الجمعة، يونيو 13، 2014

التاريخ في فكر الشيخ محمد قطب



فاضت روحه إلى بارئها بعد حياة حافلة مديدة اقتربت أن تكمل القرن من عمر الزمان، عاش لنحو نصف قرن من استشهاد أخيه، وهو الحدث الذي اهتز له كل العالم الإسلامي حينئذ، رأى فيها مصارع الظالمين وتبدل الدول وتقلب الأفكار وانهيار الإمبراطوريات وصعود أخرى، فرأى قرنا من التاريخ الإنساني بعيني رأسه بخلاف ما احتواه في صدره من قرون السابقين. ثم كان لا بد من الرحيل، فمات صباح يوم الجمعة الرابع من جمادى الآخرة 1435هـ، الرابع من إبريل 2014م، وصُلِّي عليه في الحرم المكي الشريف.

والشيخ محمد من العلامات العلمية والفكرية في عصره، وكان إنتاجه من أهم ما اطلعت عليه وتأثرت به الصحوة الإسلامية المعاصرة فهو في الطبقة الأولى من الأعلام المؤثرين فيها، ولا زلت أتذكر أن كتابه "واقعنا المعاصر" كان أول كتاب ضخم أتمه من أوله إلى آخره، وكان ذلك قبل نحو سبعة عشر عاما حين كنت في الثالثة عشرة من عمري، من فرط إعجابي به لسلاسة أسلوبه ووضوح أفكاره وقدرتها على مخاطبة من هم في هذا السنِّ بهذه القوة والعمق.

فكان أضعف الإيمان أن نتوقف في هذه السطور مع منهج الشيخ في قراءة وكتابة التاريخ الإنساني، وفي القلب منه التاريخ الإسلامي بطبيعة الحال.

أولا: خلاصة المنهج

لقد أبان الشيخ عن منهجه غير مرة، فكتب بناءه النظري في كتابه "كيف نكتب التاريخ الإسلامي"، الذي صدر حين كان الشيخ في الثالثة والسبعين من عمره، أي في مرحلة استواء الأفكار، وإن كان قد كتبه أول مرة وهو في الثامنة والخمسين، وقد صرح فيه بأنه "يحوى الصورة الأخيرة لتفكيري في موضوع كتابة التاريخ الإسلامي"[1]. ثم أعاد طرح منهجه بإيجاز في فصل ضمن كتابه "التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" والصادر بعد الكتاب الأول بست سنوات.

ثم طبق هذا المنهج عمليا في بعض كتبه والتي على رأسها "واقعنا المعاصر" وكتابه "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".

وخلاصة هذا المنهج: أنه يجب علينا أن نكتب تاريخنا الإسلامي بنظرة يتحقق فيها عدة أمور:

1.    الانطلاق من حقيقة أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، وهي الأمة الوسط، وهي التي تحمل الرسالة الأزلية –فهي خاتمة الرسالات وليست انبعاثا جديدا متأخرا- وأن هذه الخيرية ليست عرقية ولا قومية ولا ذاتية، وإنما مستمدة من الرسالة، وينتج عن هذا الانطلاق أربعة نتائج مهمة هي:

§       أن التأريخ للجاهلية ينبغي أن ينطلق من كونها انحرافا كونيا عن دين الله، وأنه انحراف تتعدد مظاهره وأشكاله، فالجاهلية كل ما سوى الإسلام وليست مرحلة تاريخية سابقة.

§       أن التوحيد هو أكبر حركة تحررية في التاريخ وذلك أنه حركة تحرير شاملة لا تقتصر على تغيير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو فكري أو فني، بل هو إخراج للإنسان كله من الظلمات إلى النور.

§       أن العالم كله يخسر بانحطاط المسلمين وليس المسلمون وحدهم، وهذا هو الحادث في الواقع المعاصر، الذي ينبغي أن يُركز في عرضه على هذه الجزئية التي يكاد يغفلها الجميع.

§       أن النهضة الغربية الحالية مهما قيل في وصف تقدمها المادي فإنما هي نهضة "عرجاء" لما تحتويه من كفر وظلم وفساد وانحلال، وجنوح إلى الدمار، وإفساد للفطرة، وأنها –لهذا- حضارة آيلة للسقوط.

2.    تنقية وتصفية التراث الأرشيفي الكبير الذي تركه لنا علماؤنا وتمييز الصحيح والضعيف من الروايات الكثيرة التي تصل حد التناقض والتضارب، لا سيما فيما يخص عصر الصحابة.

3.    التخلص من الآثار الاستشراقية في الدراسات الحديثة والمعاصرة، سواء كتبها مستشرقون أو غيرهم، وسواء انطلقت من كراهية للإسلام أو علق بها الرؤية المادية أو التفسيرات القومية والعرقية للتاريخ.

4.    قراءة تاريخنا الإسلامي بعين وروح إسلامية، في ضوء الهداية التي جاء بها القرآن والسنة وبغير فصل نكد بين ما هو "دين" وما هو "تاريخ"، بل التاريخ هو أثر الدين على واقع الحياة، فبه يُفهم طالما أنه منه انطلق، ويتمثل هذا كأبرز ما يكون في أربعة جوانب:

§       الفتوح الإسلامية وكيف أنها تفارق تماما التوسعات الامبراطورية في الغاية والمسلك.

§       الحركة العلمية الإسلامية التي انطلقت لتحقيق طلب العلم وعمارة الأرض، وسلكت سبيلا خلقيا يمنعها من استخدامه في الفساد والإفساد، كما ويستحيل عليها أن تصل إلى نزاع بين العلم والدين.

