الأربعاء، نوفمبر 07، 2018

هل كان العهد العثماني احتلالا تركيا لمصر؟


دفعت كثير من العوامل السياسية والتاريخية والعلمية لتشويه فترة الحكم العثماني للبلاد العربية، من أهمها بزوغ فكرة القومية ثم فكرة الوطنية وهيمنتها السياسية على العالم الإسلامي والتي امتدت حتى وقتنا هذا، وفي إطار هذه الهيمنة كان لا بد من إنتاج التاريخ القومي والوطني الذي يُعَرِّف القومية والوطنية بحدود جغرافية ومفاهيم عرقية تمارس تعريفا وتصنيفا جديدا للواقع وللتاريخ كذلك. وكانت الفترة العثمانية هي ضحية هذه الهيمنة إذ نُظِر إليها على أنها احتلال أجنبي، ونُظِر إلى الخروج من نفوذها على أنه لحظة استقلال قومي ووطني تستحق الاحتفاء، ومن ثم كان لا بد من دعم وصناعة الرواية التاريخية التي تشوه فترة الحكم العثماني في إطار تدعيم وترسيخ الحكم القومي والوطني. ولقد كانت لمصر خصوصية أخرى تمثلت في أن دخول الحداثة لم يكن على يد الاحتلال الأجنبي المباشر بل بدأت على يد محمد علي باشا وأسرته، وحيث أن الإنجليز قد احتلوا مصر وروجوا لدعاوى أنهم الذين أدخلوها إلى عصر الحداثة، فإن الرواية الوطنية كانت تستلهم تحديث محمد علي، والذي مثَّل انقلابا على الدولة العثمانية وحاربها، فكل تعزيز لنهضة محمد علي كانت بالضرورة خصما من حقبة الدولة العثمانية[1].

والواقع أن هذه النظرة مغرقة في الخطأ، ذلك أننا عندما نطالع المدونات التاريخية لفترة الحكم العثماني لمصر لا نجد أثرا للنظر إليهم بمعنى الاحتلال الأجنبي من قبل المصريين، واستخدامنا لفظ "المصريين" هنا إنما هو وصف بمعنى المقيمين في مصر لا بالمعنى القومي الوطني الذي يجعل المصريين عرقا مستقلا أو قومية محددة، فقد عرف العالم الإسلامي –وبالذات في قلبه وحواضره الكبرى ومنها: مصر- التقاءا هائلا للأعراق والأجناس يستحيل معه إنزال المعنى القومي على الشعوب المقيمة في أراضيه. فالمعنى القومي نفسه لم يكن موجودا كمفهوم فضلا عن وجوده كمعيار تصنيفي. وإنما نُظِر إلى الدولة العثمانية كسلطة إسلامية حاكمة لا يُشترط لها "المصرية"، وقد كان حكام مصر قبلهم أتراك وشراكسة وأكراد وعرب.

وقد وُجِد من المؤرخين المصريين من مدحوا الدولة العثمانية ورفعوها فوق سائر الدول السالفة الحاكمة، كالجبرتي الذي قال فيهم: "وكانوا في صدر دولتهم من خير من تقلد أمور الأمة بعد الخلفاء المهديين، وأشدّ من ذب عن الدين، وأعظم من جاهد في المشركين. فلذلك اتسعت ممالكهم بما فتحه الله على أيديهم وأيدي نوابهم، وملكوا أحسن المعمور من الأرض، ودانت لهم الممالك في الطول والعرض، هذا مع عدم إغفالهم الأمور، وحفظ النواحي والثغور، وإقامة الشعائر الإسلامية، والسنن المحمدية، وتعظيم العلماء وأهل الدين، وخدمة الحرمين الشريفين، والتمسك في الأحكام والوقائع بالقوانين والشرائع، فتحصنت دولتهم، وطالت مدتهم، وهابتهم الملوك، وانقاد لهم الممالك والمملوك"[2].

لقد دخل العثمانيون إلى مصر إثر صراع سياسي مع المماليك، وهو الأمر الذي ينظر إليه كثير من المؤرخين والباحثين باعتباره كان فرصة وضرورة لأن دولة المماليك كانت قد وصلت إلى حالة مزرية من الضعف وتهددت سواحلها في البحرين الأحمر والمتوسط بغارات الأوروبيين، بينما نعمت مصر بالأمن من التهديد الخارجي لثلاثة قرون منذ دخلت في الحكم العثماني[3].

