الأحد، مارس 09، 2014

الاحتضان الإسلامي لغير المسلمين (العمال)



اقرأ أولا:

لم يزل الحديث موصولا عن الجاذبية الاجتماعية للإسلام، وقد تحدثنا قبل مقالين عن هذه الجاذبية واستعرضنا شذرات من فصولها عبر التاريخ لكي نثبت أنها الباب الأوسع والأكبر للدخول في الإسلام، سواء أكان المسلمون في حال قوة أو ضعف أو حتى تحت الاحتلال، وسواء أكان غير المسلم في بلد فتحه الإسلام أو في قوم غزوا هم ديار المسلمين واحتلوها. ثم أخذنا في تفصيل هذا الأمر، فتحدثنا عن الرعاية الاجتماعية الإسلامية لغير المسلمين، فتحدثنا عن شريحة السائحين ثم عن شريحة الخدم، وفي هذه السطور نتحدث عن شريحة العمال.

وإن مما أنعم الله به على بعض بلادنا الإسلامية –خصوصا في منطقة الخليج العربي- هو مرحلة النمو والانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات، والتي من مقتضياتها وجود عدد كبير من العمال المجلوبين من سائر أنحاء العالم، من أول الفقراء الذين يمثلون الأيدي العاملة ويتحملون المهمات الشاقة وحتى الخبراء العالميين الذين يديرون المشاريع الكبرى، فكل هؤلاء أقوام يعيشون في بلادنا، فلا يصح ولا يليق أن يخرجوا من بلادنا كما دخلوها، بل كم تكرر في تاريخنا من آثر أن يبقى في حكم المسلمين وبلادهم وسلطانهم ولو ظل محتفظا بدينه، وهذا فضلا عمن دخلوا في دين الله أفواجا.

وحقا إن الله لا يحاسبنا على الهداية {نَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] إلا أنه يحاسبنا على العمل وبذل المجهود في دعوة الناس.

***

من عصور الملكيات والامبراطوريات والإقطاعيات ووصولا إلى عصر الرأسمالية العالمية، كانت فئة العمال هم الأكثر معاناة ورهقا، ولم يتغير هذا حتى في العصور الشيوعية التي بُنِيَت نظريتها واشتعلت ثورتها من رحم معاناة الطبقة العاملة!!

وعلى كثرة ما كتب العالَم من وثائق واتفاقيات لحفظ حقوق العمال وحفظ حقوق الإنسان، إلا أن كل هذا لم يتحول إلى واقع، وإنما المعادلة على ما كانت عليه: صاحب المال أعلى يدا وأسع سلطة ونفوذا والعامل –صاحب الفقر والحاجة- هو اليد السفلى والطرف الضعيف المهيض المهضوم.

وفي ظل آلة مالية لا ترحم في عالم لا يعرف سوى لغة القوة والمال، لم يعد الأمر مقصورا على الطبقات الفقيرة، بل صار يشمل كل من يُسمَّى عاملا أو موظفا، إذ لم يعد ضروريًّا أن يضحي أصحاب الشركات بالعمَّال؛ لأن الأرباح تتراجع، بل يمكن اتخاذ قرار تسريح الآلاف ببساطة حين يظهر عمال آخرون أقل كلفة، فشركة نوكيا المنتجة للهواتف المحمولة أغلقت مصانعها في مدينة بوخوم الألمانية بين ليلة وضحاها على الرغم من أنها حققت ربحًا زاد على السبعة مليارات يورو، فخسر 2300 عامل فرص عملهم لا لشيء إلا لأن الشركة فضَّلت نقل الإنتاج إلى رومانيا؛ حيث الأجور أدنى، وألغت شركة بي إم دبليو ثلاثة آلاف فرصة عمل وسرحت خمسة آلاف عامل، وبرَّر رئيس شركة سيمينز التخلص من 6400 وظيفة بحجة مفادها أن الشركة قررت التخلص من "طبقة الوحل" المتراكمة لديها[1]. وفي البلاد التي تنخفض فيها الأجور يتجسد معنى التوحش الرأسمالي وسحق الإنسانية وامتصاص طاقات العمال ودمائهم في ظروف بالغة القسوة والبشاعة.

وإنه ليس من الإسلام أن تتحول بلادنا إلى قطيع في ركاب الرأسمالية العالمية التي تستعبد الناس وتسحقهم، لا سيما وبلادنا التي تشهد طفرة في الموارد حديثة عهد بغنى ومال، وما تزال لا تنسى كيف كانت أحوالها قبل وقت قريب، كما لا يضمن أحد تقلبات الدهر، فنحن بين قول الله تعالى {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] وقوله تعالى {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].