§       الحضارة الإسلامية التي هي حضارة قيم ونظم بالأساس لا حضارة زخارف ورسوم وبنايات، فمن القيم تستمد هذه المظاهر المادية روحها ووظيفتها.

§       تقييم فترات الضعف والانهيار بعين ترصد أسبابه في الابتعاد عن الوحي وهدايته، لا في مجرد التخلي عن الأسباب المادية، في الظروف الداخلية قبل الظروف الخارجية، فيما كان فينا من عيوب أنجحت المؤامرات لا في مجرد المؤامرات.

5.    قراءة التاريخ بلا إفراط ولا تفريط، بلا تزوير ولا تبرير، فتاريخنا مجيد زاهر إلى الحد الذي يبعث بالفخر، وهو أحوج ما نكون إليه في واقعنا ولأداء رسالتنا، كما نحن أحوج إلى معرفة العيوب والمشكلات التي أدت إلى انحدارنا وانهيارنا في نهاية المطاف، وهو أمر جلل لا ينفع فيه التخدير بالاقتصار على الأمجاد أو بذل المجهود في تبرير العيوب، فكيف ونحن مأمورون بالعدل مع أنفسنا والأقربين!

6.    رفض قصر التاريخ الإسلامي على جانب التاريخ السياسي، بل ينبغي أن نولي العناية لتاريخ الأمة الحضاري والعلمي والاجتماعي

ثانيا: المحطات التاريخية الكبرى

وبناء على هذا المنهج وضع الشيخ رؤية لمحطات التاريخ الكبرى كيف يكون عرضها وتفسير ما وقع فيها، فأبان في هذه المحطات والأحقاب عن أبحاث لم تدرس بعد، وأبحاث لم تدرس بشكل وافٍ، وأبحاث بحاجة إلى إعادة عرضها والتأمل فيها.

فالحقبة الجاهلية ينبغي أن تدرس لا كفترة زمنية بل كحالة انحراف، وهي حالة يعاني منها البشر في القديم والحديث، ليس فقط من جهة عبادة الأوثان، وإن تكن عبادة الأوثان ما تزال منتشر في مناطق واسعة من الأرض كالهند، والأوثان ذاتها ليست دائما حجارة، بل كل ما قُدِّس وأطيع من دون الله فهو بمنزلة الأوثان وأولئك المتبعون إنما هم في جاهلية، ولذلك فكل ما تعيشه الإنسانية من شيوع القتل وجحيم الظلم والعبودية والتعصب للأعراق والألوان والأرض وانحلال الأخلاق وأكل الربا والاحتكار إنما هو من جراء تقديس ما سوى الله واتباع غير أوامره واعتناق الخرافة. وينبغي أن تعرف هذه الفترة بعمق كي يدرك الناس مدى نعمة الله عليهم بالتوحيد، إذ لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وبهذا المعنى فالجاهلية متعددة متكررة قائمة وليست حقبة قد انتهت، كما أن وجود حضارة وتفوق علمي تقني مادي لا يعني انفكاك هذه الحضارة من وصف الجاهلية.

والإسلام ليس دعوة نبي بعث قبل ألف سنة، بل إن هذا النبي هو خاتمة الرسالات التي هي الاستقامة، فهو ليس رد فعل للجاهلية ولا هو حركة أرضية إصلاحية ضيقة، بل هو أوسع وأشمل حركة تحرر ومواجهة لهذه المظالم والمفاسد كلها، وهو كذلك أفضل وأعمق إصلاح للنفس الإنسانية، وبهذا المعنى فلا بد من وقوع الحرب بين الحق والباطل، بين المتألهين والمستبدين والمفسدين وبين المتحررين والمجاهدين والمصلحين، ويرى الشيخ أن فترة البعثة وصدر الإسلام يجب أن تركز على أربع موضوعات: شخصية النبي، استقبال الجاهلية لدعوته، موقف المؤمنين مما وقع عليهم من العذاب، التربية في دار الأرقم. فبهذه الموضوعات يظهر أثر الإسلام في النفوس والمجتمعات، وأما الفترة المدنية فأهم ما ينبغي التركيز عليه هو ثمرة الإسلام إذ أنشأ الدولة ووضع قواعد النصر والتمكين وقواعد الحكم والسياسة، ثم دراسة المواجهة بين دولة الإسلام والجاهلية من حولها، ويرى أن هذه الفترة يكتفى فيها بالقرآن والسنة وشروحهما فحسب.

وأما فترة صدر الإسلام (الخلافة الراشدة) فينبغي أن تعرض على أنها التطبيق المباشر للإسلام، فينظر فيها فيما يعرض للسلطة والسياسة من قضايا، وما يعرض للمجتمع من تغيرات حين يحكم نفسه بغير وحي من السماء، وكيف ينبغي أن يتعلم الناس أن المجتمع المثالي ليس خياليا بل واقعيا، ومثاليته لا ترفعه عن بشريته، بل تظل ثمة أخطاء تقع وتُعالج، وتعدّ فترة الشيخين على وجه الخصوص أغزر الفترات التي ينبغي التوقف عندها لأخذ الدرس في الحسم والحزم والتعامل في الأزمات، وفي حقوق الرعية على الراعي وحقوقه عليها، ويعزو الشيخ وقوع الفتن إلى هذا التوسع السريع للإسلام وهو ماترتب عليه دخول قوم فيه لم يحظوا بالقدر المناسب من التربية فمن هنا كانت الفتنة التي عمل على بذرها وإشعالها أعداء الأمة من اليهود كعبد الله بن سبأ.

