الثلاثاء، مارس 08، 2011

للوطن لا لأحد: الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية

لم تغير الثورة كل الناس، ظل بعض المتجمدين على نفس حالهم..

المنافقون –وهم الحالة الأبرز والأغرب- أثبتوا أنهم أكثر قدرة على التلون مما تخيلنا حين انقلبوا في لحظات من النقيض إلى نقيضه دون شعور بالخجل، بل إنهم ادعوا أن لهم تاريخا مع الثورة!! ترى كيف يمكن لأحد من الناس أن يكذب على قوم وهو يعرف أنهم يعرفون أنه يكذب؟!!

والطائفيون لا يريدون أن يصدقوا أن أياد ما لها مصلحة في إشعال الطائفية، حتى بعد أن صارت تصريحات الإسرائيليين علنية، بل حتى بعد أن نشرت وثائق تثبت أن "أمن الدولة" كان هو الراعي الرسمي للطائفية، وهم بدلا من أن يعيدوا التفكير وتوجيه الطاقات في مسارها، يظلون على حالهم القديم.

كذلك كثير ممن اعتنقوا فكرة "الإصلاح يبدأ من داخل النفس"، وعملوا سنين كثيرة بوحي من هذه القناعة فمن ثَمَّ اكتسبوا قناعة جديدة مفادها أننا شعب "مريض، طائفي، متعصب، عدواني، فاسد... إلخ". هؤلاء بدورهم ما زالوا لا يصدقون أن الشعب استطاع صناعة ثورة راقية نظيفة ومنظمة ولو أنها بلا قيادة مادية ملموسة.. كان من المثير للاشمئزاز أن أرى بعضهم يقلب عن خبر ضد الثورة ثم يسارع بنشره ليثبت أن المجتمع ما زال مريضا وأن الثورة بدورها ثورة مريضة تمارس الفساد نفسه من الإقصاء والعدوانية واللاعقلانية و... إلخ.

كذلك فريق من السلفيين ممن ظنوا أن الثورة حرام شرعا، وأن ولي الأمر ينبغي أن يظل ولي الأمر ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك، ولو قُتلت النساء وسُبيت الذرية.. أحدهم –وهو معروف بتعامله مع أمن الدولة- اعتبر فرحة المصريين بثورتهم كفرحة الزوج العقيم بحمل امرأته من الزنا!!

***

إلا أن خطر كل هؤلاء لا يساوي خطر "النخبة المثقفة" التي ترفض أن تتغير أيضا، وهي تعاني نفس حالة الجمود التي لا تسمح لها برؤية ما هو جديد في المشهد!

بعض هذه النخبة المثقفة لم ير في الثورة إلا الخطر من الإسلاميين!! ورغم أن قداسا أقيم قبل خطبة القرضاوي بدقائق إلا أن المأتم اشتعل لأن القرضاوي خطب ولم يلفت القداس نظر أحد!! لا على سبيل الخوف من عودة الدولة الدينية (المسيحية) ولا حتى على سبيل الخوف من انهيار بناء الوحدة الوطنية بانقسام المنصة إلى قداس ثم خطبة.. إن الذين تشكلت عقولهم بالإسلاموفوبيا لم يستطيعوا إلا رؤية خطبة القرضاوي التي تطورت إلى عودة الخميني ثم تطورت إلى حرس القرضاوي الذي منع وائل غنيم.. لا حبا في وائل غنيم ولكن كرها في القرضاوي!

ثم سافر القرضاوي إلى قطر وانتهت مخاوف عودة الخميني، فبدأت المخاوف من أن الانتخابات البرلمانية قبل فترة استعداد كافية ستأتي بالإخوان إلى البرلمان، وببقايا الحزب الوطني القديم.. فمن ثم بدا وكأنها حملة (إي والله وكأنها حملة) لجعل الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية.

ليس عيبا أن نختلف في الأولويات، إنما العيب أن يقال بوضوح "لا أريد انتخابات لأنني غير مستعد، أو لأن فلانا أكثر استعدادا"، كأن العيب الآن أن الإخوان كانوا مستعدين، وأنهم عاشوا السنين ينحتون في الصخور ويعملون في المناخ الرهيب فاستطاعوا أن يكونوا أكثر جاهزية وقدرة على خوض أي انتخابات.. إن من المثير أن يقوم الكسول بفرض الشروط، فينعم بالأمن والرخاء وقت الشدة ثم يطلب فرصة للعمل وقت أن جاء الاختبار.

لكن، قد نتجاوز هذا أيضا.. إنما ما لا يمكن أن نتجاوزه هو أن يكون البديل هو استمرار المجلس العسكري في الحكم، والحكم مفسدة أي مفسدة! أو إجراء انتخابات رئاسية أولا، مع ما للرئيس من سلطات في الدستور المعطل، وهو ما يساهم في صناعة فرعون جديد.

