الجمعة، يونيو 13، 2014

التاريخ في فكر الشيخ محمد قطب



فاضت روحه إلى بارئها بعد حياة حافلة مديدة اقتربت أن تكمل القرن من عمر الزمان، عاش لنحو نصف قرن من استشهاد أخيه، وهو الحدث الذي اهتز له كل العالم الإسلامي حينئذ، رأى فيها مصارع الظالمين وتبدل الدول وتقلب الأفكار وانهيار الإمبراطوريات وصعود أخرى، فرأى قرنا من التاريخ الإنساني بعيني رأسه بخلاف ما احتواه في صدره من قرون السابقين. ثم كان لا بد من الرحيل، فمات صباح يوم الجمعة الرابع من جمادى الآخرة 1435هـ، الرابع من إبريل 2014م، وصُلِّي عليه في الحرم المكي الشريف.

والشيخ محمد من العلامات العلمية والفكرية في عصره، وكان إنتاجه من أهم ما اطلعت عليه وتأثرت به الصحوة الإسلامية المعاصرة فهو في الطبقة الأولى من الأعلام المؤثرين فيها، ولا زلت أتذكر أن كتابه "واقعنا المعاصر" كان أول كتاب ضخم أتمه من أوله إلى آخره، وكان ذلك قبل نحو سبعة عشر عاما حين كنت في الثالثة عشرة من عمري، من فرط إعجابي به لسلاسة أسلوبه ووضوح أفكاره وقدرتها على مخاطبة من هم في هذا السنِّ بهذه القوة والعمق.

فكان أضعف الإيمان أن نتوقف في هذه السطور مع منهج الشيخ في قراءة وكتابة التاريخ الإنساني، وفي القلب منه التاريخ الإسلامي بطبيعة الحال.

أولا: خلاصة المنهج

لقد أبان الشيخ عن منهجه غير مرة، فكتب بناءه النظري في كتابه "كيف نكتب التاريخ الإسلامي"، الذي صدر حين كان الشيخ في الثالثة والسبعين من عمره، أي في مرحلة استواء الأفكار، وإن كان قد كتبه أول مرة وهو في الثامنة والخمسين، وقد صرح فيه بأنه "يحوى الصورة الأخيرة لتفكيري في موضوع كتابة التاريخ الإسلامي"[1]. ثم أعاد طرح منهجه بإيجاز في فصل ضمن كتابه "التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" والصادر بعد الكتاب الأول بست سنوات.

ثم طبق هذا المنهج عمليا في بعض كتبه والتي على رأسها "واقعنا المعاصر" وكتابه "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".

وخلاصة هذا المنهج: أنه يجب علينا أن نكتب تاريخنا الإسلامي بنظرة يتحقق فيها عدة أمور:

1.    الانطلاق من حقيقة أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، وهي الأمة الوسط، وهي التي تحمل الرسالة الأزلية –فهي خاتمة الرسالات وليست انبعاثا جديدا متأخرا- وأن هذه الخيرية ليست عرقية ولا قومية ولا ذاتية، وإنما مستمدة من الرسالة، وينتج عن هذا الانطلاق أربعة نتائج مهمة هي:

§       أن التأريخ للجاهلية ينبغي أن ينطلق من كونها انحرافا كونيا عن دين الله، وأنه انحراف تتعدد مظاهره وأشكاله، فالجاهلية كل ما سوى الإسلام وليست مرحلة تاريخية سابقة.

§       أن التوحيد هو أكبر حركة تحررية في التاريخ وذلك أنه حركة تحرير شاملة لا تقتصر على تغيير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو فكري أو فني، بل هو إخراج للإنسان كله من الظلمات إلى النور.

§       أن العالم كله يخسر بانحطاط المسلمين وليس المسلمون وحدهم، وهذا هو الحادث في الواقع المعاصر، الذي ينبغي أن يُركز في عرضه على هذه الجزئية التي يكاد يغفلها الجميع.

§       أن النهضة الغربية الحالية مهما قيل في وصف تقدمها المادي فإنما هي نهضة "عرجاء" لما تحتويه من كفر وظلم وفساد وانحلال، وجنوح إلى الدمار، وإفساد للفطرة، وأنها –لهذا- حضارة آيلة للسقوط.

2.    تنقية وتصفية التراث الأرشيفي الكبير الذي تركه لنا علماؤنا وتمييز الصحيح والضعيف من الروايات الكثيرة التي تصل حد التناقض والتضارب، لا سيما فيما يخص عصر الصحابة.