وأما فترة انتشار الإسلام في عهود الدولة الأموية والعباسية والعثمانية فمختصر منهج الشيخ هو العناية بدراستها دراسة فاحصة تفصل لتمييز الحقائق من المبالغات والتشويهات، وتحدد بدقة جوانب الانحراف واستمرارها، وترصد نمو هذه العوامل وانتقالها من السلطة إلى المجتمع ثم تأثير هذا على وقوع الأمة فيما بعد تحت براثن الصليبيين والمغول.

وأما فترة الضعف العام التي سقطت فيها الخلافة ووقع فيها المسلمون تحت الاحتلال الأجنبي، فمختصر منهج الشيخ هو ذاته ما سبق ثم هو يضيف إليه ضرورة التركيز على عرض "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، حيث لم يكن انحطاط المسلمين مجرد خسارة لهم وحدهم، بل انحطاطهم هذا هو ما جعل المفاسد تغزو العالم بلا حماية، فلو قدر أن المسلمين كانوا أقوياء لما كان الربا هو أساس التعامل المالي العالمي، ولا كان الانحلال الأخلاقي هو أساس الواقع الاجتماعي، ولا كان المستضعفون في هذا العالم أضيع من الأيتام على موائد اللئام، فكل هذا إنما انتشر وصار سلوكا عالميا بفعل وجود الداعي الغربي واليهودي وانتفاء النموذج المقاوم القوي المتمثل في الإسلام، وهو ما خسرت به البشرية كلها أرواحا وأموالا ومظالم لا تعد ولا تحصى.

ويرى الشيخ ضرورة التأريخ النزيه لحركات الصحوة الإسلامية، فيم نجحت وفيم أخفقت، وهو يثبت لها جهادها وفضلها وإخلاصها، ويعزو إخفاقها إلى أمرين: استعجال الثمرة قبل أوانها، واعتمادها في تربية أبنائها على السمع والطاعة أكثر من الشورى.

ونخلص من هذا العرض إلى أن منهج الشيخ يعتمد أساسا كبيرا هو مركزية العقيدة وأهميتها، فهي السبيل للتخلص من أسر المناهج المادية التي سيطرت على مناهج النظر والبحث بأثر من التفوق الغربي والغزو الفكري، فمن العقيدة يُعاد تعريف "الإنسان" من حيث الطبيعة والغاية والرسالة، ويُعاد تعريف "الحضارة" من حيث الجوهر والمظهر، ويُعاد تعريف "الحال" من حيث التقدم والتخلف.

وفي منهج الشيخ نجد موضوع التربية: الهدف والوسائل، شائعا مهيمنا، فلئن خلا الكلام من ذكر صريح فهي مخبوءة في باطن الكلمات، وليس هذا محصورا في شأن التاريخ وحده بل هو منهج للشيخ في كافة العلوم حتى في كتابه "منهج الفن الإسلامي"، فضلا عن آثاره التي خصصها لموضوع التربية. 

ثالثا: ما ينتقد على منهج الشيخ

وهو يتلخص في ثلاثة أمور:

1. أولها أنك لا تجد عند الشيخ نقاشا موسعا ولو لقضية واحدة كمثال تاريخي يرصد ويحلل أسبابها وظروفها بعمق، فيعدُّ تطبيقا لمنهجه في التحليل والتفسير، فكم كان مهما وهو يستنكر تحول الحكم من الخلافة إلى الملك أن يبين عن موضع المشكلة، ذلك أن البيعة ليزيد لم تكن مجرد قرار من معاوية (رضي الله عنه) بل هي تعد موضع رضا عام من بعد ما قبل بها الصحابة والتابعون ولم يتخلف عن هذا الرضا إلا أربعة ثم لم يخرج عليها إلا واحد وهو (الحسين رضي الله عنه)، لا سيما والشيخ يذكر من تغير الزمان والنفوس ما هو دليل لمن أيَّد معاوية في فعله، باعتبار أن هذا هو الحل "العملي، الواقعي" الذي يحفظ الأمة[2].

وبرغم أن أكبر توسع للشيخ في نقاش وتحليل قضايا تاريخية كانت من نصيب التاريخ المعاصر والحديث[3]، إلا أن قضية مهمة كقضية اشتراك الإخوان في حرب فلسطين لم تأخذ حقها من النقاش، وهي ربما القضية الأهم والفيصل التي كنا سنعرف بها منهج الشيخ في إشكالية "المثالي والواقعي" ذلك أن الجهاد في فلسطين يمثل كل معاني المثالية المطلوبة: الأخوة والجهاد والنصرة والمقدسات فيما تؤكد صياغته أن هذا الاشتراك هو ما أثار القوى العالمية على جماعة الإخوان فاجتمعوا على حلها والقضاء عليها وهو ما كان. وتوحي صياغة الشيخ –والله أعلم- بأنه لم يكن يؤيد هذا الاشتراك، ولمثل هذا نقول بأنه لو فصَّل في هذه اللحظة التاريخية لاستبان منهجه أكثر، فالتطبيق يضبط النظرية.

وقد يُجاب على هذا بأن الشيخ نفسه صرح بأنه ليس مؤرخا ولا له دأب المؤرخ وصبره، وقد يجاب بأن واضع المنهج الكلي ليس بالضرورة أن يكون ذا باع فيه، وهو ما لا نوافق عليه، إذ من الضرورة أن يكون الأصولي على قدر من الإلمام بالفقه، وكان لابد لمثل ابن خلدون أن يكتب تاريخا نرى فيه أثر منهجه في التفسير، وإلا وقعنا في مشكلة المثالية التي تفارق الواقع، وهو ما نأخذه على بعض طروحات الشيخ رحمه الله.

