الأربعاء، أبريل 30، 2014

ثقافة الإسراف.. الجذور والمسار والثمار




قال الجرجاني في التعريفات: "الإسراف: هو إنفاق المال الكثير في العرض الخسيس، وقيل: هو تجاوز الحدّ في النّفقة، وقيل: هو أن يأكل الرّجل ما لا يحلّ له أو يأكل ممّا يحلّ له فوق الاعتدال ومقدار الحاجة".

 (1) الجذور

ليست عوائد الإسراف، أو الثقافة الاستهلاكية، إلا ابنًا من أبناء الحضارة الغربية المادية، وهذا الموضوع هو بحد ذاته دليل على أن إصلاح العقيدة (التي هي رؤية شاملة للإنسان والكون والحياة) هو مبدأ كل إصلاح، وأن فساد العقيدة هو مبدأ كل فساد.

حين سارت الحضارة الغربية في مسار العلمانية وتقديس المادية وإزاحة كل "ما وراء الطبيعة" كان طبيعيا أن ينفجر النهر الفياض من الشهوات واللذائذ، وأن يعب المرء من الحياة ما استطاع بكل ما استطاع، فخلاصة الحياة في ظلال المادية تلخصها عبارة ألبير كامي -فيلسوف العدمية الشهير- القائلة: "كل شيء جائز طالما أن الله غير موجود وأن الإنسان يموت"[1].

وهنا.. صارت اللذة هي الإله الجديد الذي تعبده البشرية في محراب المادية!

وذلك أساس فارق وخلاف جوهري بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية للطبيعة، فارق بين "الاستخلاف في الأرض" الذي هو بمعنى المسئولية والرعاية للأمانة والوديعة، والتي سيعقبها حساب وجزاء في اليوم الآخر، وبين معنى "الامتلاك الكامل" الذي تطرحه النظرة المادية العلمانية التي لا ترى في الكون إلا أنه "مادة استعمالية لا قداسة لها، توظَّف وتصنَّع وتستهلَك وتولَّد منها الطاقة من أجل تحقيق لذة الإنسان ومنفعته، الأمر الذي يتطلب المزيد من استهلاك مصادر الطبيعة بمعدلات لا نظير لها في تاريخ الإنسان"[2]، وهو ما جعل الطبيعة في نهاية الأمر مجرد "مخزن للثروات ومستودع للنفايات"[3] كما قال الفيلسوف الفرنسي الشهير رجاء جارودي.

(2) المسار

لقد انطلق قطار الحضارة المادية يبتغي الوصول لسعادة الإنسان وإشباع حاجاته، وما زال كلما وقف في محطة محققا نصرا علميا ومزيدا من التحكم في الأدوات ليشبع حاجة ولذة، كلما انفتحت له محطات جديدة ولذائذ أخرى، ثم كانت المفاجأة:

"لم ينتج عن هذا زيادة التحكم في الذات الإنسانية أو في الواقع الموضوع بل على العكس، فمع ظهور الإنسان الطبيعي (المادي) وتحديد المنفعة واللذة باعتبارهما الهدف الأساسي للوجود الإنساني، ترجم هذا نفسه إلى الاستهلاكية، وتصور أن مزيدا من السلع فيه مزيد من المنفعة واللذة، وقد تسارعت وتائر هذه الاستهلاكية تسارعا مذهلا، وبعد أن كانت الحاجة هي أم الاختراع أصبح الاختراع هو الذي يولد الحاجة، فوجد الإنسان نفسه محاطا بسلع وأجهزة ليس متأكدا تماما أنه يريدها (والسلعة مثل المادة، شيء يتحرك بلا هدف أو غاية)، وبدأ الإنسان يشعر أنه لم يعد من أمره شيئا، وأنه يدخل في بحث لا ينتهي عن هدف لم يحدده في عالم ليس من صنعه تتراكم فيه سلع لا يريدها"[4].

لقد تحول الاستهلاك نفسه إلى "فلسفة مطلوبة؛ إذ إن تكاثر الإنتاج يقتضي ويريد تكاثرا في الاستهلاك، فيسعى أصحاب الإنتاج أنفسهم إلى خلق نوعيات جديدة للاحتياج عبر الدعاية والإعلان والتطوير المستمر للمنتجات، والبحث عن أسواق جديدة، وتقصير عمر المنتج ليستهلك سريعا؛ ولهذا فإن السيارات الحديثة لا تتمتع بأعمار السيارات القديمة، وكذلك البنايات الحديثة لا تعيش أبدا كما عاشت البنايات الأقدم منها"[5].