3.    التخلص من الآثار الاستشراقية في الدراسات الحديثة والمعاصرة، سواء كتبها مستشرقون أو غيرهم، وسواء انطلقت من كراهية للإسلام أو علق بها الرؤية المادية أو التفسيرات القومية والعرقية للتاريخ.

4.    قراءة تاريخنا الإسلامي بعين وروح إسلامية، في ضوء الهداية التي جاء بها القرآن والسنة وبغير فصل نكد بين ما هو "دين" وما هو "تاريخ"، بل التاريخ هو أثر الدين على واقع الحياة، فبه يُفهم طالما أنه منه انطلق، ويتمثل هذا كأبرز ما يكون في أربعة جوانب:

§       الفتوح الإسلامية وكيف أنها تفارق تماما التوسعات الامبراطورية في الغاية والمسلك.

§       الحركة العلمية الإسلامية التي انطلقت لتحقيق طلب العلم وعمارة الأرض، وسلكت سبيلا خلقيا يمنعها من استخدامه في الفساد والإفساد، كما ويستحيل عليها أن تصل إلى نزاع بين العلم والدين.

§       الحضارة الإسلامية التي هي حضارة قيم ونظم بالأساس لا حضارة زخارف ورسوم وبنايات، فمن القيم تستمد هذه المظاهر المادية روحها ووظيفتها.

§       تقييم فترات الضعف والانهيار بعين ترصد أسبابه في الابتعاد عن الوحي وهدايته، لا في مجرد التخلي عن الأسباب المادية، في الظروف الداخلية قبل الظروف الخارجية، فيما كان فينا من عيوب أنجحت المؤامرات لا في مجرد المؤامرات.

5.    قراءة التاريخ بلا إفراط ولا تفريط، بلا تزوير ولا تبرير، فتاريخنا مجيد زاهر إلى الحد الذي يبعث بالفخر، وهو أحوج ما نكون إليه في واقعنا ولأداء رسالتنا، كما نحن أحوج إلى معرفة العيوب والمشكلات التي أدت إلى انحدارنا وانهيارنا في نهاية المطاف، وهو أمر جلل لا ينفع فيه التخدير بالاقتصار على الأمجاد أو بذل المجهود في تبرير العيوب، فكيف ونحن مأمورون بالعدل مع أنفسنا والأقربين!

6.    رفض قصر التاريخ الإسلامي على جانب التاريخ السياسي، بل ينبغي أن نولي العناية لتاريخ الأمة الحضاري والعلمي والاجتماعي

ثانيا: المحطات التاريخية الكبرى

وبناء على هذا المنهج وضع الشيخ رؤية لمحطات التاريخ الكبرى كيف يكون عرضها وتفسير ما وقع فيها، فأبان في هذه المحطات والأحقاب عن أبحاث لم تدرس بعد، وأبحاث لم تدرس بشكل وافٍ، وأبحاث بحاجة إلى إعادة عرضها والتأمل فيها.

فالحقبة الجاهلية ينبغي أن تدرس لا كفترة زمنية بل كحالة انحراف، وهي حالة يعاني منها البشر في القديم والحديث، ليس فقط من جهة عبادة الأوثان، وإن تكن عبادة الأوثان ما تزال منتشر في مناطق واسعة من الأرض كالهند، والأوثان ذاتها ليست دائما حجارة، بل كل ما قُدِّس وأطيع من دون الله فهو بمنزلة الأوثان وأولئك المتبعون إنما هم في جاهلية، ولذلك فكل ما تعيشه الإنسانية من شيوع القتل وجحيم الظلم والعبودية والتعصب للأعراق والألوان والأرض وانحلال الأخلاق وأكل الربا والاحتكار إنما هو من جراء تقديس ما سوى الله واتباع غير أوامره واعتناق الخرافة. وينبغي أن تعرف هذه الفترة بعمق كي يدرك الناس مدى نعمة الله عليهم بالتوحيد، إذ لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وبهذا المعنى فالجاهلية متعددة متكررة قائمة وليست حقبة قد انتهت، كما أن وجود حضارة وتفوق علمي تقني مادي لا يعني انفكاك هذه الحضارة من وصف الجاهلية.