2. ثانيها أن أثر اهتمام الشيخ بموضوع التربية، وهو أمر يكاد يصبغ كل إنتاجه، نجد تعظيما لأمر "التربية والتكوين" وتقليلا لحجم "السياسة والسلطة" في قراءته التاريخية، فكتابات الشيخ توحي وكأن التربية هي الغرض من قراءة التاريخ ومن تدريسه، فيما نظن أن التربية نفسها هي وسيلة لتأسيس حكم الله في الأرض الذي هو سياسة وسلطة، وهذا إلى جانب أن السياسة والسلطة تتحكم وتؤثر في التربية، كما في قول عثمان (رضي الله عنه) "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ثم إن العالم منذ نحو مائتي عام وهو يرزح تحت ظل الدولة المركزية التي تجمع كل شيء بيد السلطة حتى مناهج التعليم ووسائل الإعلام والتثقيف حتى التحكم فيمن يصعد على المنبر ومن يلقي الدروس ومن يخرج من البلد ومن يدخل إليها[4]، فهذا كله مما يعظم شأن السياسة وأثرها على أحوال الناس وأعمالهم، وذلك هو تاريخهم.

3. ثالثها هو تضخيم حجم المؤامرة وأثرها في واقعنا، وخصوصا في بحث المستشرقين الذين يرتاب الشيخ في كل ما يفعلون حتى ما كان منه طبيعيا فيفترض فيه غرضا خبيثا، فمن ذلك أنه ينظر بعين الريبة إلى تقسيمهم التاريخ إلى عصور: خلافة راشدة، أموية، عباسية، مملوكية، عثمانية.. ويرى أنهم بهذا أرادوا تمزيق تاريخ الأمة وقطع تواصل الأجيال[5]، ولما كانت الحقيقة أن هذا التقسيم فعله المؤرخون المسلمون الأوائل لم يجد إلا أن يعبر عن إحساسه بأن حديث الأوائل في هذا التقسيم طبيعي بينما إحساسه لدى قراءته عند المستشرقين يوحي بغرضهم الدفين هذا[6]. ومعروف أن مجرد الإحساس ليس معيارا منضبطا يصلح للاستناد عليه.

ومن توابع هذا أن الشيخ سريع إلى الشك فيمن يرى منهم "اقترابا" من الغرب، حتى وإن عُرِفوا بنقده أو الثورة عليه أو حتى الخطأ في التعامل معه مع تراث صريح في الدفع عن الإسلام وتعظيمه، فممن طالتهم سهام الشيخ لهذا رجال أمثال: الشيخ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ونحوهم.. في حين أن البحث التاريخي المعمق في أحوالهم ونتاجهم ينتهي إلى نتيجة أخرى[7]، وهو أمر لا ينفرد به الشيخ بل سبقه إلى مثل هذا بعض الكبار كأبي فهر محمود شاكر والدكتور محمد محمد حسين، وهو ما نحسب أنه من جراء طبيعة المعركة المشتعلة التي يكون فيها المقاتل سريعا إلى تصنيف من حوله إلى صديق وعدو، ويقلّ فيها تقدير المواقف الوسيطة أو غفران الزلات وإن كانت هينة.

ومع قلة المصادر التي كُتبت في التاريخ الحديث والمعاصر بروح إسلامية فيُطمأن إليها، ومع هذه الأجواء السالفة الذكر، فإن هذا الجزء من التاريخ في كتابات الشيخ تهيمن عليه حس المؤامرة التي لا ننكرها ولا نقلل من أثرها، وإن كنا نرى أنها في حجم أكبر من حجمها، والله أعلم.

***

إن تأسيسات الشيخ لأفكار: الانطلاق من هداية الدين في البحث والنظر التاريخي، وما يترتب عليه من تحويل زاوية النظر نحو اكتشاف وتقييم الفترات والأحقاب القديمة والمعاصرة، لجدير بأن يضعه الباحثون الشباب نصب أعينهم، ذلك أن المحترفين من الإسلاميين في مجال التاريخ ما زالوا ندرة، والباحثون مضطرون إلى الأخذ عمن أتيح لهم قديما التدريس في الجامعات واعتلاء مناصب البحث في المراكز العلمية والمؤسسات الثقافية، وكثرة الأخذ عن هؤلاء يجعل الباحث منطبعا بالمنهج مع ما استفاده من علم، فمثل هذه الهدايات المنطلقة من فكر إسلامي خالص هي العاصمة له من الانسياق في تيار المناهج الأخرى الملتبسة بباطل أو التي يغلب عليها الباطل.
رحم الله الشيخ الجليل وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وألحقنا به في الصالحين.



[1] كيف نكتب التاريخ الإسلامي ص7.
[2] كابن خلدون الذي ناقش الموضوع في مقدمته، وانظر أيضا نقاش جلال كشك في كتابه "جهالات عصر التنوير".
[3] بالذات في "واقعنا المعاصر" و "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".
[4] راجع مقال "جناية الأنظمة العلمانية على الأوقاف الإسلامية" الذي نشر في مجلة البيان العدد 312 شعبان 1434هـ، يونيو - يوليو 2013م.
[5] وأغلب الظن أن هذه الفكرة مأخوذة من د. عبد العظيم الديب في كتابه "المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي".
[6] كيف نكتب التاريخ الإسلامي ص19.
[7] صدر حديثا في القاهرة كتاب "ما أخفاه العلمانيون من تاريخ مصر الحديث" للكاتب: معتز زاهر، يتناول توضيح جوانب من الشخصيات التي حاول العلمانيون "اختطافها" لصالحهم، والكتاب يكتفي بالنقل من كتبهم ما هو صريح في تبيين مناهجهم.

