الأربعاء، يناير 29، 2014

ثمرة الجهاد في عصور الضعف


كم في التاريخ من لحظات كانت تنادي على البطل ولا تجده، وبمناسبة دخول العام الهجري 1435 فقد اخترنا أن نتحدث عن لحظة جرت في مثل هذا العام ولكن قبل ألف عام.. وكان ذلك في بغداد، معقل الخلافة الإسلامية، إذ كانت حينئذ في عصر يصلح أن نطلق عليه "عصر الضعفاء.

***

كانت بغداد، عاصمة الدنيا والخلافة، قد آل أمرها إلى الضعفاء:

1. فالخليفة العباسي ورث خلافة قد ذهبت قوتها بذهاب العباسيين الأقوياء الذين تسلط عليهم البويهيون.

2. والبويهيون –وهم قوم عسكريون- ظهروا أول أمرهم على الساحل الجنوبي لبحر قزوين ثم أخذوا في التوسع حتى سيطروا على بلاد طبرستان وفارس ثم العراق وصاروا ملوك بغداد على الحقيقة. فتحولت السلطة في بغداد إلى رأسين: الخليفة يملك الشرعية ويقوم بالإجراءات الرسمية بينما المُلك على الحقيقة بيد الملك البويهي الذي يدير الأمور ويُجيِّش الجيوش ويتصرف بالأموال وهو يملك –فعليا- إجبار الخليفة على خلع نفسه من الخلافة، لكنهم في العادة تركوا الخليفة يعيش معزولا في قصر الخلافة وأطلقوا له ما يكفيه من الأموال لشؤونه وشؤون أهله.

3. لكن البويهيين الأقوياء ذهبوا، وجاء الضعفاء الذين لم يعودوا يستطيعون السيطرة على الدولة ولا على الجيش الذي بدأت تظهر فيه الانقسامات العرقية بين الأتراك (وهم الذين كانوا يمثلون الجيش الأساسي للدولة منذ قرنين قبل قدوم البويهيين وجيشهم من العرق الديلمي) والديلم، وكانت الكفة تميل لصالح الأتراك بما لهم من مواهب شخصية ومن تاريخ قديم في العسكرية العباسية، وساعدهم على ذلك أن الديالمة أنفسهم ضعفوا بعد أن تفككت الدولة البويهية بتنازع أمرائها فصار بعضهم في فارس وبعضهم في العراق وبعضهم في طبرستان.

غير أن الأتراك يواجهون مشكلة أخرى، أنهم بلا قائد، وليس من بينهم من يمتلك مواهب الزعامة والقيادة، فهم قوة تبحث عمن تتحالف معه لكنها لا تجده!

وهكذا كان حال الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) والملك البويهي (جلال الدولة) والأتراك الذين هم أقوى أجنحة الجيش.

فكل طرف من هؤلاء الثلاثة يملك شيئا ويفتقد آخر، الخليفة يملك الشرعية ويفتقد الهيبة والنفوذ والقوة، والبويهيون يملكون النفوذ وبعض القوة (والقوة للبويهيين هي قدرتهم على إدارة البلاد وحكمها) ولكنهم يفتقدون الشرعية والقوة العسكرية، والأتراك يملكون القوة العسكرية ولكنهم يفتقدون شرعية الخلافة والنفوذ والقدرة على الإدارة.

ولهذا جرت أمور السياسة غريبة مثيرة للدهشة، فالأحوال الاقتصادية المنهارة تؤثر على دفع رواتب الجيش، فيحمل هذا الوضعُ العسكرَ التركي على مهاجمة قصر الحكم البويهي ونهبه وخلع جلال الدولة، وجلال الدولة يستسلم لهذا الخلع ويأخذ أسرته ويخرج من بغداد، فيعيش الأتراك أزمة أكبر بعجزهم عن إدارة الدولة، وقد فشلوا أكثر من مرة في إيجاد البديل لجلال الدولة، فيضطرون مرة أخرى للاعتذار له وإعادته إلى الحكم، ويجري بينهم اتفاق يُنَظِّم دفع الرواتب، لكن الاقتصاد المنهار لا يسمح بسريان هذا الاتفاق فيعودون لخلعه فيستجيب ويستسلم ويخرج، فيفشلون في إيجاد البديل، فيعود مرة أخرى.. لقد تكرر هذا السيناريو الدرامي ثلاث مرات في ست سنوات!

