الأحد، مارس 04، 2018

ذكريات كثيرة ودرس مفقود!


حفل شهر فبراير لهذا العام بالعديد من الذكريات الملهمة والمؤرقة للأمة الإسلامية عموما وللحركة الإسلامية على وجه الخصوص، وعلى قدر ما يُقال في الذكريات الكثير من الكلام المؤثر والمنمق والمتفاني في الإتيان بالجديد على قدر ما يبدو أن ثمة اتفاقا عاما على الاكتفاء بالتمجيد وعدم الاقتراب من مواضع الخلل والخطأ، والتي هي نفسها موضع العظة والاعتبار.

نعم، إننا نجد أنفسنا في حاجة لإنصاف الشخصيات التاريخية الكبيرة التي لطالما هوجمت وشُوِّهت وطُعِن فيها ولهذا تشغلنا مهمة رفع الركام الموضوع فوقها، وهو لا شك واجب تاريخي تجاه هؤلاء جميعا. ولكنه نصف الواجب فقط، فالنصف الآخر هو البحث المنصف المتجرد في السؤال الأهم: لماذا لم يستطع أولئك العظماء أن يحققوا أهدافهم؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي الذي نأخذ منه لأيامنا القادمة فنقوم بواجب المستقبل ولا نكون قد وقفنا فحسب عند القيام بواجب الماضي.

في كل تلك الأحوال كان العدو أقوى وأقدر، ولكن الله أخبرنا أن الهزيمة لا تكون أصالة إلا بالأسباب الذاتية (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم). ومهما تبارينا وتسابقنا في إثبات لؤم العدو وغدره فلن يفيدنا هذا شيئا، الإفادة على الحقيقة هي ما نستكشفه في تجربتنا من ثغرات.

1. مائة عام على وفاة عبد الحميد الثاني

في العاشر من فبراير الحالي مرت مائة عام على وفاة السلطان عبد الحميد الثاني، آخر الخلفاء المسلمين على الحقيقة، فمن جاءوا من بعده لم يكونوا يحكمون عمليا بل كانوا كمناصب شرفية قليلة التأثير في ظل حكومات تركية قومية متغربة.

عبد الحميد مشهور بموقفه التاريخي الصلب في صد ومقاومة تأسيس إسرائيل، ومشهور بمشروعه العظيم: إنشاء خط سكة حديدة تربط أطراف الأمة الإسلامية، ومشهور بمحاولاته المستمرة لمقاومة الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والروسي، ولكنه مع هذا انتهى معزولا إثر انقلاب عسكري عام 1909، لتنتهي بهذا صفحة آخر الخلفاء المسلمين، ثم لا تبقى إلا خمسة عشر عاما حافلة لتنتهي الخلافة الإسلامية كلها لأول مرة منذ بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم.

لعل نكبة انهيار الخلافة هي النكبة الأقسى والأكبر للأمة الإسلامية، وهي المصيبة العظمى بعد مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن بعدها صار المسلمون حرفيا كالفريسة المأكولة المنهوشة المقطعة الأوصال التي يَحكُم فيها أعداؤها فيسومونها سوء العذاب، ولا تزال كل نكبات المسلمين حتى هذه اللحظة هي فرع عن النكبة الكبرى بسقوط الخلافة واختفاء الخليفة المسلم.