والإسلام ليس دعوة نبي بعث قبل ألف سنة، بل إن هذا النبي هو خاتمة الرسالات التي هي الاستقامة، فهو ليس رد فعل للجاهلية ولا هو حركة أرضية إصلاحية ضيقة، بل هو أوسع وأشمل حركة تحرر ومواجهة لهذه المظالم والمفاسد كلها، وهو كذلك أفضل وأعمق إصلاح للنفس الإنسانية، وبهذا المعنى فلا بد من وقوع الحرب بين الحق والباطل، بين المتألهين والمستبدين والمفسدين وبين المتحررين والمجاهدين والمصلحين، ويرى الشيخ أن فترة البعثة وصدر الإسلام يجب أن تركز على أربع موضوعات: شخصية النبي، استقبال الجاهلية لدعوته، موقف المؤمنين مما وقع عليهم من العذاب، التربية في دار الأرقم. فبهذه الموضوعات يظهر أثر الإسلام في النفوس والمجتمعات، وأما الفترة المدنية فأهم ما ينبغي التركيز عليه هو ثمرة الإسلام إذ أنشأ الدولة ووضع قواعد النصر والتمكين وقواعد الحكم والسياسة، ثم دراسة المواجهة بين دولة الإسلام والجاهلية من حولها، ويرى أن هذه الفترة يكتفى فيها بالقرآن والسنة وشروحهما فحسب.

وأما فترة صدر الإسلام (الخلافة الراشدة) فينبغي أن تعرض على أنها التطبيق المباشر للإسلام، فينظر فيها فيما يعرض للسلطة والسياسة من قضايا، وما يعرض للمجتمع من تغيرات حين يحكم نفسه بغير وحي من السماء، وكيف ينبغي أن يتعلم الناس أن المجتمع المثالي ليس خياليا بل واقعيا، ومثاليته لا ترفعه عن بشريته، بل تظل ثمة أخطاء تقع وتُعالج، وتعدّ فترة الشيخين على وجه الخصوص أغزر الفترات التي ينبغي التوقف عندها لأخذ الدرس في الحسم والحزم والتعامل في الأزمات، وفي حقوق الرعية على الراعي وحقوقه عليها، ويعزو الشيخ وقوع الفتن إلى هذا التوسع السريع للإسلام وهو ماترتب عليه دخول قوم فيه لم يحظوا بالقدر المناسب من التربية فمن هنا كانت الفتنة التي عمل على بذرها وإشعالها أعداء الأمة من اليهود كعبد الله بن سبأ.

وأما فترة انتشار الإسلام في عهود الدولة الأموية والعباسية والعثمانية فمختصر منهج الشيخ هو العناية بدراستها دراسة فاحصة تفصل لتمييز الحقائق من المبالغات والتشويهات، وتحدد بدقة جوانب الانحراف واستمرارها، وترصد نمو هذه العوامل وانتقالها من السلطة إلى المجتمع ثم تأثير هذا على وقوع الأمة فيما بعد تحت براثن الصليبيين والمغول.

وأما فترة الضعف العام التي سقطت فيها الخلافة ووقع فيها المسلمون تحت الاحتلال الأجنبي، فمختصر منهج الشيخ هو ذاته ما سبق ثم هو يضيف إليه ضرورة التركيز على عرض "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، حيث لم يكن انحطاط المسلمين مجرد خسارة لهم وحدهم، بل انحطاطهم هذا هو ما جعل المفاسد تغزو العالم بلا حماية، فلو قدر أن المسلمين كانوا أقوياء لما كان الربا هو أساس التعامل المالي العالمي، ولا كان الانحلال الأخلاقي هو أساس الواقع الاجتماعي، ولا كان المستضعفون في هذا العالم أضيع من الأيتام على موائد اللئام، فكل هذا إنما انتشر وصار سلوكا عالميا بفعل وجود الداعي الغربي واليهودي وانتفاء النموذج المقاوم القوي المتمثل في الإسلام، وهو ما خسرت به البشرية كلها أرواحا وأموالا ومظالم لا تعد ولا تحصى.

ويرى الشيخ ضرورة التأريخ النزيه لحركات الصحوة الإسلامية، فيم نجحت وفيم أخفقت، وهو يثبت لها جهادها وفضلها وإخلاصها، ويعزو إخفاقها إلى أمرين: استعجال الثمرة قبل أوانها، واعتمادها في تربية أبنائها على السمع والطاعة أكثر من الشورى.

ونخلص من هذا العرض إلى أن منهج الشيخ يعتمد أساسا كبيرا هو مركزية العقيدة وأهميتها، فهي السبيل للتخلص من أسر المناهج المادية التي سيطرت على مناهج النظر والبحث بأثر من التفوق الغربي والغزو الفكري، فمن العقيدة يُعاد تعريف "الإنسان" من حيث الطبيعة والغاية والرسالة، ويُعاد تعريف "الحضارة" من حيث الجوهر والمظهر، ويُعاد تعريف "الحال" من حيث التقدم والتخلف.

