّا، وأنه لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدَّى وجودها إلى أعنف الثورات في الغرب ولا يزال يؤدي"([4]).

وفي ميدان الأخلاق نرى المستشرق والكولونيل البريطاني رونالد فيكتور بودلي يتعجب قائلاً: "إن مما يؤثر في الغريب اليوم أدب العربي الصميم، ورقة قلبه، وحسن ضيافته، ولا يوجد جنس بشري آخر يبلغ في الكرم ما يبلغه العربي، كرم يصدر عن نفس صادقة، لقد انقضى ثلاثة عشر قرنًا منذ أعطى محمد r دروس الأخلاق في المدينة، ولكن تلك الدروس لم تُنْسَ إلى الآن". وهو يبدو منبهرًا إذ يطالع هذه النتيجة فيقول: "يبدو هذا العمل عظيمًا لمن لا يعرف العرب عن كثب؛ ولكنه أعظم خطورة مما يظهر؛ فالعرب فوضويون بطبعهم، لا يخضعون لقانون، فإذا ما اشتغل العربي أو حارب، فإنما يفعل ذلك بدافع من حماسته الشخصية، ولا يتحلَّى العربي بروح الجماعة... إن طريقة صهر محمد r العرب في فريق واحد لا يهزم، لإحدى معجزاته العظمى، وإن الفضل كل الفضل له"([5]).

وفي ميدان اللغة والأدب يقول المستشرق الإسباني أميركو كاسترو: "أغلب المتخصصين يعرفون أن صدى الإسلام ظلَّ باقيًا في الآثار التي خلفها في قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة، وكذلك العديد من المدن الأخرى قليلة الأهمية في هذا المقام، أما فيما يتعلق باللغة فهناك الآلاف من الألفاظ والمصطلحات العربية التي ما زال بعضها حيًّا، بينما عفا الزمان على بعضها الآخر، كما أن الأدب استلهم المصادر العربية، ووضح هذا الإلهام في قواعد الكهنوت... بل إن هناك تعبيرات قرآنية يتم تداولها في لغة الحياة اليومية، ومن يقرأ القرآن بعناية سيعثر على الكثير، ونقول على الآلاف من الأقوال والأمثال الإسبانية، فيقال بالإسبانية -مجازًا- "إن فلانًا حمار محمل بالعلوم"، وهذا معناه أن القيمة الثقافية لذلك الإنسان ضعيفة رغم أنه يعرف الكثير... وفي البرتغالية عبارة مرحة تقول: (إن الحمار المحمل بالكتب دكتور). وهنا يتضح معنى الاستعارة بشكل أفضل، وعندما نقرأ القرآن نجد أنه يوضحها بجلاء لا لبس فيه؛ إذ تقول الآية: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]"([6]).

ويشهد المستشرق البريطاني ألفريد جيوم بأنه "عندما ترى ضوءَ النهار جميعُ المواد النفيسة المختزنة في مكتبات أوروبا، فسيتضح لنا أن التأثير العربي الباقي في الحضارة الوسيطة لهو أعظم بكثير مما عرف عنه حتى الآن"([7]).

إن هذه ليست أكثر من لمحات خاطفة، فإن أثر الإسلام في العرب وفي الدنيا كلها كُتبت فيه المجلدات الكثيرة، وما زال يُكتب المزيد، ويبقى أن نؤكد معنى مهمًّا، وهو أن هذا الأثر لم يعد تاريخًا قد مضى، بل ما زال الإسلام منشودًا ومرغوبًا في أرضه وخارج أرضه أيضًا.

فأما داخل أرضه فتثبته كل انتخابات ولو شبه نزيهة؛ إذ يكتسحها الإسلاميون في كافة أنحاء العالم الإسلامي، وأما خارج أرضه فهو مبثوث في العديد من كتابات المفكرين غير المسلمين، وقد ارتفعت الوتيرة كثيرًا بعد الأزمة المالية العالمية، التي لم يصمد فيها إلا المؤسسات المصرفية الإسلامية، بل إن المتعصبين ضد الإسلام؛ إذ يصرحون بأن الإسلام هو الخطر، وهو القادر على تقديم بديل حقيقي للفكر الغربي فإنهم -بهذا- يعترفون بأنه الأمل الذي يداعب خيال العالم بعد فشل النماذج الغربية([8]).