وبهذا صارت الشعوب فريسة لذوي الأموال المترفين وذوي السلطان المتجبرين، فأولئك يتحكمون بالناس عبر تحكمهم بصناعة اهتماماتهم وتلاعبهم بشهواتهم وغرائزهم، حتى إنهم ليبتكرون لهم شهوات وحاجات جديدة تحتاج لإشباع جديد!

وهنا صارت لدينا طبقتان متمايزتان: قلة رأسمالية متحكمة ومهيمنة، وشعوب مستضعفة مستغفلة أقرب إلى القطعان منها إلى الإنسان، تساق إلى الموت وهي لا تشعر وقد تُذبح وهي لا تبصر.

(3) الثمار

على عكس ما توقع الجميع، لقد جاءت المادية بنتائج كارثية في حياة البشر، إن الفكر المادي المهيمن جعل حتى التفسيرات التي تبدو "علمية" ذات تطبيقات في غاية الخطورة، يقول د. عبد الوهاب المسيري: "في هذا السياق يبرز دارون كواحد ممن ساهم في التنظير للصراع والدموية بمقولته عن البقاء للأقوى أو للأصلح، حتى إن فرويد تساءل عن حكمة الدعوة إلى فضائل مستحيلة مثل كبح جماح الرغبات الجنسية والعدوانية، بل إنه يتحدث -في لقطة متوحشة حقيقية- عن "فضل" اليهود على المدنية، فقد انتشروا في أرجاء العالم ومن ثم اتجه إليهم عدوان الشعوب التي عاشوا بينها، فأتاحوا لتلك الشعوب فرصة التنفيس عن طاقة العدوان"[6].

لقد صار الإنسان الذي اعتاد الإسراف خطرا على الإنسانية وعلى الكون من حوله، حتى بالمنظور المادي نفسه، ولعله يكفي –في هذا الصدد- أن نعرف أن نصف المواد العضوية التي تلقى في الماء وتلوثه في مصر هي أغذية ومشروبات، بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2007م[7]. لقد غرقت الإنسانية فيما يسميه جان بيليت –وهو من أبرز علماء البيئة- بـ"مجتمع النفايات"، ويرمز لها بنهر له منبع وهو الاقتصاد الذي يضخ عددا رهيبا من السلع والمنتجات لتلبية حاجات الاستهلاك المتزايدة، وله أيضا مصب وهو تراكم النفايات بعد انتهاء الاستهلاك، وهذا ما ينتج ثلاث مشكلات: مشكلة الطاقة، ومشكلة الموارد الأولية، ومشكلة تلوث البيئة"[8].

إن الثقافة الاستهلاكية هي ما تجعل المرء يمتلك عددا من الهواتف والأجهزة الإلكترونية لكنه لا يستعملها إلا في اللعب أو ما لا يفيد، يمتلك عددا من السيارات لكنه لا يهوى إلا أن يسابق ويتقافز ويتمطى بها وربما ليحصل على قلوب العذارى كما أوحى إليه الإعلام، يأكل في المطاعم الأمريكية طعاما لا غذاء فيه بل هو مشحون بالأمراض ليس إلا لأن ارتياد هذه المطاعم يشعره بالنشوة التي تكونت عنده عبر الإعلانات الشهوانية. إنها حالة من التيه المختلط بالنشوة التي تصنع القوم الغافلين.

***

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "كلوا وتصدّقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"[9].

نشر في مجلة الوعي الإسلامي، رجب 1435هـ = مايو 2014م.



[1] علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب ص139.
[2] د. عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة 2/ 120.
[3] رجاء جارودي: وعود الإسلام ص20.
[4] عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر ص133.
[5] جان ماري بيلت: عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة ص48، 50، 56.
[6] عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 8/ 329.
[7] تقرير البنك الدولي للعام 2007م (ب).
[8] جان ماري بيلت: عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة ص59.
[9] رواه النسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني.