الأربعاء، فبراير 22، 2017

الشيخ عمر عبد الرحمن

انتهت قبل يومين مأساة رجل عاش نحو ربع القرن في سجن انفرادي.. أمرٌ مجرد تصوره وتخيّله يصيب بالكآبة والألم، فكيف يا تُرى كان واقع المأساة نفسها؟!

مات الشيخ عمر عبد الرحمن، في سجنه الانفرادي الأمريكي، هناك حيث اجتمعت عليه أنواع المعاناة: السجن، الظلم، الغربة، الإهانة والإذلال، وانعدام النصير!

يستطيع روائي موهوب أن يحوِّل المأساة إلى عمل روائي ملحمي كبير، فما أغزر ما فيها من صور ومشاعر ومواقف وفصول، إلا أنني هنا سأكتفي بالتركيز على أربعة معانٍ فحسب.

(1) أمةٌ كالغيث

"أنا لا يرهبني السجن ولا الإعدام، ولا أفرح بالعفو أو البراءة، ولا أحزن حين يُحكم عليّ بالقتل، فهي شهادة في سبيل الله، وعندئذ أقول: فزت ورب الكعبة".

تلك الكلمات التي تبعث في الذاكرة قول الشافعي:
أنا إن عشتُ لستُ أعدم قوتا .. وإن أنا متُّ لستُ أعدم قبرا
همّتي همّة الملوك ونفسي .. نفس حرٍّ ترى المذلة كفرا

وتبعث في الذاكرة قول ابن تيمية: "ماذا يفعل أعدائي بي، إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة"! وتبعث فيها قول حرام بن ملحان، رضي الله عنه، حين طُعِن من الكفار غدرا فصاح "فُزْتُ وربِّ الكعبة"!

كان عمر عبد الرحمن من أهل الأعذار، عذرهم الله لكن لم يعذروا أنفسهم.. فجاهدوا، وتلك سلسلة نقية تتصل بالشيخ أحمد ياسين، القعيد الذي أسس حركة مقاومة فعلت بإسرائيل ما لم تفعله جيوش العرب أجمعين، وتمتد حتى تنتهي عند عبد الله بن أم مكتوم، الصحابي الأعمى الذي كان يؤذن للناس آذان السحر ثم خرج مجاهدا يحمل اللواء يريد تكثير سواد المسلمين وتثبيتهم!، وعند سيدنا عمرو بن الجموح، الصحابي الأعرج الذي رفض رجاء أولاده ألا يخرج للقتال فصاح فيهم: والله إني لأريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة! وقد كان!

أهل الهمم هؤلاء يثيرون في أهل الصحة شجونا وشؤونا، يثبتون لهم أن مدار الأمر على النفوس والقلوب، على الهمم المشتعلة في الصدور، على الأرواح المحلقة في السماء، على العزائم التي لا تقبل الدنية ولا ترضى بالركون، وهم أصدق من يقال فيهم:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائم

لَكَم يحتج المرء أمام غيره أو أمام نفسه بقلة الإمكانيات، حتى إذا أتت سيرة هؤلاء العظماء عرف كل إنسان قدره، وحقيقة مرضه وكسله وثقله، ولو بينه وبين نفسه!

(2) الثورة .. قبل الثورة

في أيام الثورة كنت تخال الناس كلهم ثائرين، كلهم يتحدث كأنما أطلق شرارة الثورة، ورفع لواء الثورة ضد الرئيس الحليم (أو الضعيف الذي لم يتمكن) لا يرضى إلا بالمثالية الثورية المستحيلة، حتى إذا جدَّ الجدّ وجاء زمن الدماء والمذابح كان أحسنهم حالا من عاد إلى قواعده في تويتر أو ناضل قانونيا في ساحة "القضاء الشامخ"!

لولا آلة الإعلام الشيطانية القادرة على إزالة الحقائق وتثبيت الأوهام، المتفننة في قلب الحق باطلا والباطل حقا، لولاها ما احتاج الإسلاميون دليلا على ثوريتهم.. كانوا كذلك وقت أن كان مبارك في عنفوانه وذروة سطوته، ولذلك كانوا أول من أُنْزِل السجون وأُسْكِن القبور وطورد في المنافي، وكانوا حينئذ يوصمون بالإرهاب والتطرف، بعض الناس يصفهم بهذا نفاقا للسلطة، وبعضهم يصفهم بهذا ليبرر لنفسه قعوده عن الثورة التي يحاولون إشعالها.

لم يكن عمر عبد الرحمن ولا صحبه إلا ثوارا قبل أن يأتي زمن الثورة، ثوارا لم ينتظروا نزول برادعي أو استجابة عسكر أو تخلي أمريكي عن عميلهم، لربما أخطأوا التدبير ولكنهم كانوا ثوارا لا يختلفون شيئا عن كل الحركات الثورية التي اشتعلت ضد الاحتلال والاستبداد عبر العالم، إنهم الطليعة التي بُنِيَت على جماجمهم وعظامهم ثورة شباب لم يعرفهم.. اختزنت الأيام ما أورثوه من كراهية للظلم والمستبدين حتى اجتمعت الروافد وانفجرت الثورة.