إن ديننا لا يجيز لنا أن نكون إمَّعة، إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، وملف العمالة هذا –في وقتنا الحاضر- من أوسع أبواب الدعوة إلى الله واجتذاب الناس إلى الإسلام، إذ لو طبقنا حقا ما أوصانا به ديننا لصارت بلادنا مهوى القلوب والأفئدة، ودوحة ساحرة في ساحة الظلم العالمية الجليدية.

***

أول ما يدعو طائفة العمال للإسلام هو التزام المسلمين بما أمرهم به الإسلام وانتهاؤهم عما نهاه عنهم في شأن العمل، إذ هذا الشأن هو الذي حرك العامل من بلاده حتى أسكنه في بلادنا التي هي بالنسبة له دار غربة وبعد عن الأهل والزوج والولد، وسائر الآداب والأخلاق الأخرى إنما هي أمور هامشية وفرعية لا تقوم مقام الدعوة إذا ضاع الأصل.

وفي شأن العمل، نرى الإسلام ألزم أهله بحقوق للعمال يجب أن تؤدى لهم، وهذه الحقوق تعود في الأصل إلى رؤية وقاعدة تخالف الرؤية والقاعدة التي ينبني عليها النظام الرأسمالي المعاصر؛ ففي الإسلام يُقَدَّم الإنسان على المادة ولا يجوز أن يكون المال سببا في سحق كرامة الإنسان أو إذلاله باستغلال فقره وحاجته، أو سببا في تحميله ما لا يطيق من الجهد والمشقة لتوفير النفقات.

هذا هو الحد الأدنى، ثم يتفاضل الناس بمراتب الإحسان وهم يسمعون قول نبيهم (صلى الله عليه وسلم) "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء"[2]، وقوله "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما رُفع من شيء إلا شانه"[3].

***

العدل والإنصاف هو الحد الأدنى الذي لا يجوز للمسلم أن يتجاوزه، فالظلم كله حرام، وما أحسن أن يستمع أصحاب الأعمال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم علي أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"[4]، وتأمل كيف جمع الحديث بين الظلم وبين الشُحَّ، فكلاهما يظهر كأوضح ما يكون في صاحب المال والعمل الذي يتوق لتثمير أمواله فيحمله هذا على إرهاق العمال وإنقاصهم حقوقهم، ومن بديع ما قاله العلماء قول ابن الجوزي: "الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الآمر بالعدل بالمخالفة، وهذه أدهى، لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي لا ناصر له غير الله"[5].

والظلم مفسد للأعمال الصالحة، ومهما كان صاحب العمل والمال ملتزما بالشعائر والهدي الظاهر فلا ينجو يوم القيامة إلا بالبراءة من حقوق الناس، والمرء حين ينظر في حديث المفلس يشعر كأنما هو لأصحاب الأموال والأعمال دون غيرهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "أتدرون مَنِ المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا.. فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا، أُخذ من خطاياهم فطُرح عليه ثم طرح في النار"[6].

فمن العدل أن يُبَّين للعامل أجره قبل بدء العمل، كما رُوي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعثمان بن عفان قولهم " من استأجر أجيرا فليبين له أجره"[7]، قال المناوي: "أَي يبين له قدر أجرته وقدر العمل والمدّة ليصير على بصيرة ويكون العقد صحيحا، والإبهام غرر مُبْطل"[8] أي: الغموض في العقد حرام وباطل.

فإذا انقضى العمل فليُوَفَّ أجره غير منقوص ولا مؤجل، كما قال الله تعالى {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85]، وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم "أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"[9].

بل توعد النبي بخصومته يوم القيامة لمن يحرم العامل أجره، قال صلى الله عليه وسلم: "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره"[10].

وكانت توفية الأجر من الأعمال التي أنقذت صاحبها حين أغلقت عليهم الصخرة في الحديث المعروف "وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة"[11].

ومن العدل ألا يكلف العامل ما لا يطيق، كما جاء في قوله تعالى {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} [القصص: 27] وفي حديث النبي "ولا يُكَلَّف من العمل إلا ما يطيق"[12].

ومن العدل إنصافهم والانتصاف لهم من خصومهم، مهما كانت منزلة الخصوم وقدرهم في بلادنا، بل إن هضم حقوق هؤلاء سبب للهلاك كما قال نبينا "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"[13].