في حديثه لمنى الشاذلي قال المستشار طارق البشري بأن (500) فرد منتخب في حالة ثورية يستلمون مهمة وضع الدستور هم أكثر ضمانا وأمانا وتعبيرا عن رغبات الشعب من أن يستلم هذه المهمة فرد واحد! كذلك فإن تأخير الانتخابات البرلمانية وتقديم الرئاسية يحمل مخاطر تدخلات الرئيس في القرارات والقوانين بما فيها المنظمة للانتخابات التي ستأتي بالمجلس الذي يستلم مهمة وضع الدستور، كما أن المجلس الذي يتحرك بلا رئيس هو أكثر تحررا وانطلاقا من المجلس الذي يتحرك في وجود رئيس يملك سلطات وصلاحيات.

المعادلة بسيطة لكنها لا تقنع أحدا من "النخبة المثقفة" التي ما زالت تتخوف من "الإخوان، وبقايا الحزب الوطني".

ووقفة مع بقايا الحزب الوطني..

فهذه الجملة لا توضع إلا لكي تعطي شكلا من الحياد للمتحدث، في حين يعرف الجميع أن الحزب الوطني ليس تنظيما شعبيا، أو هو كما يقال "ليس الحزب الحاكم، بل حزب الحاكم"، وقد تلقى الحزب ضربة قاسية بانتهاء حسني مبارك وقيادات نظامه، ثم إن هذا الحزب نفسه لم يكن يحصل على الأغلبية حتى في ظل مبارك وفي انتخابات غير متكافئة، وهو نفس الحزب الذي يحظى بكراهية واسعة من الناس مما يجعل وصوله في هذه الظروف الثورية إلى المجلس مستحيلا.. حتى القيادات القبلية والعصبيات لا خوف منها لأنها لم تكن تعبيرا عن الحزب الوطني بقدر ما هي تعبير حقيقي عن مصالح العائلة والقبيلة.. ثم لنقل –جدلا- بأن الناس يريدون الحزب الوطني وأنهم لا يقبلون ثورتنا هذه.. إن من أحكام الديمقراطية –التي يدعي الجميع الإيمان بها- أن ننزل عند رغبة الناس وأن نعتبر ثورتنا خطيئة في المسار الوطني. طالما أن الناس يرون هذا فليتحملوا نتيجة اختياراتهم!

لكن واقع الحال ليس الخوف من الحزب الوطني، بل من الإسلاميين، لا سيما وأنهم لم يعودوا الإخوان فقط بل انضافت إليهم تيارات من السلفيين (الذين لم يتجمدوا عند مواقفهم القديمة كما فعلت "النخبة المثقفة").. وتظل الحجة دائما هي الخوف على مكتسبات الثورة!!

إن "النخبة المثقفة" ما زالت تعاني من الجمود.. لم تغير الثورة من أفكارهم، وهم في الحقيقة بين احتمالين لا أكاد أرى لهما ثالثا:

1. إما أنهم يرفضون الاعتراف بأنهم يمثلون شريحة واسعة من الشعب، وبأن الغالبية الساحقة منهم كانت تعيش وتتعيش بمدد من النظام الديكتاتوري البائد، فتكتب في صحافته وتظهر على شاشاته وقد يكون لها أحزاب.. وكل هذا المشهد التجميلي للنظام القبيح. ومن ثم فهم يتخوفون من اختيار شعبي حقيقي يعرفون أنه لن يكون لصالحهم.

2. وإما أنهم ما زالوا يرون أن الشعب غير ناضج وغير مؤهل للديمقراطية وغير قادر على اختيار الأصح وحده، ومن ثم فهو ما زال يحتاج إلى الوصاية الأبوية الثقافية التي تمنعه أن يلقي بنفسه إلى التهلكة. وهم من أجل ألا تكون هذه التهلكة إسلامية فإنهم يقبلون أن تكون تهلكة عسكرية (ولطالما صدعونا بالدولة المدنية) أو تهلكة استبدادية رئاسية (ولطالما صدعونا بالنظام البرلماني).

هم في كلا الحالتين لم يستفيدوا من الدرس، وظلوا على جمودهم القديم.. حتى حين قدم الإخوان تنازلا –تحت ضغط الابتزاز- بأنهم لن يترشحوا إلا على 30% من المقاعد كضمانة يطمئنون بها الخائفين، أو غير المستعدين (!!)، ويثبتون بها –لمرة أخرى- أنهم يقدمون مصلحة الوطن في الانتقال السريع إلى سلطة مدنية منتخبة تكون نواة استقرار ديمقراطي على مصلحتهم الشخصية العاجلة في الفوز بأغلبية في المجلس الذي سيضع الدستور.

وعلى هذا، فمن الذي يُتهم بأنه يريد ديمقراطية على مقاسه؟

لسان حالهم ما قال الشاعر علي الجارم عن رجل ثقيل الظل:

لو كان من قوم نوح ... لما ركبت السفينة!