لكن المهم هنا أن ذكرى عبد الحميد ستمتلئ بالثناء عليه وعلى مواقفه ومشروعاته، وستحاول أن تتجنب التقييم الموضوعي الذي يفسر لم لم يستطع عبد الحميد وقد حكم أكثر من ثلاثين سنة أن يوقف انهيار السلطنة العثمانية أو أن يجدد شبابها؟! لماذا دخل في صراع مع عدد من الزعماء الأفذاذ الذين أرقوا الاحتلال في كل أرض نزل بها كجمال الدين الأفغاني وعبد الله النديم مثلا؟ لماذا وصفه من لا يُتَّهمون في دينهم ولا إخلاصهم من العلماء والأعيان المسلمين بتهمة الاستبداد، بل وفرح بعضهم لأول وهلة بالانقلاب عليه؟ لماذا وكيف تكوَّنت نخبة عسكرية علمانية في ظل من وُصِف بأنه السلطان الأكثر يقظة وتنبها؟ كيف يتفق المؤرخون على ذكاء عبد الحميد ودهائه ثم تكون النتيجة أنه يُعزل بعد اثنتين وثلاثين سنة؟ ما الذي كان بإمكان عبد الحميد أن يفعله لكنه لم يفعله ليعيد تصحيح مسار الانهيار؟ ولماذا لم يفعله؟!

2. استشهاد حسن البنا

تسعة وستون عاما مضت على استشهاد حسن البنا (14 فبراير 1949) بطلقات رصاص لم توقف فقط مسيرة روح الشهيد بل كأنها أوقفت مشروعه أيضا!

ليس من شك في أن جماعة الإخوان استمرت بعد حسن البنا، بل وملأت الدنيا في العطاء العلمي والتربوي والدعوي، وقليل من العمل الجهادي، وكثير من مسيرة سياسية لم تثمر بعد طول الزمن ثمرة ذات بال!

لو كان مشروع حسن البنا علميا أو دعويا أو تربويا فحسب لقلنا بأن الجماعة استكملت مشروعه من بعده على خير وجه، ولقلنا في ذات الوقت بأن دخول الجماعة على الخط الجهادي والسياسي كان انحرافا عن مشروع البنا. أما حيث كان مشروع البنا مشتملا للجانب الجهادي والسياسي بما تدل عليه كتبه ونظراته وكلماته وبما تثبته صفحات التاريخ من تكوينه للنظام الخاص (الجهاز الأمني العسكري السري) وما تكشف عنه أوراق النظام الخاص ومذكرات قادته.. نقول: حيث كان مشروع البنا هكذا فلا بد من القول بأن هذا الجانب توقف باستشهاد البنا، إذ لا نستطيع أن نجد زعيما سياسيا من الإخوان استطاع تحرير بلاده مثلا أو قيادة معركة التغيير لإنشاء نظام إسلامي فيها. كذلك لم نجد بعد البنا حركة جهادية تحريرية من الإخوان استكملت الشوط وبلغت التحرير والاستقلال المنشود[1].

بعد استشهاد البنا ظلت الجماعة نفسها أكثر من عامين بلا مرشد عام، منفرطة العقد، حتى قام بعض قياداتها بلم شملها مرة أخرى.. مجرد انفراط العقد لعامين يطرح بقوة سؤال المؤسسة التي تتوقف لعامين عند غياب مؤسسها. وحين غيبت المحنة الإخوانَ زمن عبد الناصر لم تتجدد الجماعة مرة أخرى إلا بحركة إسلامية نشأت وهم في السجون ثم قبل قادتها الشباب طوعا الانضواء تحت راية الإخوان!

على كل حال، ليس هنا مقام تفصيل.. لكن تقييم تجربة البنا لا تزال موضع تجنب عام على كثرة المتحدثين بالمدح والثناء في حسن البنا (وهو مستحق له طبعا)، ولا يوجد على حد ما أعلم دراسات وافية تحاول كشف ثغرات التجربة التي أفضت لاستشهاده ولقدرة الدولة على تدمير الجماعة مرتين على الأقل. وسائر ما في هذا الباب هو محاولات خجولة تلمس الأمور برفق وهي مع هذا ملفوفة ومغطاة بسائر كلام الاعتذار والثناء والتبجيل.

ليس يضر حسن البنا –لا سيما وقد صار عند ربه، ونحسبه من الشهداء- أن تُقَيَّم تجربته بعين فاحصة ناقدة، فليس هذا طعنا فيه بل هو استلهام لمن يريدون العمل الآن.