ولا يكون إنصافهم والانتصاف لهم، إلا إن مُكِّنوا من الشكوى ويُسِّر لهم سبيل رفع المظلمة وأحيطوا بالأمن فلا يُخافون ولا يُرَوَّعون إذا اشتكوا.

وأما مراتب الإحسان فأمرٌ لا حدّ له، ويأتي كل امرئ منه بحسب ما وفقه الله فيه، ولقد كان رسول الله قدوة للمسلمين، فقد كان قريبا من البسطاء والفقراء متواضعا معهم، فكان "يأكل مع الخادم. ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه. ولو إلى أيسر شيء"[14]، حتى إنه ليجيب دعوة المملوك إلى الطعام ولو كان خبز الشعير[15]، ولما ارتجف منه أعرابي قال له: "هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد"[16].

***

فإذا وجد العامل في بلادنا إقامة الحق ثم الإحسان، فهو أحرى أن يدخل في الإسلام، فإن لم يدخل فيه فهو يقف على الباب، ويوشك هذا الواقف أن يدخل إن شاء الله.

ويكون هذا بكثير من الأفكار، وبعض أهل الفضل والصلاح يتفنون في جذب العمال لديهم إلى الدين:

فمنهم من يجعل الدين قريبا من العامل في مكان عمله –سواء مزرعة أو مصنع أو مكتب- سواء أكان ذلك بالكتيبات أو بتوفر نسخ مترجمة من القرآن الكريم باللغات المطلوبة، أو بغير ذلك من وسائط المواد المسموعة والمرئية، وهي قد صارت متوفرة في عصر الانترنت ومن خلال المراكز الإسلامية المهتمة بدعوة غير المسلمين، فهم يطالعونها في أوقات الراحة والفراغ والأوقات البينية، وقد وفق الله بعض بلدان الخليج لإنشاء إذاعات بلغات آسيوية يستفيد منها طوائف العمال في المزارع والبيوت وسائقي سيارات الأجرة وغيرهم.

ومنهم من يجعل الأعياد والمناسبات الإسلامية فرصة للإغداق عليهم فيها بأموال أو مكافآت أو ساعات راحة، ويستثمر الفرصة في تحديثهم عن هذه المناسبة –بنفسه أو من خلال إقامة برنامج تعريفي متميز ومحترف- ومعانيها ودلالاتها ولماذا يهتم بها المسلمون.. ويجد صاحب العمل في هذا من يساعده سواء من المتخصصين في المراكز الإسلامية أو من العمال المسلمين أنفسهم، لا سيما وأن كل دين باطل فيه جزء من الحق، وكثير من الأديان الشرقية تتشابه في أمور كثيرة مع الإسلام، فيُؤمل إذا نُفِّذت البرامج التعريفية بكفاءة أن تؤتي ثمارها إن شاء الله تعالى.

ومنهم من يقيم احتفالات وفاعليات إسلامية بشكل دوري، فيجعل لمن يحضرها من العمال مميزات ومكافآت، فيحضرون أول الأمر لغرض الدنيا ثم قد ينعم الله عليهم فينعم عليهم بخيري الدنيا والآخرة، وكم في الناس من كان هذا هو المدخل إلى نفسه، فلهؤلاء كان مصرف "المؤلفة قلوبهم"، ثم اصطفى الله منهم من نصر الإسلام في مواقف فاصلة.

 نشر في مجلة البشرى، جمادى الأولى 1435هـ = مارس 2014


[1] أولريش شيفر: انهيار الرأسمالية ص16، 17.
[2] أحمد (6494)، وأبو داود (4941)، والترمذي (1924) وصححه الألباني.
[3] مسلم (2594).
[4] مسلم (2578).
[5] العيني: عمدة القاري 12/293.
[6] مسلم (2581).
[7] رواه موقوفا النسائي (4673)، وابن أبي شيبة (21109)، ورواه مرفوعا إلى النبي أحمد (11565)، والبيهقي (11431)، وقال شعيب الأرناؤوط في التعليق على المسند: صحيح لغيره.
[8] المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير 1/70.
[9] ابن ماجه (2443)، وصححه الألباني.
[10] البخاري (2114).
[11] البخاري (2152).
[12] البخاري (5703)، مسلم (1662).
[13] البخاري (3288)، ومسلم (1688).
[14] ابن القيم: مدارج السالكين 2/313.
[15] ورد من ثمانية طرق عند الطبراني في الكبير وابن سعد في الطبقات والترمذي في الشمائل وأبي الشيخ في أخلاق النبي، انظر الألباني: السلسلة الصحيحة (2125).
[16] ابن ماجة (3312)، والحاكم (3733) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.