إن رسوخ الإسلام كواقع حضاري بعد نحو ألف وخمسمائة عام، بل ووجوده كبديل مطروح قوي حتى في ظل ضعف البلاد الإسلامية، إن هذا الخلود بحد ذاته دليل لا يقبل الشك على قوة الإنجاز الإسلامي على أرض الواقع لا في مساحات التنظير فحسب.
نشر في ساسة بوست




([1]) زيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب ص401، 402.
([2]) كارا دي فو: الفلك والرياضيات بحث منشور بكتاب تراث الإسلام بإشراف (أرنولد) ص564.
([3]) دافيد دي سانتيلانا: القانون والمجتمع، دراسة منشورة في "تراث الإسلام" بإشراف توماس أرنولد ص439.
([4]) جوستاف لوبون: حضارة العرب ص391.
([5]) ر. ف. بودلي: الرسول ص138، 140.
([6]) أميركو كاسترو: إسبانيا في تاريخها ص63، 92.
([7]) ألفريد جيوم: الفلسفة وعلم الكلام، منشور في "تراث الإسلام" بإشراف توماس أرنولد، ص401.
([8]) على الرغم من الخلاف الأساسي بين طرحي فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنجتون، فإنهما يتفقان في أن العقبة الرئيسية أمام انتشار الحضارة الغربية هي الإسلام والدول الإسلامية، وبينما يأمل فوكوياما في أن الوقت سيأتي بهم إلى محراب الحضارة الغربية (فيما بعد تراجع فوكوياما عن نظريته "نهاية التاريخ")، يرى هنتنجتون أن هذا من الأحلام المستحيلة وأن المسلمين أبدًا لن يتغربوا، وأن الصدام لا محالة واقع بين الغرب والإسلام. انظر: فوكوياما: نهاية التاريخ ص56، 57، هنتنجتون: صدام الحضارات ص166، 168.

الثلاثاء، نوفمبر 03، 2015

فوارق رئيسية بين التجربتين العربية والتركية

لم تكن فرحة أنصار حزب العدالة والتنمية في تركيا بالفوز بأقل من فرحة العرب والمسلمين، في تركيا وخارجها، بهذا الفوز نفسه. بل نقول: فرحة العرب تزيد، فإن منهم اللاجئ ومنهم المطارد ومنهم من فقد الأمل في الحكام جميعا ولم يعد ينظر بعين الأمل إلا إلى أردوغان.

وحيث ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، فإنه ليس أسوأ من الهزيمة إلا الفشل في قراءة أسباب النجاح، وإذا كان يُقال: للنجاح آباء كُثُر، فإن تفرق نسب النجاح بين الآباء لم نستطع أن نعرف أصله وسببه، ولم ندرك أين يكمن معدنه وجوهره.. فإن كل ذي رأي يمدُّ سبب النجاح إلى رأيه ويبحث فيه عن هواه.

ولتهذيب وضبط القراءات المتعددة للتجربة التركية نكتب هذه السطور:

(1)
العسكر الترك والعسكر العرب

بداية فإن الشبه الأساسي بين تركيا والبلاد العربية هو في كونهما حُكِما بأنظمة استبدادية، ومثلما يرى العسكر أنفسهم في العالم العربي أصحاب الدولة وأنها ملكهم يرى العسكر الترك ذلك، فعسكر تركيا يرون أنهم مؤسسو الدولة الحديثة وأصحاب الانقلاب على الإرث العثماني "المتخلف" وأصحاب معركة التحرير واستنقاذ البلاد من أنياب معاهدة سيفر التي كانت تقضي عليها عمليا، ويفتخر العسكر حتى الآن بإنجاز لم يكونوا قد وُلِدوا حين تمَّ، هذا لو تجاوزنا كل ما يثار من إشكاليات حول كونه إنجازا.

ورغم هذا الاتفاق فإن الفارق الكبير أن العسكر الترك كانوا منذ ظهرت آفاق التحديث ذوي رأي وسياسة، فحين بدأت سياسة ما يُعرف بالتنظيمات أو الإصلاحات في الدولة العثمانية كانت بدايتها في الجيش، وفي الجيش تكونت الحركات التي انقلبت فيما بعد على الخلافة العثمانية، ومنذ تأسيس الجمهورية والجيش هو من يحكم بسياسة علمانية واضحة وصريحة اشتبكت مباشرة مع نظام الخلافة ومع المجتمع المسلم، فالعسكر التركي يرث ميراثا علمانيا هو من أسسه ورعاه وصار ذا خبرة في معاركه.

