الاثنين، مارس 19، 2018

موجز سيرة رفاعي طه كما أملاها


كنت أعرف اسمه ولكني لم أعرف صورته قط، رأيته لأول مرة خطيبا لعيد الفطر (2012م) وتأثرت بخطبته دون أن أعرفه، ولما سألتُ لم أعرف إلا أنه "الشيخ رفاعي" الخارج توا من سجون مبارك ومن الجهاديين القدامى. وحيث كانت سجون مبارك ممتلئة فلم أعر الأمر اهتماما وظننته أحد أعضاء الجماعة الإسلامية أو جماعة الجهاد أو حتى الشباب الذي تحمس قديما وجاهد في أفغانستان ثم لما عاد وُضِع في السجن.

بعد تلك اللحظة بسنتين كنتُ قد وصلت إلى اسطنبول بعد الانقلاب العسكري بمصر، وأتيح لي أن أراه في مقر تحالف دعم الشرعية، عرفت حينها أنه لم يكن الرجل العادي بل هو الشيخ رفاعي طه من مؤسسي الجماعة الإسلامية وزعيمها بالخارج لفترة والرافض للمبادرات التي أطلقها قادة الجماعة بالتراجع عن أفكارهم. وحيث أني لا أتمتع بالموهبة الصحفية ولا حتى بالمهارات الاجتماعية الطبيعية ولست ممن يحب الاختلاط ببيئة السياسيين مرَّ اللقاء دون أن أحاول الكلام معه رغم أنه قد اشتعلت رغبتي في سماع تاريخه وتجربته.

ثم جاء موعد على غير ترتيب ولا تدبير، اقترح علي صديق أن أذهب معه لإنهاء إجراء أمني يتعلق بالإقامة في تركيا، وكان الأمر يتطلب سفرا فسافرنا، ثم ونحن في طريق العودة فوجئنا بالشيخ رفاعي مع الأستاذ إسلام الغمري عائدين إلى اسطنبول، كانت أمامنا ساعة للحديث في لقاء لم يكن له أن يتم لولا تدبير الله وحده. رأيتها فرصة لفتح موضوع التاريخ وكتابته وتاريخ الحركات الإسلامية، ووجدت لديه اهتماما تاريخيا عاما وأخبرني أنه في مطلع شبابه قرأ البداية والنهاية لابن كثير، وأنه يود لو كُتِبَت سيرة النبي اعتمادا على الأحاديث الصحيحة فقط، فقلت له: قد خرج في الموضوع أكثر من كتاب بالفعل. لم يكن يعلم بها لأنه كان في فترة سجنه الطويلة.

وهكذا سنحت الفرصة لألح عليه في كتابة مذكراته، فحدثني أنه كتب جزءا كبيرا منها بالفعل في السجن لكن إدارة السجن استولت عليها. والواقع أني وجدت نفسي أمام شخصية عزيزة المنال، فالقليل جدا من قيادات الحركة الإسلامية من يرون أهمية لكتابة مذكراتهم، وأقل القليل من ينوون كتابتها، وأقل أقل القليل من يشرع بالفعل في الكتابة، وهذا ما يجعل تاريخ الحركات الإسلامية حافلا بالتناقض والاضطراب والغموض بما لا يتناسب بحال مع حجم الحدث وضخامة التجربة.

عرضت عليه من فوري أن أرفع عنه عبء الكتابة، وأن يحدد بيننا موعدا فأسجل له وأستمع إليه، ثم أقوم بعبء التفريغ والتحرير والتدقيق البحثي في التواريخ والأحداث، فرحب للغاية، وهكذا جرى الأمر.

جلست إليه أحد عشر مرة، الأولى منها كانت بغرض التعرف على سيرته موجزة مجملة، والأخيرة أردناها أن نكمل لكن تشعب الكلام في هموم الواقع حتى انتهت الساعات، وكانت تلك آخر مرة أراه فيها، فمن بعدها شُغلت عنه وشُغل عني حتى فجأني خبر استشهاده في ليلة لا أنساها.

في تلك الجلسات اقتربت منه بقدر ما يقترب كاتب مذكرات بشيخ لا يعرفه، رأيت منه تواضعا وبساطة وبشاشة ورحابة صدر، ويكفي أنه استأمنني على كتابة سيرته، وربما غِبْت عنه أحيانا فكان يتصل ويتفقدني ويسأل عني، وهو شيء لا يكاد يفعله من كان في سنه ومقامه ومشاغله، وكان قريب الدموع رقيقا، لا يكاد يتذكر أحدا من إخوانه أو موقفا مؤثرا إلا بكى، وكان أكثر ما يبكي إذا ذكر زوجته، فقد كان شديد الوفاء لها وكثير الثناء عليها، ويتذكر بتأثر بالغ تضحيتها معه وصبرها عليه.

في تلك السطور أروي مجمل سيرته رحمه الله كما أملاها علي في أول جلسة بيننا، وإن شاء الله تعالى نأخذ في رواية مذكراته التي لم تكتمل بل توقفت عند فترة الثمانينات، عند بداية عمل الجماعة الإسلامية في الساحة المصرية.