وفي منهج الشيخ نجد موضوع التربية: الهدف والوسائل، شائعا مهيمنا، فلئن خلا الكلام من ذكر صريح فهي مخبوءة في باطن الكلمات، وليس هذا محصورا في شأن التاريخ وحده بل هو منهج للشيخ في كافة العلوم حتى في كتابه "منهج الفن الإسلامي"، فضلا عن آثاره التي خصصها لموضوع التربية. 

ثالثا: ما ينتقد على منهج الشيخ

وهو يتلخص في ثلاثة أمور:

1. أولها أنك لا تجد عند الشيخ نقاشا موسعا ولو لقضية واحدة كمثال تاريخي يرصد ويحلل أسبابها وظروفها بعمق، فيعدُّ تطبيقا لمنهجه في التحليل والتفسير، فكم كان مهما وهو يستنكر تحول الحكم من الخلافة إلى الملك أن يبين عن موضع المشكلة، ذلك أن البيعة ليزيد لم تكن مجرد قرار من معاوية (رضي الله عنه) بل هي تعد موضع رضا عام من بعد ما قبل بها الصحابة والتابعون ولم يتخلف عن هذا الرضا إلا أربعة ثم لم يخرج عليها إلا واحد وهو (الحسين رضي الله عنه)، لا سيما والشيخ يذكر من تغير الزمان والنفوس ما هو دليل لمن أيَّد معاوية في فعله، باعتبار أن هذا هو الحل "العملي، الواقعي" الذي يحفظ الأمة[2].

وبرغم أن أكبر توسع للشيخ في نقاش وتحليل قضايا تاريخية كانت من نصيب التاريخ المعاصر والحديث[3]، إلا أن قضية مهمة كقضية اشتراك الإخوان في حرب فلسطين لم تأخذ حقها من النقاش، وهي ربما القضية الأهم والفيصل التي كنا سنعرف بها منهج الشيخ في إشكالية "المثالي والواقعي" ذلك أن الجهاد في فلسطين يمثل كل معاني المثالية المطلوبة: الأخوة والجهاد والنصرة والمقدسات فيما تؤكد صياغته أن هذا الاشتراك هو ما أثار القوى العالمية على جماعة الإخوان فاجتمعوا على حلها والقضاء عليها وهو ما كان. وتوحي صياغة الشيخ –والله أعلم- بأنه لم يكن يؤيد هذا الاشتراك، ولمثل هذا نقول بأنه لو فصَّل في هذه اللحظة التاريخية لاستبان منهجه أكثر، فالتطبيق يضبط النظرية.

وقد يُجاب على هذا بأن الشيخ نفسه صرح بأنه ليس مؤرخا ولا له دأب المؤرخ وصبره، وقد يجاب بأن واضع المنهج الكلي ليس بالضرورة أن يكون ذا باع فيه، وهو ما لا نوافق عليه، إذ من الضرورة أن يكون الأصولي على قدر من الإلمام بالفقه، وكان لابد لمثل ابن خلدون أن يكتب تاريخا نرى فيه أثر منهجه في التفسير، وإلا وقعنا في مشكلة المثالية التي تفارق الواقع، وهو ما نأخذه على بعض طروحات الشيخ رحمه الله.

2. ثانيها أن أثر اهتمام الشيخ بموضوع التربية، وهو أمر يكاد يصبغ كل إنتاجه، نجد تعظيما لأمر "التربية والتكوين" وتقليلا لحجم "السياسة والسلطة" في قراءته التاريخية، فكتابات الشيخ توحي وكأن التربية هي الغرض من قراءة التاريخ ومن تدريسه، فيما نظن أن التربية نفسها هي وسيلة لتأسيس حكم الله في الأرض الذي هو سياسة وسلطة، وهذا إلى جانب أن السياسة والسلطة تتحكم وتؤثر في التربية، كما في قول عثمان (رضي الله عنه) "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ثم إن العالم منذ نحو مائتي عام وهو يرزح تحت ظل الدولة المركزية التي تجمع كل شيء بيد السلطة حتى مناهج التعليم ووسائل الإعلام والتثقيف حتى التحكم فيمن يصعد على المنبر ومن يلقي الدروس ومن يخرج من البلد ومن يدخل إليها[4]، فهذا كله مما يعظم شأن السياسة وأثرها على أحوال الناس وأعمالهم، وذلك هو تاريخهم.