بينما العسكر العرب جهلاء بلا فكر ولا رؤية ولا لهم دور في بناء دولهم ولا خاضوا معارك تحرير حقيقية يمكنهم أن يستمدوا منها شرعيتهم أو يفهموا بها معنى الصراع الحضاري، بل إن عامة سيرتهم هو أنهم ورثوا البلاد من احتلال أجنبي سابق، هذا الاحتلال هو من قام بمهمة المواجهة مع المجتمع المسلم ونظامه ومؤسساته ثم قهر البلاد والعباد ثم أورثهم إياها جاهزة ممهدة قد استقرت فيها العلمانية على مستوى النخب.. فكانت سيرة العسكر العرب في بلادهم أسوأ من سيرة الاحتلال نفسه.

ولذلك فبقدر ما يتصرف العسكر العرب تماما كأذيال للغرب بلا أدنى رؤية ولا فكر، بقدر ما يرى العسكر الترك أنفسهم أصحاب عقيدة ورأي في وضع تركيا وخياراتها ومصيرها! ولذلك آثار بعيدة على التعامل مع المدنيين!

(2)
المشهد الديمقراطي

بينما وقعت عدد من البلاد العربية تحت نمط الحكم الشيوعي، كانت تركيا واقعة تحت نمط الحكم الغربي الرأسمالي، وكانت تركيا خط دفاع متقدم للمعسكر الغربي بوجه المعسكر الشرقي، وكان من ضرورات هذا الصراع أن يقوم في تركيا "مشهد ديمقراطي" يحتوي على أحزاب وتعددية وانتخابات نزيهة، فيما يغيب هذا المشهد بالكلية عن البلاد العربية فيكون استبدادها فجًّا غليظًا متوحشا لا يتجمل ولا يتزين.

من هنا فرضت الرغبة الغربية أن يكون في تركيا أحزاب وانتخابات نزيهة وسلطة تُتَداول، مع الاحتفاظ للعسكر بحقهم في "تصحيح مسار الديمقراطية" إن جاءت على خلاف العلمانية، لذلك لا تعرف تركيا تزوير الانتخابات، بل تعرف تداول السلطة وتعدد الأحزاب والتنافس الحقيقي على مواقع الحكومة، ولكن في ذات الإطار الغربي الذي يجعل الناس تحت سقف العلمانية وحكمها ويطحن المجتمعات التقليدية غير المعلمنة ويهمشها ويزيحها إلى أطراف المجتمع.

بينما ظل العالم العربي محكوما بجثة عسكري أو ملك حتى يتعفن، بلا أحزاب ولا مشهد ديمقراطي ولا تداول سلطة ولا انتخابات نزيهة، ولئن كان ثمة انقلابات عسكرية فإنها ليست لحماية العلمانية بل هي صراع أجنحة داخل العلمانية نفسها، وهو صراع ممدود إلى حبل أصله في الخارج.

(3)
الحركة الإسلامية: احتواء وممارسة

وكان من آثار هذا على الحركة الإسلامية أن اختلفت اتجاهاتها بين تركيا والعالم العربي، ففي العالم العربي حيث الأفق السياسي منغلق تماما اتجهت الحركة الإسلامية إلى المواجهة المسلحة مع الأنظمة أو ظلت تدور تحت السقف السياسي المسموح به، وفي كل الأحوال ظلت الحركة الإسلامية بعيدة تماما عن السلطة الحقيقية ودهاليزها وفهم خريطتها، فأعلى ما حققوه أن تكون لهم حكومة بلا صلاحيات تحت ظل سلطة تسيطر على المال والعسكر والأمن (مراكز القوى الحقيقية لأية سلطة) بينما كانوا نزلاء السجون وضيوف المشانق كثيرا وطويلا.

