السبت، أغسطس 06، 2016

هل قامت الدولة العباسية على نبوءة؟!

كثيرًا ما يرد في المصادر التاريخية خبر النبوءة، خبر رجل قال بأنه سوف يحدث كذا وكذا، ثم يحدث التاريخ وَفق ما قال القائل، والمؤرِّخون يُوردون هذه الأخبار بحسب مناهجهم؛ فثمة مَنْ يكتبها لأن منهجه في الكتابة التاريخية أن يذكر ما وصله من أخبار دون أن ينقدها، وثمة مَنْ يذكرها من قبيل الطرافة وعجائب الاتفاق، وثمة من يذكرها كاستئناس على ضفاف الحدث نفسه، ولا شَكَّ -أيضًا- أن ثمة من يذكرها لأنه يُصَدِّقها.

وعلى حدِّ ما نعلم، فإنه ليس ثمة خبر قد ثبت أنه وُضِع قبل أن يقع الحدث بالفعل، ولا سيما في مراحل التاريخ المبكرة، التي تشملها الفتوحات الإسلامية والدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ففي هذا التوقيت كانت الرواية الشفهية هي السائدة، ولم تكن قد ظهرت بعد دواوين التاريخ، التي كتبها المؤرِّخون الكبار، الذين بدأ ظهورهم في القرن الثاني للهجرة.

أحيانًا تكون النبوءة على لسان رجل صالح، وأحيانًا على لسان كاهن عالم بالحِدْثان، وأحيانًا لا يُعرف لها قائل، وأسوأ ما في النبوءة أنها تُعطي تفسيرًا سهلًا لحركة التاريخ، كما أنها تُضفي لمحة أسطورية على الأحداث والشخصيات.

ومن هذه النبوءات الشهيرة ما ورد من أن علي بن عبد الله بن عباس كان يقول ويُعلن: إن حفيديه أبا العباس وأبا جعفر سيتوليان الخلافة، ويحكمان ما كان بيد الأمويين، «قيل: إنه دخل على هشام، فاحترمه وأعطاه ثلاثين ألفًا، ثم قال: إن هذا الشيخ اختلَّ وخلط، يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولدي. فسمعها علي، فقال: والله ليكونن ذلك، وليتملكن هذان، وكان معه ولدا ابنه السفاح والمنصور»([1]).

ولأجل هذا القول والإصرار عليه ساءت علاقته بالوليد بن عبد الملك؛ حتى ضربه وطاف به على جمل مقلوبًا ينادى عليه: هذا عليٌّ الكذاب. لأنهم بلغهم عنه أنه يقول: إن هذا الأمر سيصير في ولدي. وحلف ليكونن فيهم حتى تملك عبيدهم الصغار الأعين العراض الوجوه([2])، وفي رواية أخرى: «إي والله لتكونن الخلافة في ولدي، ولا تزال فيهم إلى أن يأتيهم العلج من خراسان فينزعها منهم»([3]).

والرواية الأولى أشبه بتغلُّب الجنود الترك على أسيادهم الخلفاء، والأخرى أشبه بتغلُّب المغول عليهم، والرواية الأولى نجدها في مصادر عاش مؤلفوها في زمن تغلُّب الترك؛ مثل المبرد (ت 286هـ) في كتابه الكامل، والمجهول صاحب «أخبار الدولة العباسية»([4])، الذي أُلِّف قريبًا من زمن المبرد في منتصف القرن الثالث الهجري؛ بحسب ما حقق المؤرِّخ الدكتور عبد العزيز الدوري([5]).

والرواية الثانية نجدها في المصادر التي كُتبت بعد إسقاط المغول للخلافة العباسية؛ مثل فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (ت 764هـ)، وعقد الجمان لبدر الدين العيني (ت 855هـ)، وغيرهما، ومن ثَمَّ فُسِّرت النبوءة بحسب ما وقع من أحداث، فمَنْ رَأَى المغول كَتَب بأنها تنبَّأت بالمغول، ومَنْ لم يدركهم ظنَّها خاصَّة بتغلُّب الجنود الترك على الخلفاء.

إلا أن احتمالًا ينبغي أن نضعه هنا؛ ذلك أن ما يقوله الرجل الصالح ينبغي أن يُؤخذ باحترام على غير ما يصدر عن الكُهَّان؛ فالرؤية الصالحة جزء من النبوة، وقد يكون علي بن عبد الله بن عباس نطق عن رؤية صالحة رآها..

وتُشير بعض الروايات الضعيفة إلى أن النبوءة قالها عبد الله بن عباس في وصيته عندما حضرته الوفاة([6])، كما تُشير روايات ضعيفة أخرى إلى أن النبي ﷺ هو الذي بَشَّر العباس بأن الخلافة ستئول إلى ولده([7]).. وهي الروايات التي وُضِعت في العصر العباسي بغرض إسباغ الثوب الشرعي على الخلفاء.


لم يختلف العلماء على الفضل الكبير والمكانة العليا في الإسلام للعباس وابنه عبد الله بن عباس وحفيده علي بن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم جميعًا؛ فلقد كانوا من خيرة الناس نبلًا وشرفًا ومروءة وعلمًا وعملًا؛ وعلى الرغم من أن هذا من الحقائق التي لا شَكَّ فيها؛ فإن قيام دولة الخلفاء من بني العباس واستمرارها قرونًا أسفر عن كثير من الروايات، التي لا ترفع من شأن أجداد الخلفاء فحسب، بل تُسقط من شأن كل مَنْ ولي الخلافة من الأمويين حتى معاوية رضي الله عنه؛ بل امتدَّت كثيرٌ من الروايات إلى الطعن في الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان.. وانتشرت هذه الروايات في كتب الأدب، وتناقلها الإخباريون ووضعها المؤرِّخون في كتبهم، ولا شَكَّ في أن هذه الروايات ساهمت في تضليل كثير من الناس، وتشويه أنصع صفحات التاريخ الإسلامي ورجاله العظام، ولولا أن ديننا دين الإسناد لاستحال تمييز التاريخ الصحيح من تشويهات الوضَّاعين من الإخباريين وذوي الأهواء، الذين أحبُّوا أن يُنافقوا الخلفاء ولو على حساب دينهم.

ولذلك ينبغي التنبيه إلى ما شاب الروايات الواردة في فضل العباس وعبد الله بن عباس وعلي بن عبد الله بن عباس من روايات ضعيفة، ظاهرها الفضل وباطنها الطعن في غيرهم، وهذا بخلاف ما هو ظاهره وباطنه الطعن([8]).

نشر في ساسة بوست



([1]) المبرد: الكامل 2/162، والمطهر المقدسي: البدء والتاريخ 6/58، وابن ظافر الأزدي: أخبار الدول المنقطعة 2/273، والذهبي: سير أعلام النبلاء 5/285، وابن كثير: البداية والنهاية 9/352.
([2]) الكامل: المبرد 2/162. وقال عن إسناد الرواية: «إسناد متصل لست أحفظه». ومجهول: أخبار الدولة العباسية ص139.
([3]) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات 2/233، وبدر الدين العيني: عقد الجمان.
([4]) تعليق على كتاب «أخبار الدولة العباسية»:
مؤلفه مجهول، أُلِّف في منتصف القرن الثالث الهجري بحسب ما حقق د. عبد العزيز الدوري، وهذا الكتاب يؤرخ للحركة العباسية أيام كانت دعوة وتنظيمًا سريًا، وبدأ الكتاب بفضل العباسيين، وجاء فيه بكل ما استطاع من روايات ترفع من قدر العباسيين (العباس، عبد الله بن عباس، علي بن عبد الله بن عباس) وتضع من قدر غيرهم، أيًّا ما كان هؤلاء الآخرون: أمويين أو تابعين أو صحابة أو خلفاء راشدين أو أم المؤمنين عائشة، وتكاد كل هذه الروايات أن تكون ضعيفة وموضوعة ومكتوبة بنَفَس وغرض شيعي واضح الحقد والكذب، وفيها كل ملامح الرواية الضعيفة من الطول والإسهاب، وكثرة السب والشتم، وكثرة ألفاظ القسم، وهي تستهدف تثبيت القول بأن الإمامة حق لآل البيت لا يتعداهم إلى غيرهم، وهو قول أُلِّفَ لغرض السياسة؛ ليُؤَكِّد على أن خلافة العباسيين إنما تصحيح للوضع الخاطئ، فهو حافل بروايات تبادل السباب بين معاوية وابن عباس (رضي الله عنهما)، وفيها يستطيع ابن عباس –دائمًا- إفحام معاوية إفحاما مهينا!!                                                               
وأغلب الظن أن هذه الروايات وضعت في أوائل العصر العباسي، لا سيما عهد أبي جعفر المنصور، حيث كانت المعركة على شرعية الخلافة على أشدها بين العلويين والعباسيين، كما يمكن أن يكون بعضها وُضِع منذ أواخر العصر الأموي في إطار الأسلحة التي استخدمتها الدعوة العباسية لإثبات الأحقية في الخلافة لآل البيت، ولاشك أن مثل هذه الروايات هي التي ملأت النفوس بالحقد والثارات وجعلت ثورة العباسيين بهذه الدموية، وما وُضِع منها بعدئذٍ في عهد المنصور كان يساهم في تبرير هذه الدموية وإتاحة الأعذار لها.
 إن مطالعة هذه الروايات تشرح حال زمنها وأفكار العباسيين فيها، ونعلم منها حقًّا أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله، قد هيَّأ الله الرجال الأفذاذ الذين وضعوا علم السند، وناقشوا صلاحية الرجال لرواية التاريخ، ولولا هذه النعمة على الأمة لكانت مصادرنا موضع التشكك والاضطراب والاختلاف.. فالحمد لله رب العالمين.
ويلاحظ في هذا الكتاب -أيضًا- كثرة النبوءات والعلامات والأحاديث المكذوبة التي تُبَشِّر بقدوم العباسيين وما إلى ذلك، لكنه على الرغم مما فيه يمثل المصدر الرئيسي في التأريخ لفترة الثورة العباسية حتى قيام الدولة، والمعلومات التي أوردها بهذا الخصوص لا توجد في غيره، وتمتاز بالتفصيل والشمول والتتبع الدقيق لمسارات الحركة العباسية.
([5]) مجهول: أخبار الدولة العباسية ص10 (مقدمة التحقيق).
([6]) مجهول: أخبار الدولة العباسية ص131، وسنده ساقط لجهالة المؤلف ولعدم تصريحه بالتحديث، كما أن سنده هو: محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: حدثني سليمان بن عيسى بن موسى، عن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، عن أبي عبد الله محمد بن علي، ولم أعثر على تراجم لرجال بدايات السند، ووجدت محمد بن طاهر البرزنجي يضع روايةً وردت عن محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى في قسم الضعيف والمسكوت عنه من تاريخ الطبري. انظر: محمد بن طاهر البرزنجي: صحيح وضعيف تاريخ الطبري 11/148.
([7]) انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء 6/58.
([8]) انظر مثالاً من هذه الروايات الساقطة في كتاب «أخبار الدولة العباسية»، الذي أُلِّف في منتصف القرن الثالث الهجري بحسب تحقيق د. عبد العزيز الدوري، ولا يُعرف مؤلفه.