3. ثالثها هو تضخيم حجم المؤامرة وأثرها في واقعنا، وخصوصا في بحث المستشرقين الذين يرتاب الشيخ في كل ما يفعلون حتى ما كان منه طبيعيا فيفترض فيه غرضا خبيثا، فمن ذلك أنه ينظر بعين الريبة إلى تقسيمهم التاريخ إلى عصور: خلافة راشدة، أموية، عباسية، مملوكية، عثمانية.. ويرى أنهم بهذا أرادوا تمزيق تاريخ الأمة وقطع تواصل الأجيال[5]، ولما كانت الحقيقة أن هذا التقسيم فعله المؤرخون المسلمون الأوائل لم يجد إلا أن يعبر عن إحساسه بأن حديث الأوائل في هذا التقسيم طبيعي بينما إحساسه لدى قراءته عند المستشرقين يوحي بغرضهم الدفين هذا[6]. ومعروف أن مجرد الإحساس ليس معيارا منضبطا يصلح للاستناد عليه.

ومن توابع هذا أن الشيخ سريع إلى الشك فيمن يرى منهم "اقترابا" من الغرب، حتى وإن عُرِفوا بنقده أو الثورة عليه أو حتى الخطأ في التعامل معه مع تراث صريح في الدفع عن الإسلام وتعظيمه، فممن طالتهم سهام الشيخ لهذا رجال أمثال: الشيخ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ونحوهم.. في حين أن البحث التاريخي المعمق في أحوالهم ونتاجهم ينتهي إلى نتيجة أخرى[7]، وهو أمر لا ينفرد به الشيخ بل سبقه إلى مثل هذا بعض الكبار كأبي فهر محمود شاكر والدكتور محمد محمد حسين، وهو ما نحسب أنه من جراء طبيعة المعركة المشتعلة التي يكون فيها المقاتل سريعا إلى تصنيف من حوله إلى صديق وعدو، ويقلّ فيها تقدير المواقف الوسيطة أو غفران الزلات وإن كانت هينة.

ومع قلة المصادر التي كُتبت في التاريخ الحديث والمعاصر بروح إسلامية فيُطمأن إليها، ومع هذه الأجواء السالفة الذكر، فإن هذا الجزء من التاريخ في كتابات الشيخ تهيمن عليه حس المؤامرة التي لا ننكرها ولا نقلل من أثرها، وإن كنا نرى أنها في حجم أكبر من حجمها، والله أعلم.

***

إن تأسيسات الشيخ لأفكار: الانطلاق من هداية الدين في البحث والنظر التاريخي، وما يترتب عليه من تحويل زاوية النظر نحو اكتشاف وتقييم الفترات والأحقاب القديمة والمعاصرة، لجدير بأن يضعه الباحثون الشباب نصب أعينهم، ذلك أن المحترفين من الإسلاميين في مجال التاريخ ما زالوا ندرة، والباحثون مضطرون إلى الأخذ عمن أتيح لهم قديما التدريس في الجامعات واعتلاء مناصب البحث في المراكز العلمية والمؤسسات الثقافية، وكثرة الأخذ عن هؤلاء يجعل الباحث منطبعا بالمنهج مع ما استفاده من علم، فمثل هذه الهدايات المنطلقة من فكر إسلامي خالص هي العاصمة له من الانسياق في تيار المناهج الأخرى الملتبسة بباطل أو التي يغلب عليها الباطل.
رحم الله الشيخ الجليل وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وألحقنا به في الصالحين.



[1] كيف نكتب التاريخ الإسلامي ص7.
[2] كابن خلدون الذي ناقش الموضوع في مقدمته، وانظر أيضا نقاش جلال كشك في كتابه "جهالات عصر التنوير".
[3] بالذات في "واقعنا المعاصر" و "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".
[4] راجع مقال "جناية الأنظمة العلمانية على الأوقاف الإسلامية" الذي نشر في مجلة البيان العدد 312 شعبان 1434هـ، يونيو - يوليو 2013م.
[5] وأغلب الظن أن هذه الفكرة مأخوذة من د. عبد العظيم الديب في كتابه "المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي".
[6] كيف نكتب التاريخ الإسلامي ص19.
[7] صدر حديثا في القاهرة كتاب "ما أخفاه العلمانيون من تاريخ مصر الحديث" للكاتب: معتز زاهر، يتناول توضيح جوانب من الشخصيات التي حاول العلمانيون "اختطافها" لصالحهم، والكتاب يكتفي بالنقل من كتبهم ما هو صريح في تبيين مناهجهم.