بينما كان الحال على النقيض في التجربة التركية، فبرغم الانقلابات العسكرية الكثيرة (حتى لقد وصفت تركيا بأنها بلد الانقلاب العسكري كل عشر سنوات) إلا أن الإسلاميين هناك وصلوا إلى السلطة غير مرة ضمن حكومات ائتلافية، كما تولوا بلديات مهمة بصلاحيات حقيقية، ولذلك كانوا ممارسين بالفعل للسلطة وأقدر على فهم خريطتها والتعامل معها. ومن ناحية أخرى كانوا دائما تحت احتواء النظام إذ لم يبدُ منهم أي محاولة حقيقية للتحول نحو السلاح ومواجهة النظام القائم بالخروج عليه.. كانت العملية الديمقراطية (نصف الشكلية) تستطيع دائما استيعاب الطاقة الإسلامية ومنعها من الذهاب نحو أن تكون ضد النظام. إلا أن العملية الديمقراطية ذاتها سمحت بوصول من وضع نفسه الآن في موضع يبدو معه أنه صار عصيا على الانقلابات العسكرية وأنه يستطيع أن يحمي تجربته مما شهدته التجارب السابقة.

(4)
العلمانية الشعبية

ليس سرا أن تركيا كانت تجربة لبناء "الإسلام المعتدل" أمريكيا، وهو الإسلام الذي يمنح الناس حرية العبادة الشعائرية والتعبير عن الرأي بينما تبقى الخيارات الحضارية الكبرى رأسمالية غربية علمانية تامة. وأغلب الظن أن ما فعله أردوغان عبر هذه التجربة قد جعلت الأمريكان يعدلون عن تكرار هذه التجربة، بدليل ما فعلوه في مصر مع الإخوان الذين أعلنوا بوضوح أنهم يتوقون لتطبيق النموذج الأردوغاني.

لكن ثمة فارقا كبيرا يجعل تطبيق التجربة عسيرا في البلاد العربية، فمما لا يُنتبه له في الشأن التركي أنه قد جرت عملية ضخمة لتحويل الأتراك وفصلهم عن جذورهم، وقد استمرت هذه العلمانية لثلاثة أرباع القرن تعمل بكل شراسة وهي تملك إمكانيات السلطة المركزية الضخمة.. إلا أن أصعب ما جرى في هذا السياق هو تغيير اللغة الذي شمل حروفها وكثيرا من ألفاظها كذلك، فهنا صارت القطيعة بين الشعب التركي وتراثه قطيعة كبرى تبدو عملية علاجها مستحيلة.. فإذا وضعنا هذا مع عامليْن آخريْن هما (عدم تعرب الدولة العثمانية، وكون التدين التركي صوفيا) أمكن أن نتصور مدى الفجوة التي حدثت بين الإسلام كما هو في مصادره الأصلية وبين الإسلام كما أرادت له السلطة العلمانية أن يكون.

لقد أثمر كل هذا نجاحا ملموسا للعلمانية داخل الشعب التركي (لا طبقة النخبة)، فصار طبيعيا جدا أن ترى في تركيا من يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد ثم ينتخب حزب الشعب الجمهوري العلماني الأتاتوركي، وأن ترى من لا يشرب الخمر ويكرهها ولكنه يتخوف بجد من أن الإسلاميين قد يمنعونها فهي حرية شخصية (والحرية الشخصية مقدسة)، وأن ترى متحجبة متمسكة بالحجاب لكن سلوكها في حجابها لا يختلف عمن تعتنق العلمانية!

هذه النماذج لا تكاد توجد في العالم العربي، بل الناس في أرض العرب منقسمون إلى مسلمين وطبقة علمانية متغربة، وإن كانت أفكار العلمنة تزحف رويدا رويدا في بلادنا فتكتسب جمهورا جديدا من الطبقة الوسطى، إلا أن نجاح العلمانية في عالمنا العربي شعبيا لا يمكن أن يقارن بنجاحه في تركيا.

ولست أعني هنا أن عموم الشعب التركي صار متعلمنا، إطلاقا، فما يزال الترك من أصلب الناس إسلاما وحمية للدين، وإنما يكثر التشوش في مسائل العلمانية والحكم ومساحة الدين بالنسبة للسلطة، وثمة مناطق –مثل اسطنبول وأنقرة وإزمير وبعض المدن الساحلية- صارت العلمانية فيها نمطا معتادا، حتى يُسأل الشاب هناك: من تنتخب؟ فيقول: حزب الشعب الجمهوري. فيقال له: لماذا؟ فيقال: هذا تقليدنا في العائلة!

نشر في تركيا بوست


تقرير كارنيجي والعار الكبير

نشر مركز كارنيجي للشرق الأوسط تقريرا بعنوان "تصاعد التمرد الإسلامي في مصر" أعده مختار عوض ومصطفى هاشم، يحاول التقرير أن يرسم خريطة للمقاومة الشعبية للانقلاب العسكري في مصر، ويختم هذا بتوصيات يرفعها للحكومة المصرية من جهة وللقيادات "العاقلة" في جماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى.