الاحتضان الإسلامي للمنكوبين



لقد صاغ الإسلام أبناءه على مثال يجعل ديارهم ديار فضل وخير وأخلاق، لا يستوحش فيه الغريب ولا يُضام فيه الضعيف، ولم يسمح الإسلام أن تنتشر بين أبنائه أخلاق الطمع والجشع والاحتكار وما إلى ذلك مما يمزق الروابط ويبذر فيها الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، ومن هنا كانت ديار المسلمين خير ديار كما كانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس.. وهذه هي خلاصة ما نورده في هذه السلسلة عن "جاذبية الإسلام الاجتماعية" تلك التي تنبع من المجتمع نفسه بغض النظر عن أحوال السياسة والسلطة، فتظل تؤتي ثمرتها في حال القوة والضعف، فيدخل الناس في دين الله أفواجا.

وقد تحدثنا فيما سبق عن هذا الاحتضان الإسلامي الاجتماعي لغير المسلمين بالنسبة لشرائح كثيرة مثل: السائحين، والخدم، والعمال، والموسرين، ونتناول في هذه السطور شريحة أخرى هي "المنكوبين"، وهم أولئك الذين أصابهم الدهر ببعض سهامه من نقص مال أو نقص أمن أو ظلم ظالم أو مرض أو حاجة.

لقد فرض الله على المسلمين الزكاة وجعل لها مصارف: الفقراء، المساكين، العاملين عليها، المؤلفة قلوبهم، تحرير الأرقاء، الغارمين، ابن السبيل، في سبيل الله.. ثم حض المسلمين على الصدقة والإنفاق بآيات كثيرة محفوظة وأحاديث كثيرة مشهورة، ثم أنشأ الإسلام نظاما بديعا هو الوقف الخيري الذي يفتح المجال للأمة لينفق كل صاحب مال من ماله على هيئة تجعلها صدقة جارية مستمرة، ثم هي صدقة مستقلة محفوظة لأنها "حبس" موقوف لله تعالى، فلا يهيمن عليها سلطان ولا يحق لوارث منها شيء، وكان للوقف آثار عظيمة واسعة على الحضارة الإسلامية وعلى الأمة ونهضتها الشاملة التي لم تعرفها أمة من الأمم.

ثم أوجب الله على المسلمين تمتين العلاقات فيما بينهم، فأوجب الله على عباده صلة الأرحام حتى لو لم يكونوا مسلمين، وأوجب عليهم الإحسان إلى الجيران ولو لم يكونوا مسلمين بل جعل للجار حقا عظيما حتى ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يرث من جاره، ثم جعل رابطة الإسلام بين المسلمين هي أوثق الروابط فلا تعلوها رابطة، ثم حث على إكرام الضيف وحسن استقبال الغريب وإعانة المنقطع حتى يبلغ حاجته، وأمر بإجارة المستجير حتى يبلغ مأمنه، وحث على تفريج الكروب وإعانة المحتاج والسعي في قضاء حوائج الناس.

وبالجملة فقد تأسس المجتمع الإسلامي على نحو يجعل العلاقات تبلغ حدا متينا مترابطا، تهيمن عليه حالة من العطاء المستمر التي يساهم فيها أهل السراء وأهل الضراء، ولقد كان من العجيب أن يأمر الله من يجد ما يفيض على حاجة يومه بأن يخرج صدقة الفطر التي يتعلق عليها صيام الفريضة في شهر كامل.. وهكذا انطلقت الأمة في أرض الله تبعث في الناس روحا جديدة، ويرى منها الناس ما لم يألفوه، فدخلوا في دين الله أفواجا، ولو كان قبل قليل قوما محاربين، ولو كانوا هم المنتصرين كما كان حال المغول عموما والصليبيين أحيانا.

ولو أردنا أن نضرب الأمثلة لطال بنا الحديث جدا، بل ولو اقتصرنا على التقاط أمثلة لطبيعة المجتمع الإسلامي التي احتضنت المنكوبين من غير المسلمين وهو في حال الضعف والفقر والاحتلال لاحتجنا إلى سجل طويل، ولكن لا بأس من شذرات سريعة متنوعة الزمان والموضوع:

1. انتشرت ظاهرة في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية بين الجنود الألمان الذين يأسرهم الإنجليز في مصر، فإذا بأولئك الألمان ما إن يتمكنوا من الهرب –وأحيانا بمساعدة المصريين- حتى يدخلوا في الإسلام ويعمدون إلى أحدى القرى المصرية فيندمجون بها ويتزوجون ويعملون عمل الفلاحين ويتسمون بأسماء المسلمين، وذلك بأثر ما لاقوه وعرفوه من أخلاق القرويين المصريين.. ومثل ذلك تكرر في كل ديار الإسلام –التي هي مقهورة محتلة- من إندونيسيا والهند شرقا حتى الجزائر غربا، وكان هذا يتم بطريقة طبيعية لا تلفت نظر كثير من المؤرخين وإنما نلتقطه سراعا بين سطور مذكرات بعض من عاشوا وقتها.

