الجمعة، أغسطس 26، 2016

في ذكرى إجهاض مبكر لثورة مصرية

في مثل هذا اليوم (24 أغسطس 1879م) هجم مجموعة من رجال الشرطة على الرجل المعمم الذي يسير في قلب القاهرة متجها إلى بيته قريبا من الأزهر، اختطفوه ووضعوه في قسم الشرطة، ومنه إلى السويس في عربة قطار مغلقة، ثم على باخرة إلى الهند، دون حتى أن يتمكن من أخذ ثيابه أو يعلم به أحد من أحبابه. وفي صباح (26 أغسطس) نشرت الصحف نبأ نفي "رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا".. ولم يكن هذا الشخص سوى جمال الدين الأفغاني!

(1) التضحية برأس النظام ليبقى النظام

كعادة الثورات المخدوعة، سقط رأس النظام ليبقى النظام.. خُلِع الخديوي إسماعيل لأنه الشخص الذي تلاقت مصلحة سائر الأطراف على خلعه:

1. الشعب المصري بدأ الدخول في ثورة على الخديوي، وهي التي إن نجحت فستهدم نفوذ الأجانب الهائل في مصر، كانت الأحوال قد ساءت تماما وتراكمت الديون بفعل الفساد المالي للخديوي وتبذيره غير المسبوق، ونشط الحديث عن الثورة في سائر القطاعات (وهذه من نذر الثورة كما يقول كرين برنتن)، فالبرلمان الذي صنعه الخديوي زخرفا لحكمه ومساندة لقراراته صار يوسع صلاحياته ويراقب الحكومة ويعترض على إنفاقها ويراجع القوانين، والجيش وصلته الأزمة وصدرت بعض تمردات كاد أحدها (حادث 18 فبراير 1879م) يودي بحياة الخديوي إسماعيل نفسه، والشارع صار يعطي قياده لأمثال عبد الله النديم، والنخبة تتمركز وتدور حول جمال الدين الأفغاني.. باختصار: صار الأمر خطيرا!

2. والسلطان العثماني –عبد الحميد الثاني في وقتها- يريد أن يستعيد تبعية مصر له من بعد ما بذل إسماعيل الأموال الضخمة لأسلافه ليستقل بمصر على الحقيقة، والواقع أن مصر صارت تابعة للأجانب ولهم فيها نفوذ لا يبلغ السلطان العثماني شيئا منه.

3. عندئذ رأى الإنجليز أن إسماعيل قد صار عبئا عليهم، وأن بقاءه يهدد نفوذ الأجانب ودولتهم بما يستثيره هذا من ثورة عليه، وبما ثبت من عجز نظامه عن تهدئة الأمور وإخمادها، فاختاروا التضحية برأس النظام ليبقى النظام نفسه.
وهكذا اتفق الجميع اتفاقا غير مكتوب على خلع إسماعيل، ظنَّ الشعب وقادة الثورة أنه مكسب ثوري وخطوة عظمى على الطريق، لا سيما وأن البديل –وهو ابنه الخديوي توفيق- كان ضمن جمعية سرية تخطط للثورة على أبيه. وبمثل هذا استبشر السلطان العثماني الطموح صاحب مشروع الجامعة الإسلامية. وكالعادة في مثل هذه الأحوال: كان الطرف الأقوى هو الكاسب الوحيد بما له من قوة ونفوذ وتحكم وقدرة على استيعاب الحركة الجماهيرية ومناورتها لضربها.. وفعلها الإنجليز!

(2) النهج الإصلاحي المتردد

حدث ما لم يكن في الحسبان، فتوفيق الذي جاء به الإنجليز تحول من ثائر على أبيه إلى خديوي يريد الحفاظ على ملكه ولو بالخضوع التام للأجانب، والوزارات التي شُكِّلت لغرض تهدئة الأمور تولاها أمثال محمد شريف باشا (القانوني المشهور والملقب بمؤسس النظام الدستوري في مصر) والقانونيون بطبيعتهم إصلاحيون لا يصلحون للثورات، ومحمود سامي البارودي تحول من "رب السيف والقلم" إلى وزير إصلاحي.. كان الجميع يغريهم المكسب السهل بخلع الخديوي إسماعيل ويظنون أن الأمور ستسير في الطريق الصحيح باعتماد النهج الإصلاحي المتدرج حفاظا على البلد ومنعا لتدخل الاجانب.

وهكذا اتخذت الحكومة المصرية برئاسة الخديوي توفيق نفسه (تولى الوزارة بنفسه ليكبل البرلمان الذي لا تسمح له صلاحياته بمنابذة الخديوي) وبعضوية محمود سامي البارودي.. اتخذت قرارا بنفي جمال الدين الأفغاني من مصر فنُفي على هذه الصورة البئيسة الغادرة!

وبهذا النفي سددت أقوى ضربة للثورة المصرية التي توشك على الولادة، وخرجت الثورة ضعيفة مترددة تتأرجح بين الثورة والإصلاح، لا تجد قائدا ذكيا جسورا يسوقها إلى منتهاها، وأثبت قادة الثورة أنهم لم يكونوا أهلا لها مع الاحتفاظ لهم بالتقدير والشهادة لهم بالبسالة والإخلاص.