بداية فلا ريب أن التقرير أنفق مجهودا في رصد الحالة المقاومة للانقلاب، واعتمد في ذلك على ما قال أنها مقابلات شخصية مع ناشطين في المقاومة، على أن الحقيقة البادية خلف هذا الكلام هو أن من أعدوا التقارير كان لديهم محاضر التحقيقات المأخوذة بعد التعذيب مع المعتقلين في السجون المصرية، هذا إن لم يكن بعض من أعدوه حاضرا في التحقيقات أو ممارسا لها، وهذا ليس مستبعدا عندي.

لا يختلف التقرير –الذي أعده مسلمون كما يظهر من أسمائهم- في أي شيء عن تقرير يعده صهاينة أو غربيون، فاللغة يهيمن عليها الطابع الأمني، وهي لغة تسبغ على كل أفعال النظام نوعا من الحيادية أو التفهم أو التبرير بينما تسبغ على أفعال المعارضين أنواع التشكيك والتجريم؛ فالتقرير يتحدث مثلا عن "الاعتداءات الجنسية المزعومة على النساء المحتجزات"، فيجعل من هذه الحقيقة الموثقة زعما يستغله "من يرغب في ممارسة العنف" ليؤيد وجهة نظره "بانتهازية سياسية" ويمارس "التحريض" بهدف "التجنيد" للشباب الصغير.

ولا يرضى واضعا التقرير عن أي تصريح ليست فيه إدانة صريحة ومباشرة للمقاومة، ويعتبرون كل تصريح يحمل نوعا من السكوت أو المراوغة أو حتى دعم "السلمية المبدعة" إنما هو شرعنة للعنف وبداية طريق زلق ينحدر بصاحبه نحو العنف الكامل.

ويذهب التقرير صراحة إلى إعطاء توصياته للطرفين، وتقتصر توصياته للنظام في أمرين؛ الأول: أن يعمل بمبدأ "فرق تسد" في عموم الأحوال للقضاء على "التمرد" الإسلامي على نحو أفضل، فيفرق بين الإسلاميين وبعضهم لتزيد الهوة بين الإخوان وغيرهم من الإسلاميين، ويفرق بين الإخوان وبعضهم لتزيد الهوة بين "العقلانيين" وغيرهم من المتبنين للمقاومة، ويفرق به بين المعتقلين فيفرج عمن لم يتورط فيما يسميه "العنف". والثاني: أن يتوقف عما من شأنه أن يزيد في إلهاب المشاعر، كالقتل خارج أحكام القضاء، والاختطاف، وتحسين أحوال السجون.

ويوصي التقرير "العقلانيين" في قيادة الإخوان بأن تقبل بالانقلاب العسكري وتبحث عن تسوية مع النظام الحالي، وأن يستخدموا نفوذهم وثقلهم وخبرتهم بدهاليز الجماعة وسيطرتهم على مفاتيح التمويل في شن حرب على "المتطرفين" لكبح جماحهم، خصوصا داخل الجماعة، وذلك لكي تعود الجماعة كما كانت نموذجا في الطاعة العمياء والثقة والانضباط التنظيمي والهرمي الذي عرفت به طيلة تاريخها، ولكي يحافظوا على الجماعة موحدة.

تلك خلاصة التقرير..

وأطرف ما في التقرير المتصهين هذا أنه حين يتحدث عن التوصيات الموجهة للإخوان يبدو وكأن الشفقة بالجماعة والحرص على مصيرها قد انفجر في قلبه الرقيق، فهو متأثر أن تنهار صورة الجماعة المستقرة والتي كانت واحدة موحدة ونموذجا في الطاعة والثقة والالتزام!!! وما أسخف عظة الثعالب!

ويسيطر على التقرير لهجة واضحة تفصل تماما بين "الثورة المصرية" وبين ما يسميه "التمرد الإسلامي"، فهو لا يفلت موقفا يمكنه فيه وضع هذا الحاجز بينهما إلا ووضعه. وهو دائم التعليق على أن الإسلاميين "ينتهزون/ يستغلون.." فرصة الثورة لتحويل خطابهم إلى خطاب ثوري، فيما الأصل والأساس أنه خطاب جهادي لا علاقة له بالثورة ولا الثوار.. أي أن كل علاقة الإسلاميين بالثورة هو محاولتهم شرعنة أفكارهم وخطواتهم من خلال شعارات الثورة!