2. وقبل عصر الاحتلال سنجد أن الدولة العثمانية –التي يراها البعض أسوأ تمثيل للحكم الإسلامي- تسجل صفحات فخار طويلة في احتضانها للمنكوبين المضطهدين في أوروبا التي كانت تطحنها الصراعات الدينية في ذلك الوقت بين الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، ولكم نادى بعض الناس في ممالكهم على العثمانيين أن يحكموا بلادهم لينقذوهم مما هم فيه من مظالم، ولكم احتفظ التاريخ بوثائق يشهد فيها الأحبار والرهبان والقساوسة بأن حكم المسلمين أحب إليهم من حكم بني جلدتهم، يقول توماس أرنولد: "وطالما دعا الأهلون الأتراك في عهد ميخائيل الثامن إلى الاستيلاء على مدنهم الصغيرة في داخل آسيا الصغرى؛ تخلصا من استبداد الدولة، وكثيرا ما هاجر الأغنياء منهم والفقراء إلى الولايات التركية"[1]، ومن ذا ينسى أنه حين اشتعلت أكبر جريمة إبادة عرقية ودينية في التاريخ، وهي محاكم التفتيش في إسبانيا الأوروبية، لم يتسع صدر العثمانيين لإنقاذ ولا لاحتضان المسلمين فحسب، بل وسع معهم اليهود كذلك.. أولئك اليهود الذين كان تحالف أحفادهم مع أحفاد من أحرقوهم لإسقاط الدولة العثمانية بعد أربعة قرون، ولسنا من النادمين على خير فعلناه، وإن كان لهذا حديث آخر.

3. وفي عصر الأيوبيين ضرب صلاح الدين المثل السامي في التعامل مع المهزومين، فكان أحسن لهم من ملوكهم وأحبارهم ورهبانهم، فمنَّ عليهم بإطلاق الأسرى وعلاج الجرحى وإكرام الأمراء المهزومين وتوفير الدابة التي تنقلهم إلى حيث يأمنون، حتى لم يكد الصليبيون يصدقون مثل هذه الأخلاق، حتى لم يجد بعضهم إلا الزعم بأن أصوله تعود "إلى الأسرة المسيحية، فأمه هي الكونتيسة بونثيو التي تحطمت سفينتها على الساحل المصري، وأنه هو نفسه اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت"[2]، ولقد أثمرت هذه الأخلاق موجة من إسلام الفرسان وعموم الصليبيين، لا سيما وقد كانوا يتوقعون أن يفعل بهم مثلما فعل آباؤهم بالمسلمين حين اقتحموا بيت المقدس حين خاضت الخيول في الدماء.. ولا يستطيع مؤرخ لديه الحد الأدنى من النزاهة العلمية أن يؤرخ لفترة الحروب الصليبية دون أن يتوقف عند أخلاق صلاح الدين، حتى إنه لواحد من أكثر من ألفت عنه مؤلفات بكافة اللغات، وكفى بهذا سفيرا حسنا للدين ومقولة صدق في الآخرين.

4. وفي أيام العباسيين نجد المستشفيات الإسلامية تفتح أبوابها لكل مريض فيقيم فيها إقامة كاملة مع خدمة دائمة حتى يستكمل علاجه، بغير اشتراط أن يكون من المسلمين أو من أهل البلد أو ممن يستحقون التأمين الصحي للمواطنين[3]، ولقد عرضت المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه رسالة مريض أوروبي لأهله عن المستشفى العضدي لبيان ما تمتعت به المستشفيات الإسلامية من تطور ومن رحمة بالمنكوبين[4]، وكانت القوافل الطبية التي تسيرها "وزارة الصحة العباسية" –إذا استعملنا مصطلح العصر- لمن لا يحصلون على الخدمة الطبية لكونهم في الأطراف والأدغال تعالج كل أحد مسلما أو غير مسلم، ومن لطيف ما حفظه التاريخ -في شأن المنكوبين- كلمة الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى سنان بن ثابت رئيس أطباء بغداد في سنة وباء يقول له: "فكرت -مد الله فِي عمرك- فِي أمر من فِي الحبوس وأنهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقين من التصرف فِي منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فِي أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم فِي كل يوم ويحملون معهم الأدوية والأشربة وَمَا يحتاجون إِلَيْهِ من المزورات وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس ويعالجوا من فِيهَا من المرضى ويريحوا عالمهم فيما يصفونه لهم إن شاء الله تعالى" ثم أصدر قرارا آخر بتسيير قوافل طبية لمناطق الأدغال والأطراف التي تعاني نقص المستشفيات، على أن تجهز القافلة بما يكفي من الأطباء والأدوية فتمر على القرى وتمكث في كل منها حتى تستكمل مهمتها ثم تجوزها إلى غيرها، وكانت القافلة تعالج المسلمين وغير المسلمين بل وما استطاعت من الحيوانات والبهائم[5].

5. وفي عهد الخلافة الراشدة، نجد الفاروق رضي الله عنه يمر ذات يوم بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟! قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر -رضي الله عنه- بيده، وذهب به إلى منزله؛ فرضخ له بشيء مما في منزله، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم؛ {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60]. والفقراء: هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية، وعن ضربائه[6].

لقد اقتصدنا كثيرا في ذكر أمثلة تاريخية لضيق المقام، لكن الخلاصة من كل ما سبق أن بلادنا ينبغي أن تكون زاخرة بالمؤسسات التي تعين المنكوبين، من المسلمين وغير المسلمين، في كافة المجالات من أول التوسع في تيسير اللجوء السياسي للمظلومين والمضطهدين مرورا بالخدمات العابرة كالعلاج وإعانات البطالة وانتهاء بتيسير السفر إلى حيث يبلغ المحتاج مأمنه ومطلوبه.

فإن كان بعض هذه الأمور مما لا تقوم به إلا السلطة فينبغي حثها على هذا وبيان الأثر الجميل له في الدنيا عند الناس وفي الآخرة عند رب الناس، فإن امتنعوا ففيما بقي من الخدمات والأمور متسع يقوم به الصالحون وذوي العطاء وأهل الدثور فيفرجون عن عباد الله الكروب ويكونون بابهم إلى الدخول في دين الله تبارك وتعالى.