لقد اتفق كثيرون أيضا اتفاقا غير مكتوب أن الحل قد يكون في التخلص من هذا المزعج جمال الدين الأفغاني، بداية من الإنجليز الذين تتهددهم ثورة مرورا بالإصلاحيين الذين يرون في الأفغاني خطرا يهدد البلاد ويضيع مكاسبها الثورية بتهوره وانتهاء بالأغبياء الذين لا يعرفون قدر وندرة القيادة الذكية الجسورة ويحسبون أن الرجال كثير وإن هلك أحد قام غيره مقامه!

(3) لماذا الأفغاني؟

لأن الأفغاني هو الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تصنع ثورة في كل مكان نزلت به، في أفغانستان والهند وإيران ومصر، وحتى منافيه التي كانت بين فرنسا وإنجلترا وروسيا كانت غرفة عمليات لنشر الوعي والتحريض على الثورة والمقاومة، ولأجل هذا –كما يروي جلال كشك- لم يستطع جمع من المثقفين الإجابة على سؤال: هل كان الأفغاني سنيا أم شيعيا؟ لأن الرجل لاقى في بلاد السنة تقديرا عظيما لا يمكن أن يلقاه شيعي ثم هو أشعل ثورة غير مسبوقة في إيران حتى تراجع الشاه عن منح امتياز الدخان لشركة إنجليزية (كانت ستكرر مأساة احتلال الهند) وهو أمر لا يتسنى أن يفعله سني في بلاد فارس لذلك الوقت.

لقد وصفه محمد عبده بقوله: "كأنه حقيقة كلية تجلت في كل نفس بما يلائمها"! وهكذا اجتمع إلى الأفغاني العلماء والأدباء، المسلمون والنصارى، أهل الأزهر وخريجو التعليم الحديث! وهو يبث في كل هؤلاء من روح ثورته، ولقد بالغ بعض المؤرخين مثل كارل بروكلمان فقال فيه قولا مدهشا: "كان الإسلام ولا يزال هو المهيمن على الحياة الدينية في مصر، وإنما يرجع الفضل في ذلك، في المحل الأول، إلى جمال الدين (الأفغاني)"[1].

حتى عبد الرحمن الرافعي –مؤرخ القومية المصرية، وهو قومي حتى النخاع- لا يتردد في وصف الأفغاني بأنه رأس في الإصلاح الديني والفكري والسياسي، وقال بأنه في الإصلاح الديني مثل مارتن لوثر في المسيحية، وفي الإصلاح الفكري مثل روسو ومونتسكيو، وفي الإصلاح السياسي مثل واشنطن وجاربيلدي ومازيني وكوشوت[2]. وهو أمر يُستغرب من مصري بهذا الاعتزاز القومي أن ينسب فضل يقظة مصر والشرق إلى رجل أفغاني غريب!

ومن المهم هنا أن نذكر أن الأفغاني جاب أهم بلاد العالم الإسلامي: أفغانستان والهند والحجاز وفارس ومصر وتركيا، لكن السنين التي قضاها في مصر كانت أخصب سنيه وأكثرها إنتاجا وأقواها تأثيرا.

كان لا بد للإنجليز إخراج هذا الرجل من مصر، وقد كان، وفقدت به الثورة المصرية قائدا لا يعوض، وانتثر شمل تلاميذه من بعده، بل منهم من طلق السياسة واتجه للإصلاح التربوي والتعليمي فلا هو نجح ولا هو ورث شيخه في الثورة.

(4) النهاية المريرة

انتهى الحال بالأفغاني في بلاط السلطان عبد الحميد، السلطان الذي يُشهد له بالذكاء ويُؤخذ عليه التردد، كان عبد الحميد يحتاج الأفغاني في مشروع الجامعة الإسلامية وكان الأفغاني خير من يستطيع القيام بهذا الدور، إلا أن ثورية الأفغاني كانت مخيفة لعبد الحميد.. فماذا فعل؟

لا يجرؤ على قتله، وهو من أشهر أعلام المسلمين وأرفعهم مكانة، ولا يجرؤ على نفيه وإلا لحقت به نفس المهانة التي لحقت بتوفيق وبالحكومة المصرية، فلجأ إلى حبسه.. حبسه في "قفص ذهبي"، جعله أسيرا عنده تحت المراقبة على هيئة المستشار، لا هو يسمح له بالخروج من تركيا ولا هو يأخذ بمشورته، ثم مات الأفغاني ميتة تحيط بها الشبهات وتتوجه أصابع الاتهام فيها لعبد الحميد نفسه.

وهكذا قُضِي على الشخصية العجيبة النادرة المواهب والطاقات.. لقد سُدِّدت له كثير من الطعنات، لكن أقوى طعنتين كانتا من رجليْن مسلميْن صالحيْن: البارودي والسلطان عبد الحميد.

يروي أمير البيان شكيب أرسلان حديثا بينه وبين الأفغاني في أيامه الأخيرة، قال الأفغاني: "لم يبق في الإسلام [المسلمين] أخلاق، فهذا محمود سامي (البارودي) عاهدني ثم نكث معي وهو أفضل من عرفت من المسلمين"[3].




[1] كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص617.
[2] عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، 2/140 وما بعدها، 1/225.
[3] انظر: حاضر العالم الإسلامي، 2/299.