وليس يُسْتَبْعَد هذا من مثل واضعي التقرير الذين لا يفهمون -أو لا يحبون أن يفهموا، أو لا يحبون أن يفهم أحد- أن الإسلام هو روح الثورة المصرية، وأن الإسلاميين هم صلب هذه الثورة منذ لحظاتها الأولى، وأن كل الخيارات الشعبية التي انبثقت عن هذه الثورة كانت إسلامية.

تكمن القيمة الأساسية لهذا التقرير الغربي في عدة أمور ينبغي أن نفقهها ونتعامل معها بجدية وعناية، أهمها:

1. شعور الغرب بخطورة عدم الاستقرار في مصر، وسعيه نحو صناعة استقرار قائم على أساس التسليم بالانقلاب العسكري ونظامه.

2. أن روح هذا الشعب هو الإسلام، وأن مقاومة الانقلاب العسكري تكاد تنحصر في الإسلاميين، فهو لا ينظر إليها على أنها مقاومة شعبية، ولا يفهم المنضمين لمقاومة النظام العسكري إلا على أنهم إسلاميون حتى وإن اعترف بأن بعضهم لم يكن كذلك وإنما دخل مدفوعا بما جرى في الانقلاب العسكري ومذابحه.. وهو وإن كان يريد بهذا تعميق الفصل بين "الإسلاميين" و"عموم الشعب" إلا أنه يكشف عن أمر آخر في غاية الأهمية هو: أن لا راية تحرك المقاومة وتحشد الطاقات وتلهب الخيال في هذه البلد سوى راية الإسلام.

3. وذلك يؤدي بنا إلى استنتاج آخر مهم، وهو أن أي تدخل في المشهد السياسي لمقاومة هذا الانقلاب تحت عناوين مثل الاصطفاف والتوافق وما شابهها إنما هو تدخل لسرقة هذا الإنجاز وتزييفه. إذ ليس ثمة مقاومة للانقلاب على الأرض ليبرالية أو اشتراكية أو ذات طابع أيديولوجي آخر.

4. أما العار الكبير في هذا التقرير فهو أنه يتوجه بالتوصية لمن يسميهم "العقلانيين" في قيادة الإخوان أن يستخدموا نفوذهم وسيطرتهم على التمويل في إزاحة وإقصاء الجناح الآخر الذي يصفه بـ "المتطرفين"، وهو ما يجعل هؤلاء القادة المقصودين محطّ أمل من قِبَل غربيين متصهينة يريدون استقرار النظام العسكري الانقلابي. ونحن وإن كنا لا نسيئ الظن بهم إلى هذا الحد إلا أننا ننبهم إلى أن وجودهم في هذا الموضع يجعل منهم موضع أمل يستثمره العدو! وهو أمر كفيل بأن يتيقظ له كل من ظنَّ يوما أن هذه الأنظمة تسقط بمجرد السلمية.

إن التقرير لا يجد شيئا يعدهم به إلا أن يداعب خيالهم بأيام الماضي حين كانوا يأمرون فيُطاعون ويشيرون فيُستجاب لهم بغير نقاش، لأول مرة تصير "الطاعة العمياء" شيئا ممدوحا في تقرير غربي وقد كان من قبل من علامات انغلاق التنظيم ورجعيته!

لا يجد التقرير شيئا يتوقعه إن هم فعلوا ذلك، فلا مكسب سياسي ولا حتى وجود سياسي آمن، فقط أن تعود لهم عروش القيادة السابقة، على أن هذا في الحقيقة لن يكون أبدا لأن الوقت قد مضى فعلا، وإن لم يستجب "العقلانيون" لضرورات المرحلة فأفضل ما سيصل إليه الإخوان هو الانقسام لجناحيْن، الجناح العقلاني ويضم قليلا من الكبار وأقل منهم من الشباب حتى وإن كان يملك الكثير من المال والتاريخ، وجناح شبابي يملك الكثير كما يملك الطاقة والحماس والعزم، وليس أحد ينظر إلى هذه القسمة إلا ويرى أن المستقبل في جانب الشباب.


فعار وأي عار أن يستجيب من كانوا يوما نجوما في العمل الإسلامي لتوصيات تقرير أمني غربي عدو لهم؟!!