كما أن العثمانيين لم ينشؤوا في مصر تغييرات جوهرية حادة في نمط السياسة والإدارة على نحو ما يفعل الاحتلال الأجنبي، وإنما تعامل مع البلد وأهلها كما تتعامل السلطة الإسلامية مع البلاد الإسلامية ورعاياها، ولقد كانت عادة الدولة العثمانية عامة ألا تغير نظام البلاد المفتوحة إلا بقدر ما يبقيها تحت سيادتها[4]، وتلك عادة العثمانيين في البلاد التي حكموها حتى في بلاد شرق أوروبا التي ظلت مؤسساتها قائمة حتى بعد خروجها من السيادة العثمانية بشهادة برنارد لويس المستشرق اليهودي الصهيوني المعروف بعدائه للدولة العثمانية[5].

بينما يمكن أن نرى سيرة المحتل واضحة منذ سقوط الأندلس وما حل بالمسلمين فيها من الشنائع والفظائع، وما بعده حتى لحظة كتابة هذه السطور. والواقع أن الحديث عن احتلال تركي في هذه الأيام هو حديث مدفوع بأغراض السياسة أكثر بكثير مما هو مدفوع بحقائق التاريخ.

إذ لا يمكن بحال تصنيف الحكم العثماني تحت عنوان الاحتلال الأجنبي التوسعي الذي غزا البلاد العربية وتعامل معها كمستعمرات يستفيد من مواردها البشرية والاقتصادية لخدمة مشروعاته وأهدافه التسلطية، وهو الاحتلال الذي عرفته الدول العربية في فترات الاستعمار الغربي، ولم تكن العلاقة بين السلطنة العثمانية والولايات العربية علاقة المركز بالأطراف أو الدول المستعمِرة بمستعمراتها، وإنما كانت علاقة سلطة برعيتها، لا سيما وأن المفهوم القومي لم يتولد في التاريخ الإسلامي كما هو بالمعنى المعاصر، ولم يكن اختلاف الأعراق بين الفئة الحاكمة والشعوب التي تحكمها في التاريخ الإسلامي يعني وجود علاقة احتلالية استغلالية.



[1] انظر هذه العوامل بتفصيل أكبر عند: د. نيللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شهبندر التجار، ترجمة: د. رؤوف عباس، ط1 (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، يوليو 1997م)، ص11، 12؛ د. خالد فهمي، كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 2001م)، ص21 وما بعدها.
[2] انظر: الإسحاقي، أخبار الأُوَل فيمن تصر في مصر من أرباب الدول، (طبعة مصر، 1310هـ)، ص141؛ الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: شموئيل موريه، ط1 (القدس: الجامعة العبرية، 2013م)، 1/22.
[3] محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، ط1 (القاهرة: المركز المصري للدراسات العثمانية، 1994م)، ص139 وما بعدها؛ محمد جلال كشك، القومية والغزو الفكري، ط1 (القاهرة: د. ن، 1967م)، ص112، 154، 164، 165.
[4] علي مبارك، الخطط التوفيقية لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ط1 (القاهرة: مطبعة بولاق، 1306هـ)، 1/56؛ هاملتون جب وهارولد بوين، المجتمع الإسلامي والغرب: دراسة حول تأثير الحضارة الغربية في الثقافة الإسلامية بالشرق الأدنى، ترجمة ودراسة: أحمد آيبش، (أبو ظبي: دار الكتب الوطنية، 2012م)، 1/287؛ عبد العزيز الشناوي، دور الأزهر في الحفاظ على الطابع العربي لمصر إبان الحكم العثماني، ضمن: أبحاث الندوة الدولية لتاريخ القاهرة: مارس –إبريل 1969م، (القاهرة: دار الكتب، 1971م)، 2/675.
[5] برنارد لويس، السياسة والحرب، ضمن: جوزيف شاخت وكليفورد بوزوروث، تراث الإسلام: الجزء الأول، ترجمة: حسين مؤنس وآخران، سلسلة عالم المعرفة 8 (الكويت: المجس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1985م). ص228.