وُلِد رفاعي أحمد طه في 24 يونيو 1954، وقتما كانت تعيش الحركة الإسلامية أولى محنها الرهيبة مع النظام العسكري، في قرية نجع دنقل التابعة لمركز أرمنت بمحافظة قنا (في ذلك الوقت) لأبوين من بسطاء الناس، وأبوه من قبيلة الفريحات التي ينتهي نسبها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

وُلِد مصابا بالربو، فكانت تأتيه الأزمة الصدرية بين الفينة والأخرى، وتعلق بالصلاة منذ صغره فكان يحب أن يذهب للمسجد في كل صلاة حتى صلاة الصبح، والتحق بالكتاب في بداية أمره، فحفظ شيئا من القرآن، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية (1961م) وظهر تفوقه فكان الأول على صفه الدراسي، وهو التفوق الذي أهله ليكون ضمن طلائع التنظيم الطليعي التابع لجمال عبد الناصر، فكان من فتيانه ثم صار من شبابه، وكان كادرا ناصريا يُعقد عليه الأمل.

أفاق من سكرة عبد الناصر يوم وفاته حيث لقيه أستاذ له وهو يبكي حزنا عليه، فأخبره بما لم يتوقع من ظلم وبطش عبد الناصر بالمصريين، وبما قام به الجيش المصري من فظائع في اليمن، فبدأ في تكوين صورة أخرى.

بدأ تفكيره في التغيير منذ كان طالبا بالثانوية، حيث أفضى زميل له بأن حكم مصر يُوصل إليه بالانقلاب كما فعل عبد الناصر، وأن الطريق إلى ذلك هو دخول الجيش، رسخت الفكرة في ذهنه، واتفق عليها مع بعض أصدقائه، وتغير تفكيره من دخول كلية الطب إلى دخول الكلية الحربية، ثم وقعت له ظروف أخرى ساقته إلى كلية التجارة.

التحق بالكلية (1973م)، وكانت أولى أيامه في الجامعة قد شهدت نشوب حرب أكتوبر التي سمع باندلاعها في اللحظة التي كان خارجها فيها من الجامعة متوجها إلى سكنه، وفي الكلية بدأ النشاط الإسلامي في عهد السبعينات، وتكونت في تلك الفترة بذرة "الجماعة الإسلامية" عبر شباب الجامعة.

تخرج من الجامعة (1977م) بينما بقيت معه مادتان من السنة الدراسية، وواصل العمل في تكوين الجماعة الإسلامية والدعوة إليها ونشرها، ووُضِع ضمن قرارات اعتقال السادات (1981م) لكنه ظل هاربا حتى وقع في الاعتقال لأول مرة في 16 أكتوبر 1982، وفي السجن أتيح له أن يكمل المادتين العالقتين معه، فلم يتخرج من الجامعة إلا في عام (1983م).

خرج من السجن بعد أربع سنوات في 16 أكتوبر 1986، رغم أن الحكم كان بسجنه خمس سنوات، إلا أن خطأ وقع في تسجيل تاريخ إيداعه السجن، جعلت كأنما ألقي القبض عليه مع الدفعة الأولى من رفاقه، وقد فوجئ هو عبر صديق له رأى اسمه في قائمة من سيُفْرج عنهم، وقد كان هذا تأويل رؤية رآها في السجن، فقد رأى أنه كان جائعا فاشترى خمس (سندويتشات طعمية)، إلا أنه أكل منها أربعة فقط، فلما قصها على إخوانه أوّلوها له بأنه سيُحكم عليه بكذا لكنه لن يكملها.

خرج إلى السعودية يوم 2 أغسطس 1988، وأمضى هناك شهرين، ثم خرج إلى باكستان في نفس العام وأمضى هنالك ثلاثة أشهر، ثم الإمارات الإمارات في 16 ديسمبر 1989، وأمضى عشرين يوما في دبي وأبو ظبي، ثم إلى بيشاور (باكستان) في يناير 1990 وظل يتنقل بين باكستان والسودان، ثم عاد إلى السودان (1992م). تلك التنقلات التي كانت محكومة بالظروف التي وُضِعت فيها الجماعة الإسلامية وبقية الحركات الإسلامية أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات.

ولما وقعت محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا (25 يونيو 1995)، تصاعدت الضغوط على وجودهم بالسودان، فاضطر إلى الخروج إلى سوريا (أكتوبر 1995م)، وقضى بها خمسة أشهر، ثم انتقل إلى إيران في بدايات 1996 التي وفرت لهم اللجوء السياسي داخل أراضيها.

كانت إيران قد تعاملت مع الجماعة الإسلامية بتوقير وترحيب، ووفرت لهم مفوضا مباشرة للعلاقة بينهم وبين الرئاسة، كما وفرت له حراسة دائمة حتى في تنقلاته خارج إيران، ولا يفارقه الحارس إلا إن طلب منه هذا، فكان أسلوبه أن يسافر من إيران إلى سوريا، وهناك يطلب من الحارس أن يتركه، ثم يستعمل جواز سفر سودانيا فيسافر به إلى السودان باسم مختلف، فيقضي ما يشاء ثم يعود إلى سوريا، ويستبدل بالجواز السوداني جوازه الآخر، ويعود إلى إيران.