وهكذا، انظر في سائر ساحات الكفاح والمقاومة، هل تجد فيها أعلى صوتا أو أثبت قدما أو أطول نَفَسًا أو أدوم مددا من الإسلاميين؟! هذا وإن أخطأوا التدبير أو أخطأوا التطبيق.

(3) سطوة الأفكار الغالبة

إن الثورة المهزومة لا تُنصَف إلا حين يزول النظام الذي ثارت عليه.. ذلك طبع التاريخ، وذلك ثأره وحجته أيضا!
ذلك طبعه، فليس ينبعث التاريخ الحقيقي لثورة مهزومة إلا بزوال الحكم الذي هزمها، ظلَّ عرابي مشتوما ملعونا على لسان الجميع حتى رحل آخر أبناء محمد علي من مصر، ولم تُبعث سير عمر المختار والبشير الإبراهيمي وعبد الكريم الخطابي إلا لما رحل الاحتلال!

وذلك ثأره، فبه ينتقم من الجبابرة والطواغيت الذين أرادوا تزوير التاريخ فإذا به ينقلب عليهم، فيُعظِّم من أرادوا تحقيره ويُحقِّرهم! ويُنصف المظلوم من الظالم ولو بعد حين.

وذلك حجته أيضا، فبهذا نعرف حقيقة أقوام في الماضي والحاضر، ساروا في ركاب السلطة ضد الثورة، نافقوا وتملقوا، فنعرف بهذا أقدار الرجال وحقائق حالهم، وإذا بمن كان يفتخر بأبيه يحاول اليوم أن يداري نسبه إليه، وإذا بمن كان يُخفي نسبه إلى الثائر المهزوم يتفاخر به.

وهذا عمر عبد الرحمن.. تعاطف معه الشباب الذين لم يروه ولم يسمعونه وربما لم يكونوا يعرفون عنه قبل وفاته، وما ذلك إلا لأن الزمن زمن ثورة.. ثورة على أمريكا وعملائها، فكل أسير وقتيل على يد أمريكا لا بد أنه بطل، والعكس بالعكس أيضا!

هذا عمر عبد الرحمن.. قد أقيم له حفل تأبين في اسطنبول فتكلم في تأبينه كل معارض، ولو أنه مات في زمن حسني مبارك لرأيت كثيرا منهم لم يتكلموا في الترحم عليه، أو لعل بعضهم تكلم في الطعن فيه. ولو أنه مات في زمن محمد مرسي لرأيت حفل تأبينه في القاهرة حفلا كبيرا فخما مهيبا مشهودا يجتمع له من العلماء والقادة والشعراء والفصحاء مَنْ بأقطارها.

ومن هنا نعلم أننا إذا أردنا إنصاف الشيخ عمر عبد الرحمن وإخوانه وكل ثائر، فلا بد من انتصار هذه الثورة على هذا النظام، فبانتصارها يُكتب تاريخ الأبطال فلا يُنسى جهادهم ولا تُهضم أقدارهم.

(4) أمريكا تسمح لكم بالعزاء!!

من مآثر ومناقب سيدي الشيخ الكبير الأسير البصير حازم أبو إسماعيل أنه ومن خلال برنامجه التليفزيوني على قناة الناس، وفي عصر حسني مبارك، قدم التعزية لأيمن الظواهري -نائب زعيم تنظيم القاعدة وقتها- في وفاة والدته..

لم يكن الأمر شجاعة فقط.. بل كان حرصا منه -فك الله أسره، ومتعنا بطول بقائه- على أن يظل المسلم له حق محفوظ عند إخوانه.. حق لا ينزعه منه أن أمريكا تصنفه كإرهابي أو أن نظام بلده العميل يتعامل معه كمجرم!
وهذا هو الدرس الأعظم..

أن يظل المسلم مسلما، وأن تظل حقوقه محفوظة مؤداة، وأنه مهما خالفنا بعضهم في فكره أو اجتهاده فلا يعني هذا هضم ما له عندنا..

وذات الكلام يُقال الآن عن الشيخ عمرعبد الرحمن!


إن من يخجل من التعزية فيه والإشادة به والإدانة لظالميه فإنما يهدر حقا لمسلم، ويثبت حقا لأعداء الشعوب في تصنيفهم للناس.. أما الذي يدينه ويشمت به ويتحدث عما يسميه "جرائمه" فلا حرج عليه.. فما على مثله سبيل! رضي بأن يكون مع الكافرين والمنافقين، فهو إن لم يكن منهم، فإنما هو على وشك ذلك.