وصار الاعتزال سنة، فالأتراك أحيانا يهددون بالإضراب عن العمل والخروج من بغداد لتفرغ من قوة الجيش كي يُستجاب لهم، والخليفة نفسه –الذي صار يُعتدى على بعض أمواله وممتلكاته لتوفير الأموال- يهدد بالخروج من بغداد بما يعني انهيار الشرعية، وبما يعني أن خروجه سيؤدي إلى أن يعرض آخرون من الأسر الحاكمة للأقاليم أن ينتقل إليهم وينزل عندهم، فيكونون بذلك نوابه، فيحلون –بهذا- محل البويهيين، وتكون لهم شرعية السيطرة على بغداد وحكمها باسم الخليفة العباسي أمير المؤمنين، وإضافة إلى ذلك فإن الخليفة يستطيع -بما له من مقام ديني وتاريخي- أن يأمر القضاة وبعض أصحاب المهن بالإضراب العام فتتعطل المصالح بما يسبب ضغطا على جلال الدولة وعلى الأتراك.

وتحت هذه المظلة السياسية الهشة والمتصارعة انهارت الدولة وانهار المجتمع ككل..

فأما انهيار الدولة فهو أنها لم تعد تسيطر إلا على العراق وحده بل هي فعليا لا تسيطر إلا على بغداد بينما استقل الأمراء بالبلاد وتفككت الدولة، بل حتى أطراف العراق قد صارت تحت نفوذ أمراء مستقلين بها ولا تربطهم بالخلافة إلا دفع أموال سنوية فحسب. بينما ما خلف العراق من بلاد فارس وخراسان والسند والهند وما وراء النهر تقوم فيها دول تستقل استقلالا كاملا عن خلافة بغداد، وكذلك الحال في الشام ومصر والشمال الإفريقي والأندلس.. بل وسيطرت عصابات الأعراب والقرامطة على طريق الحج وأجزاء من جزيرة العرب حتى لم يعد العراقيون وأهل المشرق يستطيعون أداء فريضة الحج، وإن غامروا وفعلوا فإنهم يعرفون أنهم يغامرون بحياتهم.

وأما انهيار المجتمع فلقد انتشرت فيه عصابات النهب والسلب وقطع الطرق، وصارت العصابات كيانات لها تنظيمات وعادات وزعماء، وازدهرت مهنة "الحراسات الخاصة"، وحدث بالفعل أن الناس كانوا أحيانا لا يستطيعون أداء صلاة الجمعة، وحدث يوما أن أقيمت الجمعة بثلاثة فقط في مسجد براثي ببغداد، وقد بلغت قوة هذه العصابات حد أنهم يهاجمون قوات الجيش وقد يأسرون بعضهم ونفذوا أكثر من اقتحام لسجون بغداد، ولم يكن أمام سلطة بغداد إلا التفاوض معهم إذا أرادت دخول مناطقهم. وفوق كل هذا وذاك كانت المواسم تحمل تجددا دائما للفتنة بين السنة والشيعة، فالشيعة يحتفلون بعيد الغدير (18 ذي الحجة) وعاشوراء (10 المحرم) فاخترع جُهَّال أهل السنة -مقابلة لهم وردا عليهم- يومين آخرين: نجاة النبي وأبي بكر يوم الغار (26 ذي الحجة) ومقتل مصعب بن الزبير (18 المحرم)[1]، فيتحول هذان الشهران إلى معارك ودماء وتطاحن بين الفريقين، ويزيد الوضع صعوبة حين ينضم العسكر الأتراك إلى السنة وينضم العسكر الديالمة إلى الشيعة فيكون القتال أشرس وأشد، وفي مسرح القتل تشتد وتقوى عصابات المجرمين والنهابين الذين وصلوا حدا مريعا في السرقة والغصب حتى لقد كان يسلب بعضهم ثياب النساء!!