في ربيع عام 2001، وقع منه خطأ أمني كلفه أحد عشر عاما من الاعتقال، وذلك أنه اتصل من سوريا على أسرته في إيران وأخبرهم أنه يريد من أحد رفاقه بالجماعة الإسلامية التواصل مع السلطات الإيرانية لمنحه تأشيرة العودة حيث كان قد تجاوز وقت التأشيرة، وأخبرهم في هذا الاتصال بعنوان الفندق ورقم الغرفة التي يقيم بها في سوريا. يقول: فما إن أغلقت سماعة الهاتف حتى قلت لنفسي: ما هذا الذي فعلت؟! فهاتف البيت في إيران لا بد أنه مراقب، وأنا الآن قد كشفت عن مكاني بالتفصيل، فانزعجتُ وتضايقتُ وقررت قضاء الليلة عند صديق فلسطيني في مخيم بسوريا، وأفضيت إليه بما حدث، فقرر أن أبيت عنده، وأنه سيرسل شابا من عنده يتصرف ويأخذ الحقائب من الفندق، فيكون الخطر قد انتهى.

وبعد قضاء ليلته عنده عنَّ له أن يعود إلى الفندق، فألح عليه صديقه أن يبقى، لكنه أصر على الذها للفندق لترتيب حقائبه بنفسه وأن الأمر لن يستغرق سوى دقائق، حيث كان من أمتعته ما يحب أن يرتبه بنفسه، وفي النهاية عاد إلى الفندق، وما إن دخل إلى غرفته حتى سمع طرقا بعدها بدقائق على باب الغرفة، ففتح فوجد رجلين يقولان أنهما من إدارة الفندق وأنه حدث خطأ في تسجيل الغرفة، يقول: علمت من اللحظة الأولى أنهم من المخابرات وأنني في حكم المعتقل، وبأسلوب لطيف مهذب جرى اقتياده إلى مبنى المخابرات السورية التي تعاملت معه بتهذب لكونه ضيفا على الحكومة الإيرانية، ثم بعد ساعة سلمته إلى جهاز الأمن السوري الذي تعامل معه بعنف شديد وإهانة وتعرض هناك للتعذيب.

وبعد خمسة عشر يوما أُخبر بأنه سيُفرج عنه، إلا أن هذه كانت خدعة، حيث اصطحبوه مقيدا ومعصوب العينين إلى الميناء ووضعوه في سفينة مصرية بعدما أوهموه أنها سفينة سورية ستنقله إلى دولة أخرى، وفي السفينة قام ضباط المخابرات بتمثيلية هدفت إلى إقناعه أنه كان في سفينة سورية وأن المخابرات المصرية اختطفته منها في عرض البحر، بينما الواقع أنه وُضِع من البداية في سفينة مصرية.

قضى في جهاز الأمن المصري شهورا من التحقيق والتعذيب، ثم أودع السجن حيث كان محكوما عليه بالمؤبد، وظل فيه أحد عشر عاما إلى أن أفرج عنه بعد شهرين من تولي الرئيس مرسي، وبالتحديد في (5 سبتمبر 2012).

ولما وقع الانقلاب العسكري (3 يوليو 2013)، خرج مع عدد من قيادات الجماعة الإسلامية إلى السودان، لكن الحكومة السودانية أبلغتهم أنه لا يمكنها استضافتهم، واقترحت عليهم الخروج إلى مكان آخر، وعرضت أن توفر لهم وثائق للسفر مع فقدهم لوثائق السفر، وكان يرى أن يخرج إلى ليبيا بينما كان بعض رفاقه يرون الخروج إلى تركيا، ثم استقر أمرهم على تركيا مؤقتا، فإن لم يناسبهم الوضع عادوا إلى ليبيا.

سافروا إلى تركيا (سبتمبر 2013م) لكن وقعت مشكلة لم تكن في الحسبان، وذلك أن جوازات السفر السودانية التي سافروا بها من السودان إلى تركيا قد أخذها منهم ضابط المخابرات السوداني المرافق لهم بنوع من الخديعة، فصاروا بلا هويات ولا وثائق سفر، وبقي الشيخ رفاعي طه في تركيا.

كان طبيعيا لمثله أن يتواصل مع الحالة الجهادية في سوريا وأن يتواصلوا معه، حتى جاء صباح (8 إبريل 2016) يحمل خبر استشهاده في قصف جوي بغارة أمريكية مع خمسة آخرين بعد لقاء جرى مع أبي محمد الجولاني قائد جبهة النصرة في محاولة للتوفيق والإصلاح بين الفصائل الشامية وعلى رأسها جبهة النصرة وحركة أحرار الشام.

وبهذا أسدل الستار على حياة الشيخ رفاعي أحمد طه، أحد القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية المصرية، وأحد أبرز الوجوه الجهادية في النصف الثاني من القرن العشرين.

نحاول بإذن الله في المقالات القادمة نشر ما أمكن تسجيله من مذكراته على حلقات، فالله المستعان.