ومن المهم الذي ينبغي قوله في موضوع "الاحتضان الإسلامي للمنكوبين" هو ما يفعله من جمعتهم النكبة الواحدة، فيكون المسلم داعية إلى الله يدعو غير المسلم الذي جمعته به نكبة واحدة، وقدوتنا في هذا نبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان داعية في أصعب لحظة مرت عليه: لحظة الطائف، إذ لم يهمل دعوة عداس الخادم الذي قدم له قطفة عنب، ومن قبله سيدنا يوسف الذي جمعه السجن بصاحبين فكان أول كلامه معهما أن يدعوهما إلى الله، وكم اضطرد هذا في تاريخ الإسلام حتى العصر الحاضر، فكم من سجين التقى في السجن بداعية مظلوم فلم يزل يحوطه ويرعاه ويتعهده بالتربية والتعليم حتى خرج شخصا جديدا، وكم من شرطي اهتدى بعد ظلمه لما رآه من قوم كان يعذبهم أو قوم اهتدى حين رأى ثباتهم وبشارة الله لهم لحظة إعدامهم، وهي أمور مشهورة يعرفها كل قارئ لقصص التائبين وقصص من أسلموا، ولعل من أشهر الأمثلة التي يعرفها القراء مثال مالكوم إكس الزعيم الأمريكي المعروف الذي كان لحظة فارقة في مسار المسلمين والسود في أمريكا، وكذلك مثال الملاكم المعروف محمد علي كلاي والذي أسلم في سجنه.

إن المنكوبين أحوج الناس إلى خلق حسن، وإن رسالة الإسلام إنما هي تتميم لمكارم الأخلاق، وليس يُنتظر من الغيث النافع حين يقع على الأرض العطشى إلا ثمرة يانعة تغذي الآكلين وتسر الناظرين.

نشر في مجلة البشري، شعبان 1435هـ = يوليو 2914


[1] يرجى النظر في الفصل الذي كتبه توماس أرنولد عن العثمانيين في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" ففيه شهادات كثيرة ونصوص وثائق ودلائل قاطعة، والاقتباس في المتن من ص116، 117.
[2] مكسيم رودنسون: الصورة الغربية والدراسات الغربية والإسلامية، منشور في "تراث الإسلام" بإشراف شاخت وبوزوروث، ص41، 42.
[3] كما هو في بعض البلاد التي تزعم الإنسانية ولا يحرك إنسانيتها أن يموت مريض لا يملك الجنسية أو لا يستحق خدمة التأمين الصحي!!!
[4] زيجريد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب ص 227، 228.
[5] ابن القفطي: إخبار العلماء بأخيار الحكماء ص150، 151.
[6] أبو يوسف: الخراج ص136، وابن زنجويه: الأموال، 1/ 162، 163.

الاثنين، يونيو 02، 2014

الحدائق الإسلامية



قليلا ما يلتفت الباحثون إلى "الحدائق" في حضارة الإسلام، وأغلب الظن أن ما بقي من آثار العمران الإسلامي قد سلب العيون عما اختفى منه، فالقصور والقلاع والأسوار والأبواب والزخارف والنقوش والخطوط وغير ذلك شغلت الأبصار والقلوب عن شيء كالحدائق، تلك التي لم يبق من أثرها شيء تقريبا.

ولا يصح تصور المدن الإسلامية بغير تصور الحدائق، ذلك أنها انتشرت في كل مكان حتى لقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المسلمين نظروا إلى الحديقة باعتبارها الأصل والعمران هو التابع لها[1].

عالم من الحدائق

لا يكاد المرء يمر على كتاب في التاريخ أو البلدان فيحاول رسم صورة لما يقرؤه إلا وتكون الحديقة أساسا وأصلا في هذه الصورة، لقد كان العالم الإسلامي كأنه قطعة خضراء، وما كان ثمة من يحب التفنن في شيء إلا وبنى حديقة أو بنى شيئا له حديقة: قصرا أو مسجدا أو مستشفى أو مدرسة .. إلخ.

وإذا كانت الحديقة أمرا طبيعيا في القصور، فإن المثير للعجب هو انتشار الحدائق حتى في بيوت الفقراء مهما كانت متناهية في البساطة، يقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت: "وكانت بيوت الفقراء وقتئذ -كما هي الآن- أبنية مستطيلة الشكل؛ مقامة من اللبن الملتصق بالطين، سقفها خليط من الطين، وأعواد النبات، وغصون الأشجار، وجريد النخل، والقش. وكانت البيوت الأرقى من هذه نوعا تشتمل على فناء داخلي مكشوف، ذي فسقية، وشجرة في بعض الأحيان؛ وكانت تحتوي أحيانا على طائفة من العمد الخشبية، ورواق مسقوف بين الفناء والحجرات"[2]، وذات العجب يبدو واضحا من كلام الباحث المتخصص في الأندلسيات جيمس دكي لدى حديثه عن الدور الصغيرة في غرناطة بأنه "مع أن أغلب تلك الدور صغير إلا أن فيها جميعا مياها جارية وزهورا وورودا عبقة وشجيرات ووسائل راحة كاملة، تبرهن على أن هذه الأرض عندما كانت في يد الموريين (المسلمين) كانت أكثر جمالا مما هي عليه اليوم"[3].

وحين عزمت السلطات المغربية ترميم النافورات القديمة في مدينة فاس وحدها، أحصت في شوارع فاس نحو 70 نافورة، وحوالي 400 نافورة داخل المساكن والمساجد والمدارس العتيقة[4].

ويندر أن تجد في بلاد الإسلام مدينة معروفة ولا يحكي مؤرخها عما كان فيها من رياض وجنان وحدائق، وكم من بلاد نزلها المسلمون فحولوها من خرائب إلى حدائق غناء، ويكفي أن تعرف أن كل نخيل الأندلس إنما هو من نخلة حملها عبد الرحمن الداخل من الشام.