3. عمر عبد الرحمن

مر عام واحد على وفاة الشيخ عمر عبد الرحمن بعد ربع قرن من المحنة الشديدة، في السجون الأمريكية. إن مجرد تصور وتخيل صورة سجين مريض ضرير في سجن انفرادي لمدة ربع قرن يصيب بالهلع والحيرة! مجرد العيش مع الصورة نفسها محنة.. فكيف يا ترى كانت محنته على الحقيقة؟!

لا يزال شأن إنصاف الرجل وتاريخه واجب في عنق الأمة، وبالأخص في عنق رجال الجماعة الإسلامية المصرية التي كان الشيخ أميرها! ولكننا نتوقف معه في هذه السطور عند واجب المستقبل كما هو موضوعنا.

ترى لو أتيح الآن لرجل عالم جسور بعيد الهمة عظيم الفؤاد مشرق النفس في نفس حال الشيخ عمر عبد الرحمن مطلع السبعينات، لو أتيح له الآن أن يرى شبابا موفور العزم مسجور الهمّ ملتاع القلب يعرضون عليه أن يكون أميرهم بعدما نكص الشيوخ الكبار عن المهمات الكبار.. لو أتيح لرجل الآن مثل هذا فكيف يمكن لرجال الجماعة الإسلامية المصرية أن ينصحوه؟!

إنه لن تتوفر النصيحة السديدة إلا بالاطلاع الجيد والفهم العميق للتجربة نفسها، ثم بالتجرد التام في تقييمها.. فهل مثل هذا موجود لدى رجال الجماعة الإسلامية الآن؟!

أذكر مرة، وكنت مع الشيخ رفاعي طه رحمه الله أنه عرفني على رجل من الجماعة الإسلامية كان مسؤولا عن ملفها الإعلامي، ولديه كم كبير من الوثائق المسموعة والمطبوعة التي يحتفظ بها ولم تنشر بعد، فألححت عليه أن ينشرها، فقال: لا وقت لدي للترتيب والتصنيف وذكر السياق الذي صدرت فيه كل وثيقة. قلت له: انشرها كما هي، ودع الأمر للباحثين والمتابعين فإن مجرد توفر المادة يتيح لكثيرين أن يتكلموا كما يتيح لكثيرين أن يفهموا ويبحثوا ويستخرجوا الرواية من مجموع ما جمعوه. لم يعجبه هذا وقال: لا بد من اجتماع الإخوة وكتابة تاريخ الجماعة الإسلامية بحيث يخرج مكتملا كرواية شاملة من كل الوجوه بدلا من أن يكتب كل واحد من وجهة نظره. قلت له: اعذرني، ولكن أكذب رواية للتاريخ هي الرواية الرسمية! وكان مما أسعدني يومها أن الشيخ رفاعي طه وافقني بشدة.. ومع هذا انتهى اللقاء وكلٌّ على ما هو عليه.

إن الحركات الإسلامية تكرر أخطاءها لأسباب عدة من أهمها أن التجربة الحركية الإسلامية غير مكتوبة، وفيما تدور المعركة مع أنظمة وأجهزة أمنية تراكم ملفاتها وتدرسها وتضيف إليها تخوض الحركة الإسلامية معركتها برصيد تاريخي يقترب من الصفر، فيتكرر نفس الخطأ ثم يتكرر عليهم نفس أساليب المواجهة والاختراق والتصفية.

إننا بحاجة لكتيبة ممن يفرغون أنفسهم لتسجيل تاريخ الحركة الإسلامية، والتنقيب في صفحات التجربة بما في ذلك التجارب المهزومة لكي يستكمل هذا الدرس المفقود: درس المستقبل!



[1] ربما يضرب أحد القراء مثلا بحركة حماس، وبالنسبة لهذا الموضوع يرجى قراءة مقال: تجربة حماس.. درس للشيوخ والشباب.