وفي ظل عجز الجميع عن إيجاد أو تثبيت أي حل، فكان الجميع يرضى بالحلول التخديرية والتسكينية والتي ما تلبث أن تنهار لتبدأ الكرَّة من جديد.

ما يثير التأمل، ويثير الضحك المرير، أن جلال الدولة البويهي دخل في نزاع كبير مع الخليفة لأجل أن يُلقَّب بـ "ملك الملوك، مالك الأمم، شاهنشاه الأعظم" ثم استقر الأمر بعد مفاوضات ووساطات إلى أن يكون اللقب "ملك الدولة".

ما يثير التأمل أيضا أن الخليفة لم يكن يزعجه في كل هذا المشهد المرير إلا أن يُعتدى على بعض أملاكه أو تؤخذ بعض أمواله لسدّ حاجة الجيش ودفع رواتبهم، فهذا وحده الذي كان يجعله يرغي ويزبد ويهدد.

***

على أننا حين نرتد بالنظر إلى واقعنا فإننا نجده أسوأ..

ففي ذلك الوقت لم يكن ثمة صراع عالمي يملك فيه أعداء الإسلام من القوة والنفوذ ما يسمح لهم بالتدخل في أحوال الأمة الإسلامية وتجنيد أجنحة السلطة فيها أو السيطرة على جيوشها..

وفي ذلك الوقت كانت بغداد محروسة بالدول الإسلامية التي تحوطها شرقا وغربا، فمهما كانت النزاعات الداخلية مستعرة فهي في النهاية نزاعات إسلامية إسلامية، ليس فيها ما يهدف إلى محو الدين أو إضعاف المسلمين أو التمهيد لأعدائهم من الكافرين أو الملحدين..

وكل هذا إنما كان من الثمار المتأخرة لعصر الفاتحين، ذلك العصر الذي مدَّ خطوط التماس بعيدا عن عاصمة الدولة وقضى على قوة الأعداء بحيث صارت الاشتباكات عند أطراف الأمة الإسلامية، وصار بين العاصمة وبين أعداء الأمة بلادا وأراضي من المسلمين، وهذه البلاد كم قامت بواجبات الجهاد وفتح المزيد من البلاد حتى في ظل الضعف الشديد للخلافة في بغداد، فالسامانيون جاهدوا وفتحوا فيما وراء النهر شرقا، والغزنويون والغوريون جاهدوا وفتحوا في وسط آسيا والهند، والطولونيون والإخشيديون والحمدانيون تولوا عبء جهاد البيزنطيين في الشام وأطراف آسيا الصغرى، والأغالبة فتحوا صقلية وظلت تحت حكم الإسلام لقرنين من الزمان، والمسلمون في المغرب والأندلس كانوا يواجهون الصليبيين الإسبان.

وما يزال المرء يتأمل في أحوال التاريخ فلا يجد شيئا أعظم ثمرة ولا أكثر بركة ولا أقوى آثارا من الجهاد في سبيل الله.



[1] اختيار هذين اليومين فيه رد على الروافض؛ فيوم نجاة النبي وأبي بكر من الغار رد على تشنيع الروافض على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويوم مقتل مصعب بن الزبير كردٍّ على يوم مقتل الحسين، فأرادوا جعل مصعب بن الزبير لهم كالحسين للشيعة، وذلك أن مصعب بن الزبير هو من قتل أبا عبيدة الثقفي الذي كان من زعيم الشيعة ذلك الوقت. لكن التواريخ غير صحيحة، وهذا الأسلوب نفسه في الرد على البدع بابتداع بدعة جديدة باطل لا يقره أهل السنة، وإنما حملت عليه المنازعات المشتعلة.