فكيف بما بناه الملوك والأمراء والأغنياء من قصور ورياض وجنان وبساتين، عامة أو خاصة، منفردة مقصودة بذاتها أم ملحقة بقصر أو مسجد أو مدرسة أو ما سوى هذا؟!!

لقد انعكس كل هذا على النفس الإسلامية التي تأثرت بالجمال والرقة إلى حد لم يبلغه أحد من قبلها أو من بعدها، إلى حد جعلها تتخذ زخارفها من النباتات، بل إلى حد جعلها تسمي كتبها بتلك الأسماء العجيبة "رياض الصالحين"، "الزهر النضر"، "بستان الواعظين ورياض السامعين"، "الروض الزاهر"، "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، "بدائع الزهور في وقائع الدهور".. فأي أمة جعلت أسماء كتبها على هذا النحو؟!!

حدائق قرآنية

فلقد كانت الآيات والأحاديث هي الأستاذ الأول في اصطناع المسلمين لحدائقهم، فمن قوله تعالى (كمثل جنة بربوة أصابها وابل... الآية) فهموا أن خير أماكن الحدائق هي الرُبى والمرتفعات، وهذا صحيح علميا؛ إذ يجنب الارتفاعُ الأشجارَ عدة عوامل معوقة للنمو والإثمار الجيد وأسباب المرض كالتقاء الجذور بالمياه الجوفية التي تحد من نموها وتصيبها بالتعفن، كما يوفر الارتفاع تصريفا مناسبا للماء الزائد، وإذا لم ينزل المطر رويت هذه الحدائق بطريقة الرش والرذاذ[5]، ومن أمثلة هذا جنة العريف في غرناطة، إذ أقيمت على سفح ربوة، وصممت على هيئة مدرجات ينهمر عليها الماء من عيون بأعلى الحديقة تصب في قنوات تمر عبر الأشجار، بما يدل دلالة واضحة على التأثر بآية (وماء مسكوب)[6].

وينقل لنا المقريزي أن خمارويه بن أحمد بن طولون طلى جذوع النخل والشجر بالنحاس المذهب فكأنه كان يحاكي وصف الجنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب"، وجعل بين جذع النخلة وطبقة النحاس أنابيب رصاصية يتدفق منها الماء فكأنه يتدفق من النخلة ثم يجري في مسارات محكمة إلى أحواض تفيض الماء على باقي الحديقة فكأنه بهذا يحاكي الجنة في قوله تعالى (إن المتقين في جنات وعيون) [7].

وحتى في الأسماء نجد ذات التأثر واضحا، فقد "سُمِّى قصر المنصور "الخُلْد" تشبيها له بجنة الخلد، وما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق وغرض غريب ومراد عجيب"[8].

وهذا التأثر بالآيات والأحاديث إنما هو تأثر متضاعف، فهو علامة على الارتباط بالكتاب والسنة ثم هو من عوامل زيادة الارتباط بالكتاب والسنة في الوجدان العام.

حدائق بأدب الإسلام

كانت الحدائق جزءا من نمط العمارة الإسلامية التي تهتم بالداخل والراحة النفسية أكثر من اهتمامها بالخارج ومظاهر الاستعراض، ويهتم نمط العمارة الإسلامية في البيوت وأبوابها ونوافذها بصيانة البيت وأهله من التكشف، فأبواب البيت مائلة بزاوية لا تسمح لنظر ناظر بكشف الداخل وكذلك النوافذ فهي مزخرفة منمقة تسمح لمن بالداخل برؤية الخارج فيما يتعذر العكس.

وكذلك كانت الحدائق، فهي محاطة بأسوار عالية أو بطوق من النخيل يحجب رؤية الداخل عمن بالخارج فيوفر لمن بالداخل راحة وأمنا وخصوصية، وحتى في البيوت الأصغر كانت الحدائق في فناء البيت الداخلي لا في محيطه الخارجي، بل وحتى في القصور كثيرا ما كانت الحدائق بين الأبنية الداخلية وليست فقط محيطة بها.

وقد انعكس كل هذا الحياة الاجتماعية للمسلمين، ففي حين احتاجت الحضارة الغربية إلى شوارع واسعة وحدائق عامة وميادين ذات نوافير، كان كل هذا متوفرا في داخل البيوت في الحضارة الإسلامية، مما انعكس بدوره على متعة أكثر في الداخل وعلاقة أمتن بين الأسرة وذوي الأرحام وبين أطفال البيوت، ووفَّر فرصا أقوى لتربية الأطفال وتقوية الأرحام وتحقيق المتعة في بيئة آمنة، ولم يمنع هذا من كون المتنزهات العامة والحدائق الكبرى مزيد متعة ولكنها في هذه الحال متعة ثانوية لا أساسية كما هو الحال في الحضارة الغربية وواقعنا المعاصر.

نشر في مجلة الوعي الإسلامي، شعبان 1435هـ = مايو2014م


[1] جيمس دكي: الحديقة الأندلسية، منشور في: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، تحرير: سلمى الجيوسي 2/1435.
[2] ول ديورانت: قصة الحضارة 13/241.
[3] جيمس دكي: غرناطة.. مثال من المدينة العربية في الأندلس، منشور في: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، تحرير: سلمى الجيوسي 1/ 176.
[4] جريدة الشرق الأوسط 27/10/2002.
[5] المقريزي: الخطط والآثار 1/872، ويحيى وزيري: العمارة الإسلامية والبيئة ص214 وما بعدها.
[6] يحيى وزيري: العمارة الإسلامية والبيئة ص223.
[7] الترمذي (2525)، وصححه الألباني.
[8] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 1/ 75.